ما تأثير حملات التبرع في واقع النازحين في سوريا؟
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
دمشق- شهدت محافظات سورية خلال الأشهر الماضية حملات تبرع شعبية واسعة، شملت جمع مساعدات مالية وعينية لصالح دعم المتضررين من الحرب، ولا سيما النازحين في مخيمات الشمال والمدن المدمرة، تزامنا مع تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات الفقر وتراجع الخدمات الأساسية.
وبحسب بيانات متداولة، تجاوز إجمالي المبالغ التي جمعتها هذه الحملات مليارا و635 ألف دولار في مبادرة وطنية وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، وتهدف إلى دعم إعادة الإعمار وتحسين الخدمات بعد الحرب.
ورغم الزخم الذي رافق هذه المبادرات، يطرح نازحون سوريون تساؤلات حول جدواها الفعلية، ومدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية، في وقت لا تزال فيه مئات الآلاف من الأسر تعيش في خيام أو مساكن متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ويقول نازحون في مخيمات الشمال إن المساعدات، على أهميتها، غالبا ما تكون موسمية أو محدودة، ولا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بغياب فرص العمل وضعف البنية التحتية واستمرار الدمار في مناطق واسعة من البلاد.
وأكد النازح أمجد رحال المقيم في مخيمات خربة الجوز في ريف إدلب شمال غربي سوريا إن التساقطات المطرية الأخيرة وما رافقها من سيول وغرق الخيام، كشفت فشل حل مشكلة النزوح المستمر منذ أكثر من عقد لأسرته وآلاف السوريين رغم سقوط نظام الأسد وتوقف الحرب.
وقال رحال -في حديث للجزيرة نت- إن حملات التبرع تبدو أقرب "للدعاية والظهور الإعلامي للمتبرعين"، مشيرا إلى أن المخيم الذي يسكن فيه لم يصله منذ نهاية الحملات سوى مساعدات غذائية ضمن سلال إسعافية تكفي لبضعة أيام فقط.
ودعا الحكومة السورية إلى وضع خطة شاملة لحل ملف النازحين السوريين، بحيث يكون الملف أولوية لها، نظرا لاستمرار معاناة مئات الآلاف من العائلات في المخيمات، وغياب الحلول المستدامة التي تضمن عودتهم الآمنة والكريمة إلى مناطقهم الأصلية.
إعلانولا تزال مخيمات شمال غربي سوريا تضم أكثر من 1.5 مليون نازح سوري، وفق بيان لفريق "منسقو استجابة سوريا" صدر أواخر العام الماضي، غالبيتهم من أهالي إدلب وحماة واللاذقية.
وأسفرت العاصفة المطرية الأخيرة والسيول عن سقوط ضحايا، بينهم طفلان في ريف اللاذقية، إلى جانب وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة عدد من المتطوعين أثناء توجههم لتنفيذ مهام الاستجابة.
وبحسب وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، فإن فرق الدفاع المدني واصلت عمليات الإنقاذ والإخلاء وفتح الطرق، إلى جانب إنشاء مراكز إيواء مؤقتة وتقديم مساعدات إغاثية وخدمات طبية للعائلات المتضررة.
ورغم ضخامة الأرقام المُعلنة، فإن جزءا كبيرا من هذه المبالغ جاء على شكل تعهدات لم تُستكمل إجراءات تحصيلها بعد، ما يعني أن السيولة الفعلية التي قد تصل إلى خزينة الدولة أو الجهات المعنية قد تكون أقل بكثير من إجمالي الرقم المتداول.
ويطرح ذلك تساؤلات حول الفجوة بين قيمة التعهدات وحجم الأموال المحصلة فعليا، وانعكاس هذا الفارق على قدرة الحكومة على تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات، في ظل احتياجات هائلة تتطلب موارد مستقرة ومضمونة لا وعودا مؤجلة.
من جانبه، أكد المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن الأرقام المعلنة لحملات التبرع تعكس زخما مجتمعيا مهما، لكنها لا تعني بالضرورة توفر سيولة فورية بالحجم ذاته، مشيرا إلى أن جزءا مُعتبرا منها أُعلن على شكل تعهدات غير ملزمة قانونيا، وقد لا يُنفذ كاملا أو يتأخر تحصيله.
وقال العمر-في حديث للجزيرة نت- إن التعويل على أرقام إجمالية دون التمييز بين ما تم تحصيله فعليا وما هو مجرد وعود، قد يؤدي إلى فجوة في التخطيط المالي، ويضعف القدرة على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات وفق جداول زمنية واضحة.
وتتطلب المرحلة المقبلة -وفقا له- شفافية في إعلان المبالغ المُحصلة فعليا، وآليات واضحة لتحويل التعهدات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، بما يضمن استقرار التمويل وتوجيهه إلى أولويات تنموية مستدامة.
استمرار المعاناةوبين الأرقام المعلنة عن حملات التبرع وما يلمسه السكان على الأرض، تبرز تساؤلات حول حجم الاستفادة الفعلية للنازحين ومدى انعكاس تلك المبادرات على تحسين أوضاعهم المعيشية. وفي هذا الإطار، قدّم ناشطون في العمل الإغاثي شهادات من داخل المخيمات ترصد طبيعة المساعدات التي وصلت وحدود أثرها.
وقال الناشط في المجال الإغاثي في الشمال السوري هيثم الحمود إن حملات التبرع، رغم ما رافقها من تغطية إعلامية واسعة وأرقام كبيرة، لم تُحدث أثرا ملموسا في حياة معظم النازحين المقيمين في المخيمات.
وأوضح للجزيرة نت أن الواقع الميداني يُظهر أن غالبية المخيمات لم تشهد أي تحسن حقيقي في البنية التحتية أو الخدمات الأساسية، مشيرا إلى أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام مهترئة تفتقر إلى العزل والحماية من الأمطار والبرد.
وحسب الحمود، فإن ما وصل إلى بعض المخيمات اقتصر على مساعدات غذائية محدودة أو مواد إغاثية موسمية، لا ترقى إلى مستوى الاحتياجات المتراكمة منذ سنوات، ولا تلامس جوهر المشكلة المتمثل في غياب مشاريع إسكان دائمة وفرص عمل مستقرة.
إعلانوأشار إلى أن النازحين كانوا يتطلعون إلى أن تُترجَم حملات التبرع إلى خطوات عملية واضحة، مثل إنشاء تجمعات سكنية بديلة، أو دعم مشاريع إنتاجية صغيرة تعزز الاعتماد على الذات، لكن ذلك لم يتحقق حتى الآن بالشكل المأمول.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات إعادة الإعمار حملات التبرع إلى أن
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..