في خطوة بحثية غير مسبوقة تهدف إلى انتشال الإبداع العربي المهجري من سياقاته العابرة إلى متن الأرشيف الأكاديمي الرصين، صدرت مؤخرا عن دار "إي بي فيرلاغ" (EB-Verlag) في العاصمة الألمانية برلين أنثولوجيا ثنائية اللغة بعنوان "بين عذب وأجاج – Grenzlandschaften".

ويمثل هذا الإصدار، الذي أشرفت عليه شعبة الدراسات العربية في جامعة بون بالتعاون مع "الديوان – البيت الثقافي العربي في برلين"، مشروعا بحثيا تأسيسيا يسعى لفهرسة القصيدة العربية المكتوبة في أوروبا كظاهرة أدبية مستقلة، لها سياقاتها التاريخية الخاصة وانزياحاتها الجمالية، بعيدا عن النظرة الفولكلورية أو الاستشراقية التقليدية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2من "لوليتا" إلى "بقعة ضوء".. أشباح إبستين في الخيال الغربيlist 2 of 2الذكاء الاصطناعي يكتب الرواية: هل بدأ عصر السرد الآلي؟end of list

ولا يقتصر هذا العمل الذي يقع في أكثر من 400 صفحة على كونه مختارات شعرية عابرة، بل هو محاولة جادة لتحويل المتن الشعري المبعثر إلى حقل أدبي قائم بذاته وقابل للدراسة الأكاديمية المعمقة.

وقد جاء الكتاب متضمنا نصوصا لـ55 شاعرا وشاعرة من جنسيات عربية متعددة يقيمون في 11 دولة أوروبية، ليقدم بذلك خارطة منهجية للمشهد الشعري العربي المعاصر في القارة العجوز.

حقيقة تاريخية

ويقف خلف هذا الجهد التحريري الشاعر والأكاديمي الألماني اللبناني سرجون فايز كرم، الذي قاد فريقا من المترجمين والباحثين المتخصصين لإنجاز هذا المتن الثقافي.

وفي قراءة نقدية لسياقات التلاقح الثقافي، يرى الدكتور سرجون كرم أن المشروع يمتلك جذورا تمتد إلى تاريخ الترجمة الأول، حيث يشير في تصريحاته للجزيرة نت إلى أن الحركة التأسيسية للترجمة من العربية إلى أوروبا في القرن السابع عشر قادتها كوكبة من المثقفين السوريين.

ويلفت كرم الانتباه إلى حقيقة تاريخية غالبا ما يتم تجاهلها، وهي الدور المحوري للشاب السوري حنا دياب الحلبي في صياغة نسخة أنطوان غالان لـ "ألف ليلة وليلة"، معتبرا أن إسهامه الجوهري طمس تاريخيا نتيجة انبهار ثقافي بكل ما هو غربي على حساب الهوية والثقافة العربية الأصلية.

سرجون فايز كرم قاد فريقا من المترجمين والباحثين المتخصصين لإنجاز الكتاب (الجزيرة)

وتبرز أهمية الأنثولوجيا (Anthology) في قدرتها على تقويض الصور النمطية التي اختزلت "الشرق" لعقود في فضاء تخييلي غامض، حيث تظهر النصوص أن القصيدة العربية في أوروبا اليوم هي انعكاس مباشر للعوامل الجيوسياسية المعقدة؛ فهي تنبثق من واقع الملاحقة السياسية وويلات الحروب وتبعات اللجوء القسري.

إعلان

وتؤكد المقدمة التحليلية للكتاب أن الاستشراق المعاصر بدأ يتحرر من مصطلح "الشرق الجميل" لصالح قراءة أكثر واقعية تستجيب لتحولات الحاضر، وبذلك لم يعد النص الشعري يقدم نفسه كملجأ للخيال الأوروبي، بل كصوت مغاير يشتبك مع إشكاليات الانتماء والهوية في الفضاء الأوروبي المعاصر.

تنوُّع

كما تميزت الأنثولوجيا بتقديم خريطة ديموغرافية غنية ضمت شعراء من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر واليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت، مع حرص لافت على تمثيل الأصوات المزدوجة الهوية من شعراء كرد وآشوريين وأمازيغ وإيزيديين يكتبون باللغة العربية.

ومن بين الأسماء البارزة التي احتضنها الإصدار نجد فاضل العزاوي وعدنان الصائغ وعبد القادر الجنابي وحكمت الحاج من العراق، بالإضافة إلى جبران سعد وفرج بيرقدار وميسون شقير وإبراهيم اليوسف من سوريا، وسرجون فايز كرم وعيسى مخلوف من لبنان، وهيام بسيسو وفؤاد ديب من فلسطين، إلى جانب كوكبة من الأصوات المؤثرة في المشهد الشعري العربي الراهن.

ويعد هذا الإصدار إعلانا عن ولادة "قصيدة المنفى الأوروبي" ككيان أدبي مستقل، حيث تنتقل القصيدة العربية بفضله من هامشية الأمسيات الفردية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى واجهة الأرشيف الأكاديمي والمكتبة المرجعية.

ويمكن اعتبار العمل جسرا ثقافيا حيا يحمل في صميمه صدى حوارات تأسيسية تعيد صياغة العلاقة بين الشرق والغرب بلغة عصرنا، مؤكدا أن الحوار الثقافي الجوهري ينبثق من مصارحة نقدية مع التاريخ ومشاركة وجدانية في تعقيدات الواقع، مما يرسخ دور برلين كرافعة لحوار ندي عميق يحول تداعيات المنفى من جرح شخصي إلى منبع للإغناء الجمالي والإنساني المشترك.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا

لم تعد المنافسة الصينية في سوق السيارات الأوروبية تقتصر على تقديم طرازات كهربائية منخفضة التكلفة، بل دخلت مرحلة جديدة تستهدف الفئة الأعلى ربحية في الصناعة، مع استعداد مجموعة من شركات التكنولوجيا الصينية لدخول سوق السيارات الفاخرة، في تحد مباشر لعلامات ألمانية عريقة مثل مرسيدس-بنز وبي إم دبليو وبورشه.

وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، تقود شركة شاومي هذه الموجة الجديدة، بعدما أعلنت خططا لدخول السوق الأوروبية العام المقبل، واختارت ألمانيا، أكبر أسواق السيارات في القارة وأكثرها تنافسية، نقطة انطلاق لاستراتيجيتها، واضعة هدفا يتمثل في أن تصبح ضمن أكبر خمس علامات للسيارات الفاخرة في أوروبا بحلول عام 2030.

ولا تتحرك شاومي وحدها، إذ تستعد شركات مثل إكس بينغ (Xpeng)، ولي أوتو (Li Auto)، وآيتو (Aito) المدعومة من هواوي، لتوسيع حضورها الخارجي، مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها في أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم.

من المنافسة السعرية إلى المنافسة التقنية

واعتمدت الشركات الصينية خلال السنوات الماضية على الأسعار المنخفضة لاختراق الأسواق الخارجية، لكن الموجة الجديدة تراهن على التكنولوجيا أكثر من السعر.

شاومي تراهن على الفئة الفاخرة بدلا من المنافسة السعرية (حساب شاومي على إكس)

وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذه الشركات تقدم نفسها بوصفها شركات تكنولوجيا تصنع سيارات، وليس شركات سيارات تطور بعض التقنيات، وهو ما يظهر في تركيزها على أنظمة القيادة الذاتية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وتجربة الاستخدام الرقمية.

ولهذا السبب استعانت شاومي بمهندسين ومصممين سبق لهم العمل في بي إم دبليو وبورشه وتسلا، ضمن خطة لتطوير سيارات قادرة على منافسة العلامات الأوروبية في الفئة الفاخرة.

ويرى محللون أن المستهلك الصيني، وخاصة فئة الشباب، كان المختبر الأول لهذه الإستراتيجية، إذ نجحت هذه الشركات في بناء قاعدة جماهيرية واسعة داخل الصين قبل التوجه إلى الأسواق الخارجية.

إعلان

ولم يعد الوجود الصيني في أوروبا ظاهرة هامشية، فبحسب الصحيفة، استحوذت العلامات الصينية خلال النصف الأول من العام على نحو 9% من مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا، و15% في المملكة المتحدة، بينما كانت سيارة واحدة من كل عشر سيارات بيعت في أوروبا خلال مايو/أيار صينية الصنع.

وتتوقع شركة "أليكس بارتنرز" الاستشارية ارتفاع هذه الحصة إلى نحو 16% داخل الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، وهو مستوى يقترب من الحصة المجمعة للعلامات اليابانية والكورية.

أوروبا.. المعركة الأصعب

ورغم هذا التوسع، لا تزال الفئة الفاخرة تمثل أصعب اختبار أمام الشركات الصينية. فالعلامات الألمانية لا تبيع سيارات فحسب، بل تمتلك إرثا يمتد لعقود، وقاعدة عملاء ترتبط بالعلامة التجارية أكثر من ارتباطها بالمواصفات التقنية.

العلامات الألمانية تواجه منافسة غير مسبوقة في قطاع السيارات الفاخرة (رويترز)

ولهذا يشكك بعض موزعي السيارات الأوروبيين في قدرة الوافدين الجدد على تغيير موازين هذه السوق، مشيرين إلى أن شركات يابانية وكورية حاولت لعقود اختراقها دون نجاح كبير.

وقال بوركهارد فيلر، رئيس اتحاد وكلاء السيارات الألمان، إن العلامات الألمانية راسخة بقوة في قطاع السيارات الفاخرة، متوقعا ألا تتمكن الشركات الصينية الجديدة من تكرار نجاحها المحلي داخل أوروبا.

هواوي تدخل من الباب الخلفي

ولا تقتصر المنافسة على شركات تصنيع السيارات. فبحسب فايننشال تايمز، تتحول هواوي تدريجيا إلى لاعب رئيسي في صناعة السيارات العالمية من خلال تطوير أنظمة التشغيل والرقائق الإلكترونية وتقنيات القيادة الذكية، بعد أن دفعتها العقوبات الأمريكية إلى تعزيز قدراتها في صناعة أشباه الموصلات.

وتتعاون الشركة حاليا مع ست علامات صينية، بينما تعد "آيتو" أكثرها تقدما في خطط التوسع الخارجي، مع استهداف أوروبا والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

ويرى محللون أن الموجة المقبلة لن تعتمد على خفض الأسعار كما حدث في السنوات الماضية، بل ستسعى إلى التموضع بين السيارات الصينية منخفضة الكلفة والعلامات الأوروبية الفاخرة، بما يحقق هوامش ربح أعلى.

لكن هذا التوجه لا يخلو من المخاطر، إذ يخشى بعض الخبراء انتقال حرب الأسعار التي يشهدها السوق الصيني إلى أوروبا، وهو ما قد يضغط على الشركات الألمانية حتى في الفئات الأعلى سعرا.

وقال تو لي، مؤسس شركة "ساينو أوتو إنسايتس"، إنه سيكون قلقا لو كان مسؤولا في مرسيدس أو بي إم دبليو أو بورشه، لأن المنافسة المقبلة لن تدور حول السعر فقط، بل حول التكنولوجيا أيضا.

تحديات ما بعد البيع

ورغم الزخم الذي تتمتع به الشركات الصينية، فإن نجاحها في أوروبا سيعتمد على عوامل تتجاوز جودة السيارات.

فالعديد من هذه الشركات يعتمد على البيع المباشر للمستهلكين عبر متاجره الخاصة، بدلا من شبكات الوكلاء التقليدية، وهو نموذج لم يحقق نجاحا كبيرا في أوروبا، واضطرت بعض الشركات الصينية إلى التخلي عنه لاحقا.

الولاء للعلامات التجارية يبقى أكبر تحد أمام الشركات الصينية (رويترز)

كما يثير خبراء تساؤلات حول قدرة هذه الشركات على توفير قطع الغيار، والدعم الفني، والتحديثات البرمجية على مدى سنوات طويلة، وهي عوامل تشكل جزءا أساسيا من تجربة امتلاك السيارات الفاخرة.

إعلان

ولا تبدو المنافسة المقبلة مجرد سباق على زيادة المبيعات، بل تمثل اختبارا لقدرة شركات التكنولوجيا الصينية على تحويل تفوقها في البرمجيات والذكاء الاصطناعي إلى مكانة راسخة داخل واحدة من أكثر الأسواق ولاء للعلامات التجارية في العالم.

فإذا نجحت شاومي ورفيقاتها في اختراق الفئة الفاخرة، فلن يكون ذلك مجرد توسع جديد للصناعة الصينية، بل بداية تحول في موازين المنافسة العالمية داخل قطاع السيارات، حيث تصبح التكنولوجيا، وليس التاريخ الصناعي وحده، العامل الحاسم في تحديد الفائزين.

مقالات مشابهة

  • المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
  • الجيش الأمريكي ينفذ جسرًا جويًا من أوروبا إلى الشرق الأوسط لتعزيز الانتشار العسكري
  • هلسنكي الشرق الأوسط.. هل تنجح في تهدئة التوتر بالمنطقة؟
  • وزير الثقافة يفتتح جناح السفارات بمهرجان جرش الثقافي
  • الحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة من داخل المؤسسات
  • تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا
  • مجلس صحار الثقافي يمثل عُمان في الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون
  • الاتحاد العربي لكرة السلة يؤجل البطولة العربية المقرر إقامتها في شهر أغسطس إلى موعد لاحق
  • رغم ارتفاع الأسعار.. تركيا تتصدر قائمة أرخص الوجهات السياحية في أوروبا.
  • بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا