الذكاء الاصطناعي بنية معرفية قادرة على إحداث تحول جذري في قطاعات حيوية
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
العُمانية: لم يعد الذكاء الاصطناعي اليوم مجرد تقنية مساندة لتحسين الكفاءة التشغيلية أو تسريع الإجراءات الإدارية، بل أصبح تحولًا جذريًّا في فلسفة الإدارة وصنع القرار، وركيزة أساسية في بناء الاقتصادات المعرفية وتعزيز التنافسية الوطنية.
ومع تسارع التحولات الرقمية عالميًّا، تتزايد الحاجة إلى قراءة معمّقة لدور الذكاء الاصطناعي بوصفه منظومة متكاملة لإدارة المعرفة ودعم القرار الاستراتيجي وإعادة تشكيل نماذج الأعمال والسياسات العامة.
وفي هذا السياق، يقدّم المبتكر العُماني عماد بن عامر الرميمي رؤية تحليليّة شاملة حول التحوّل الرّقمي والبيانات والابتكار المؤسّسي، مستعرضًا الفرص والتحدّيات، ومحدّدًا ملامح القيادة المستقبليّة القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.
ويؤكد على أن الشاب العُماني أثبت على الدوام قدرته على الابتكار، وأن إنجازاته العلمية والتقنية أصبحت تتحدث عنه في المحافل الإقليميّة والدوليّة، حيث يُنظر إليه باعتباره نموذجًا للكفاءات الشابة القادرة على المنافسة عالميًّا، ومثالًا على حضور الشباب العُماني في منصات الابتكار الدولية وبرامج القيادات الشابة.
وقدّم الرميمي خلال مسيرته عدة مشروعات ابتكارية في مجالات التصنيع، والحلول الاستراتيجيّة للشّركات، والأمن الغذائي، والتحوّل الرّقمي، إلى جانب مشاركاته في برامج ومبادرات دولية لتطوير القيادات الشابّة، من بينها برنامج تنمية مهارات الشباب من شركة هواوي في جمهورية الصين الشعبية، ومنتدى لندن للعلماء الشباب، وغيرها من المحافل الدولية المعنية بالابتكار والتقنية وريادة الأعمال.
ويرى الرميمي أن الذكاء الاصطناعي تجاوز كونه أداة لتحسين الكفاءة التشغيليّة أو وسيلة للأتمتة، ليصبح منظومة معرفيّة متكاملة تشكّل ما يمكن وصفه بـ«العقل الرقمي» للمؤسسة. ويؤكد على أن الانتقال من الاستخدام الجزئي إلى التبني المؤسسي الشامل يتطلب إعادة تصميم منظومة اتخاذ القرار، بحيث تصبح البيانات والنماذج التنبؤية جزءًا أصيلًا من التخطيط والاستدلال الاستراتيجي، لا مجرد أدوات مساندة للإدارات التنفيذية أو التقنية.
وفي المؤسسات المتقدمة، يتم دمج الذكاء الاصطناعي عبر طبقات متعددة تشمل تحسين العمليات اليومية، ودعم التخطيط التكتيكي، وبناء نماذج استدلال استراتيجي لمحاكاة السيناريوهات المستقبلية وتقييم البدائل قبل تنفيذها.
وتتيح هذه النماذج للقيادات اختبار السياسات والاستثمارات افتراضيًّا بما يقلل المخاطر ويرفع جودة القرارات طويلة المدى، محوّلًا الذّكاء الاصطناعي من أداة تشغيليّة إلى شريك معرفي في صياغة الرؤية والاستراتيجيّة.
ويؤكد الرّميمي على أن الابتكار المستدام لا يُبنى عبر مبادرات تجريبيّة معزولة أو حملات إعلاميّة مؤقتة، بل من خلال ثقافة مؤسسية راسخة تجعل الابتكار سلوكًا يوميًّا وجزءًا من الهُويّة التنظيميّة. وتنطلق هذه الثقافة من القيادة العليا، مرورًا بالهياكل التنظيميّة المرنة، وانتهاءً بأنظمة الموارد البشريّة التي تحفّز الإبداع والمبادرة.
ويشير إلى أهمية إنشاء منصات لإدارة الأفكار، ومختبرات ابتكار رقمية، ومسرّعات أعمال داخلية، إلى جانب سياسات تمويل مؤسسي للأفكار ذات القيمة الاستراتيجية، مع إعادة تعريف مفهوم المخاطر بحيث يُنظر إلى الفشل بوصفه تجربة معرفية لا عقوبة تنظيمية.
وفي سياق الاقتصاد الرقمي، يوضح الرميمي أن البيانات أصبحت أصلًا استراتيجيًّا لا يقل أهميّة عن رأس المال المالي والبشري، بل يتفوق عليهما في بعض القطاعات الحيوية. وتحويل البيانات من سجلات تشغيليّة إلى أصول استراتيجيّة يتطلب بناء منظومة متكاملة لحوكمة البيانات تشمل السياسات والهياكل التنظيمية والبنية التّقنية، إلى جانب ترسيخ ثقافة اتخاذ القرار القائم على البيانات.
وتعتمد المؤسسات الرائدة على منصات بيانات موحدة، مثل مستودعات البيانات وبيئات الـ«Data Lakehouse»، لدمج البيانات التشغيلية والمالية والجغرافية والبيئية في طبقة تحليلية واحدة، تُطبّق عليها نماذج الذكاء الاصطناعي والتحليل التنبؤي لدعم القرار الاستراتيجي وتطوير منتجات وخدمات رقمية مبتكرة.
ويشير الرميمي إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات في تطبيق الذكاء الاصطناعي ليست تقنية فقط، بل تنظيميّة وبشرية في المقام الأول، وتشمل ضعف جودة البيانات، ونقص الكفاءات، ومقاومة التغيير، وتحديات الحوكمة والأمن السيبراني، وصعوبة قياس العائد الاستثماري في المراحل المبكرة.
ويؤكد على أن تجاوز هذه التحديات يتطلب برامج تدريب وتأهيل مستمرة، وتشكيل فرق متعددة التخصصات، واعتماد أطر أخلاقية واضحة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة تغيير مؤسسية منهجية تقودها الإدارة العليا.
ويصف الرميمي الذكاء الاصطناعي بأنه بنية أساسية معرفيّة سياديّة قادرة على إحداث تحول جذري في قطاعات حيوية مثل الأمن الغذائي، والصحّة، والتخطيط الحضري. ففي الأمن الغذائي، يمكن توظيفه للتنبؤ بالإنتاج الزراعي، وتحليل المخاطر المناخية، وتحسين سلاسل الإمداد، وتقليل الهدر الغذائي.
أما في قطاع الصحة، فيسهم في التشخيص المبكر، وإدارة الموارد، والتنبؤ بالأوبئة، وتحسين كفاءة الأنظمة الصحية. ويؤكد على أن تعظيم الأثر يتطلب دمج الذكاء الاصطناعي في منظومات التخطيط الوطني، وربطه بمؤشرات التنمية المستدامة، وبناء منصات وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تدعم صنع السياسات القائمة على الأدلة العلمية.
ويشدّد الرميمي على أن الابتكار لا يتحوّل إلى قيمة حقيقيّة إلا عندما يُترجم إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، من خلال نماذج أعمال مستدامة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وربط الابتكار بأهداف التنمية الوطنية. ويقاس نجاح الابتكار بقدرته على خلق فرص عمل، ورفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات العامة، وبناء اقتصاد معرفي تنافسي.
ويختم الرميمي رؤيته بالتأكيد على أن بناء منظومة ابتكار وطنية متكاملة يتطلب تكامل السياسات العامة، والقدرات البشرية، والبنية التحتية للبيانات، مع وجود قيادة تدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًّا عابرًا، بل منصة استراتيجية تعيد تعريف نماذج اتخاذ القرار والتخطيط الوطني.
ويمثل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي اليوم مشروعًا وطنيًّا لبناء اقتصاد معرفي تنافسي ومجتمع ذكي قائم على الابتكار، ويتطلب النجاح في هذا المسار قيادة واعية، وبيانات موثوقا بها، وثقافة ابتكارية، واستثمارًا مستدامًا في الإنسان والتقنية والتعليم والبحث العلمي، إلى جانب شراكات استراتيجية فعّالة. إن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تقنيًّا، بل خيارًا استراتيجيًّا يرتبط بمستقبل التّنمية والسّيادة المعرفيّة والاقتصاديّة للدّول.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی ویؤکد على أن ة متکاملة إلى جانب
إقرأ أيضاً:
"لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
لم تمتلك المستشارة القانونية لـ "أوبن إيه آي" نيكول دياز، أي خبرة في البرمجة عندما انضمت إلى الفريق القانوني للشركة، لكن خلال عام واحد فقط، تحوّلت إلى مستخدمة متقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل ومطوّرة لحلول تساعدها في أداء مهامها اليومية بكفاءة غير مسبوقة.
بدأ هذا التحول مع استخدامها أداة "شات جي بي تي" لتبسيط واحدة من أكثر المهام تعقيداً في عملها، وهي إعادة صياغة السياسات القانونية.
تحويل النصوص إلى إرشادات واضحةوبدلًا من التعامل مع نصوص طويلة مليئة بالمصطلحات المعقدة القادمة من مكاتب المحاماة، طورت دياز أداة مخصصة داخل "شات جي بي تي" تقوم بتحويل هذه النصوص إلى إرشادات واضحة ومباشرة تناسب بيئة العمل داخل الشركة، ما وفر عليها وقتاً وجهداً كبيرين.
دانييلا أمودي.. كيف حوّلت الشغف بالأدب الإنجليزي إلى ثروة بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24تصدّر اسم دانييلا أمودي، المؤسسة المشاركة ورئيسة شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، قائمة أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا، بعدما كشفت بيانات "فوربس" مؤخراً، عن وصول صافي ثروتها نحو 7 مليارات دولار.
ومع مرور الوقت، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل إدارة البريد الإلكتروني، حيث اعتمدت على "Codex" لإنشاء نظام ذكي يقوم بفرز الرسائل الواردة، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، واقتراح ردود مناسبة بناءً على سياسات محددة مسبقاً.
توفير رؤى تحليلية أوسعالنظام السابق لا يكتفي بتوفير الوقت، بل يمنحها أيضاً رؤية تحليلية من خلال تتبع نوعية الاستفسارات وسرعة التعامل معها. ورغم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تؤكد دياز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرة القانونية، بل يدعمها، فهو يتولى المهام المتكررة، بينما يظل اتخاذ القرار النهائي قائماً على التقدير البشري والخبرة المهنية.
الذكاء الاصطناعي والاحتكار.. ملفات ثقيلة تنتظر قائد آبل الجديد جون تيرنوس - موقع 24في تحول تاريخي داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، أعلنت شركة آبل تعيين جون تيرنوس، رئيس قسم الأجهزة الحالي، منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من 1 سبتمبر (أيلول) المقبل، خلفاً لتيم كوك الذي سيشغل منصب رئيس تنفيذي لمجلس الإدارة.
وتعكس تجربة دياز توجهاً أوسع داخل "أوبن إيه أي"، يقوم على تمكين الموظفين من بناء أدواتهم الخاصة دون الحاجة إلى خلفية تقنية عميقة، ففي بيئة العمل هناك، يتم تبادل الخبرات بشكل مستمر بين الزملاء، ما يخلق ثقافة تعلم جماعي تسهم في تسريع تبني هذه التقنيات.
تقدم التجربة نموذجاً جديداً لمستقبل العمل القانوني، حيث لا يقتصر دور المحامي على فهم القوانين فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، ما يعيد تشكيل طبيعة المهنة في العصر الرقمي.