مجلس الشورى.. فجوة الأدوار أم أزمة أدوات؟
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
سالم بن علي العريمي
في أيِّ تجربة سياسية يصل فيها المجتمع إلى لحظة يُعيد فيها طرح الأسئلة الكبرى، يكون ذلك إعلانًا غير مباشر بأن أدوات المشاركة لم تعد كافية، وأن المنظومة، بكل مكوناتها، مُطالَبة بمراجعة أعمق وأصدق.
هذا تمامًا ما يتجلّى اليوم في التجربة القائمة مع مجلس الشورى المنتخب، وهي تجربة قطعت خطوات في البناء والتدرج، لكنها ما تزال مُحاطة بقدر من الضباب الذي يكشف أن المسار بحاجة إلى إعادة ضبط لا إلى إعادة اختراع؛ فالمجلس قائم، والأعضاء متواجدون، والآليات معروفة، إلا أن الحصيلة لا تزال دون مستوى توقعات المواطن.
إنَّ التحدي الأساسي لا يتعلق بغياب الهياكل، بل بضعف قدرتها على التحول إلى قوة فعلية تؤثر في القرار وتصنع السياسات. والتجربة التي أمامنا، مثال واضح على هذه الإشكالية؛ فالمجلس حاضر من الناحية الشكلية، لكنه لا يحول هذا الحضور إلى أثر ملموس يشعر معه المواطن بأن صوته انتقل من صندوق الاقتراع إلى طاولة القرار، وبين هذه المسافة التي تمتد من لحظة التصويت إلى لحظة التأثير، يتوزع الخلل بين عضو لا يدرك حجم الدور، وحكومة لا تمنح الأدوات الكافية، ومجتمع لم يحسم بعد معايير الاختيار.
هذه القراءة ليست لتقليل ما تحقق، بل لتشخيص جوهر التحدي؛ فالتجارب السياسية لا تنمو تلقائيًا؛ بل تحتاج إلى وقفات مراجعة تُشكِّل جسرًا نحو مرحلة أكثر نضجًا، واليوم نحن أمام إحدى تلك اللحظات التي يصبح فيها التمكين مطلبًا واقعيًا لا أُمنية، والرقابة ممارسة لا شعارًا، والاختيار مسؤولية لا مجاملة، والعضوية دورًا لا وجاهةً، عند هذا المستوى فقط يمكن الحديث عن مجلس قوي وتجربة سياسية قادرة على التحسن المستمر بدلا من الدوران في المكان نفسه.
وفهم عضو المجلس لدوره يشكل نقطة ارتكاز في تقييم التجربة؛ فالكثير من الإشكالات لا تعود إلى نقص الصلاحيات؛ بل إلى ضعف استخدام ما هو متاح أصلًا، والعضو الذي يدخل بعقلية الخدمة الاجتماعية لا بعقلية المساءلة السياسية يفقد القدرة على ممارسة رقابة ذات قيمة، حتى لو سمحت له النصوص بذلك، بينما العضو الذي يفهم أن دوره يقوم على التحليل والمتابعة والضغط وصياغة البدائل، يستطيع ضمن الصلاحيات الحالية أن يصنع حضورًا مؤثرًا، والتجارب المُقارَنة تثبت أن الفارق بين عضو وآخر هو فارق وعي وكفاءة قبل أن يكون فارق أدوات.
أما أداء الحكومة في التمكين، فهو الجانب الذي يكشف مستوى الإرادة السياسية، فمن الطبيعي أن تتطلع الحكومات إلى تطوير منظومة التشريع والرقابة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يطرح السؤال: هل تُمنح المؤسسة المنتخبة أدوات مساءلة فعلية أم تبقى في مساحة رمزية لا تؤثر بعمق في القرار؟ المؤشرات المتراكمة توحي بوجود تطور محسوب، لكنه تطور حذر يحد من الأثر ويجعل العلاقة الحالية أقرب إلى علاقة تنظيم منها إلى علاقة شراكة؛ فالتمكين لا يتحقق بزيادة الجلسات والخطابات، بل بتوسيع قدرة المجلس على التأثير في السياسات واستدعاء المسؤولين بجدية ووضع التوصيات في مسار أكثر إلزاما من الاستشاري.
أما الوعي المجتمعي في الاختيار؛ فهو العامل الأكثر حسمًا رغم أنه الأقل تناولًا؛ فالمجلس انعكاس مباشر لمستوى الوعي السياسي لدى الناخب، وعندما يتجه التصويت نحو الخدمات الفردية أو الانتماءات أو العلاقات، فإن التجربة تفقد قوتها منذ اللحظة الأولى، ويُحرم المجلس من الكفاءات القادرة على توجيه مساره بينما يصنع المجتمع الواعي فرقا حقيقيا عندما يتعامل مع صوته باعتباره استثمارا في أربع سنوات ويمنح الأولوية للأداء لا للوجاهة.
وعلى ضوء هذه العناصر الثلاثة، تتضح الصورة بما يكفي للقول إنَّ التجربة ليست فاشلة، لكنها ليست بالقوة الممكنة والعضو ليس عاجزًا لكنه لا يستخدم أدواته كما ينبغي، والحكومة ليست رافضة للتمكين، لكنها لم تنتقل بعد من التطوير المحسوب إلى التمكين الكامل، والمجتمع ليس غائبا، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الاختيار الذي يبني مؤسسة لا أفرادًا.
إنَّ إصلاح التجربة ليس مسؤولية طرف واحد، بل هو جهد مشترك يقوم على عضو يدرك دوره، وحكومة تمنح الأدوات، ومجتمع يصوت بوعي. وعند تحقيق هذا التوازن يصبح المجلس شريكا فعليا في صناعة القرار، لا مجرد مساحة للتعبير أو النقاش. وعندها فقط تنتقل التجربة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفاعلية.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
أكد كاسيميرو، نجم منتخب البرازيل، أن منتخب بلاده لا يُعد المرشح الأبرز للتتويج بلقب كأس العالم 2026، رغم امتلاكه مزيجًا من الخبرة والشباب، وذلك قبل انطلاق البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك خلال الفترة من 11 يونيو إلى 19 يوليو، بمشاركة 48 منتخبًا لأول مرة في التاريخ.
وقال كاسيميرو، في تصريحات نقلتها شبكة "غلوبو" البرازيلية، إن المنتخب البرازيلي يدخل البطولة بطموحات كبيرة، لكنه يضع نفسه تحت ضغط أقل مقارنة ببعض المنافسين، مضيفًا: "لسنا المرشح الأوفر حظًا للفوز بكأس العالم، صحيح أننا نمتلك فريقًا قويًا يجمع بين الخبرة والشباب، لكننا هذه المرة نتراجع خطوة إلى الوراء ونكون في حالة تأهب قصوى".
وأضاف لاعب وسط مانشستر يونايتد السابق أن الفريق يعتمد على توليفة متوازنة بين العناصر الشابة واللاعبين أصحاب الخبرة، وهو ما يراه عامل قوة مهم في المرحلة المقبلة، قائلًا: "هذا المزيج جيد، وهو سر النجاح الكبير".
وتطرق كاسيميرو إلى الجهاز الفني بقيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، مؤكدًا أنه يمتلك خبرات كبيرة رغم أن كأس العالم 2026 تمثل مشاركته الأولى في البطولة، مشيرًا إلى أن المنتخب البرازيلي يدخل المونديال بدافع قوي ورغبة دائمة في المنافسة.
وأوضح: "أعتقد أننا نصل بقوة، لكن هناك منتخبات أخرى تسبقنا خطوة في الوقت الحالي، دون الحاجة لذكر أسماء، ونعلم أن مستوى بعض الفرق مختلف في هذه المرحلة، لكن البرازيل تظل دائمًا فريقًا قويًا وطموحًا".
وأشار كاسيميرو إلى أن الفترة الماضية شهدت تغييرات عديدة على مستوى الأجهزة الفنية داخل المنتخب، ما أثر على استقرار العمل لفترات طويلة، موضحًا أن الاستقرار الفني لا يزال في مرحلة البناء.
واختتم تصريحاته قائلاً: "التوقعات دائمًا كبيرة عندما يتعلق الأمر بكأس العالم، نحن لا نشارك لمجرد التواجد، بل من أجل المنافسة على اللقب وتحقيق الحلم، ونعمل بكل قوة من أجل ذلك".
ويستعد المنتخب البرازيلي لخوض مباراة ودية أمام منتخب مصر في ولاية أوهايو الأمريكية، ضمن استعداداته النهائية للمونديال.
ويخوض "السيليساو" منافسات كأس العالم 2026 ضمن المجموعة الثالثة، إلى جانب منتخبات المغرب واسكتلندا وهايتي، في مجموعة متوازنة نسبيًا قبل انطلاق البطولة.