في سابقة قانونية خطيرة، جاء حكم "المحكمة الدستورية العليا" في مصر، الاثنين، ببطلان قرار إداري بإدراج أحد أنواع "الحشيش الاصطناعي" على قمة جداول المخدرات بالبلاد، صادما للمصريين، لما يترتب عليه من إفراج عن المسجونين بتهم الاتجار بهذا العقار وبراءة المتهمين بقضية "المخدرات الكبرى".

المحكمة المختصة بمراقبة دستورية القوانين واللوائح وأحكامها نهائية وغير قابلة للطعن وملزمة، قضت وبرئاسة المستشار بولس فهمي، بعدم دستورية قرار "هيئة الدواء"، (حكومية) بنقل مادة "الميثامفيتامين" المؤثرة على الجهاز العصبي للإنسان إلى "الجدول الأول" مخدرات.



تضمن الحكم، إلغاء القرارات السابقة واللاحقة الصادرة عن "هيئة الدواء"، بشأن تعديل جداول المخدرات والتي ضمت مواد مخدرة مصنعة أخرى، وتُعد كأن لم تكن منذ صدورها باعتبارها مبنية على أساس غير دستوري، وبحجة أن الهيئة غير مختصة واستلبت اختصاصات وزير الصحة.

وفي حين قالت حيثيات المحكمة إن "رئيس هيئة الدواء لا يملك دستوريا أو قانونيا سلطة تعديل أو استبدال جداول المخدرات"، أكدت أن أي تعديل بجداول المخدرات "يخضع لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي صدور القواعد المنظمة له من السلطة التشريعية أو من جهة خولها القانون صراحة".

خطأ إجرائي.. من يتحمله؟
ووفق حقوقيون ومحامون فإن "قرار المحكمة استمرار العمل بالجداول القديمة دون إضافة المخدرات الجديدة المصنعة أو التخليقية أو ما يطلق عليه (الحشيش الاصطناعي)، يشير إلى أن رفض تعديل قوائم جداول قانون مكافحة المخدرات جاء بسبب خطأ إجرائي أو إداري، يتحمله المجتمع وأجيال الشباب".

وقالوا إن "الحكم رغم أنه أكد على مبدأ الفصل بين السلطات، واحترام حدود الاختصاص، إلا أن الأثر المحتمل عليه أخطر بكثير من المخالفة القانونية والإدارية".

وأوضحوا أنه "بموجب هذا الحكم سيتم اسقاط حجية كافة الأحكام القضائية الصادرة من محاكم الجنايات المصرية بإدانة المتهمين في قضايا العقاقير المخدرة مثل: الآيس، والشابو، والكريستال، والبودرة، وبالتالي المطالبة بإخلاء سبيلهم".

كما أنه يترتب على الحكم "براءة جميع المتهمين في القضايا المنظورة حاليا أمام محاكم الجنايات، ومنها قضايا هزت الرأي العام المصري، وبينها قضية المخدرات الكبرى المتهم فيها المذيعة سارة خليفة، وآخرين".

ما علاقة الحكم بسارة خليفة؟
في نيسان/ أبريل 2025، جرى ضبط سارة خليفة، بتهمة التورط في شبكة لتجارة المواد المخدرة، وتصنيع المُخلقة منها (الحشيش الاصطناعي) بمعمل داخل شقة بالقاهرة، وضبط 750 كيلو غراما منها بقيمة 1.2 مليار جنيه، ثم إحالتها للمحاكمة في تموز/ يوليو و27 آخرين، وسط أنباء لم تتأكد بتورط وكيل نيابة و8 ضباط بالواقعة.



خلال إحدى مراحل المحاكمة أقام محامي سارة خليفة، محمد الجندي، دعوى ضد قرار هيئة الدواء بإدراج هذا النوع من المخدر المخلق بجداول المخدرات، لتحيلها محكمة النقض إلى الدستورية للفصل في دستورية القرار لتصدر حكمها السابق ذكره.

وفي ذات اليوم طالب محامي سارة خليفة، بإخلاء سبيلها، قائلا لموقع  "مصراوي" إن "التصرف الصحيح بالجلسة القادمة بقضيتها والقضايا المماثلة، هو إخلاء سبيل المتهمين أو الحكم ببراءتهم، تطبيقا لأحكام المحكمة الدستورية"، موضحا أن "الحكم يعني أن كل من كان مقبوضا عليه أو حُكم عليه في هذه القضايا يجب إخلاء سبيله أو الحكم ببراءته، بما في ذلك الأحكام النهائية".

وفي حديثها لموقع "القاهرة 24"، قالت المحامية هدى العسال، إن قرار المحكمة الدستورية العليا، بعدم دستورية قرار إدراج الحشيش الاصطناعي على جداول المخدرات، يبطل محاكمة المتهمين في قضية سارة خليفة، وكذلك الإفراج عن جميع المحكوم عليهم في قضايا: (الآيس، والشابو، والكريستال، والبودر).



قرار سياسي ومعيب
وفي قراءته لدلالات حكم الدستورية، قال السياسي المصري ممدوح إسماعيل: "من الواضح أنه قرار سياسي لنشر المخدرات لتغييب عقل الشعب ونشر الجريمة؛ ذلك لأن أعضاء المحكمة الدستورية معينين لخدمة الدولة؛ وطبيعة عمل المحكمة أنها بطيئة ولا تصدر أحكامها إلا بعد سنين وبعلم الدولة ولمصلحة الدولة".

المحامي بالنقض، أوضح في حديثه لـ"عربي21"، أنه "لذلك قامت ثورة قضائية ضد هذه المحكمة من قضاة محكمة النقض عند بداية إنشائها"، مبينا أن "الشاهد من قرار عدم دستورية إدراج الحشيش الاصطناعي كجدول أول مخدرات مصيبة اجتماعية وجنائية والمحكمة تعلم ذلك، ويترتب عليه إباحة المواد المخدرة ورجوع بعضها من جناية إلى جنحة مما يخفف العقوبة ويسهل الانتشار".



ويرى عضو مجلس الشعب المصري سابقا، أن "الأعجب والذى يفضح تناقض المحكمة والنظام المصري هو تسبيب المحكمة لهذا الحكم المصيبة على مصر، بقولها إن قرار هيئة الدواء معيب وباطل لأنه يهدر مبدأ سيادة القانون، ويخل بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ويفتأت على مبدأ الفصل بين السلطات، ويعد بهذه المثابة مخالفا لنص المواد ( 5 و94 و95 و101 ) من الدستور".

قرار مريب
من جانبه، أكد الباحث الحقوقي عباس قباري، إن "الموضوع مريب"، موضحا أن "الدستورية تتسم حركتها بالكسل ولا تتحرك في قضايا أهم من ذلك إلا بمرور سنوات"، متسائلا: "لماذا العجلة في مثل هكذا قضية؟، ولماذا لم تعلق تنفيذ الحكم، كما فعلت في حكمها الخاص بالإيجار الذي علقته حتى تمكنت الحكومة من استصدار قانون الإيجار؟".

وأضاف عبر "فيسبوك": "يبدو أن الأمر مرتب لإنهاء هذه القضية التي شاعت بشأنها إشاعات عن تورط ضباط وقضاة مع المتهمة الرئيسية"، متوقعا أن يجري بعد إخلاء سبيل سارة خليفة تعديل الحكومة قراراتها لـ"حبس باقي الحرافيش".



الإفراج عن داليا فؤاد
في ذات السياق، أثار جدلا مماثلا، إخلاء سبيل المذيعة والبلوجر داليا فؤاد، الأحد الماضي، بعد عام من حبسها بتهم تعاطي المخدرات، وذلك إثر إلغاء محكمة الجنايات في آذار/ مارس 2025، اتهامها بحيازة والاتجار بـ"مخدر الاغتصاب" (GHB) المدرج بالجدول الأول من قانون المخدرات، لعدم كفاية الأدلة.

النيابة، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وإثر القبض عليها وضبط 180 لترا من مخدر "جاما هيدروكسي بيوتيرك"، بقيمة 145 مليون جنيه بحوزة متهم آخر، وُجهت لفؤاد، تهمة حيازة مواد مخدرة بقصد الاتجار، بعد العثور بشقتها على زجاجة 120 ملليلتر من نفس العقار.

وكان قد تم ضبط المغني الشهير سعد الصغير في أيلول/ سبتمبر 2024، بمطار القاهرة أثناء عودته من أمريكا وحبسه 6 أشهر بتهمة حيازة مواد مخدرة في قضية لم تصنف كجلب من الخارج، وذلك بعد واقعة مماثلة للممثلة منة شلبي في مطار القاهرة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، ليتم إخلاء سبيلها والحكم بحبسها سنة مع وقف التنفيذ و10 آلاف جنيه غرامة.

ومن آن إلى آخر، يظهر شباب في الشارع المصري في حالة هستيرية وغير طبيعية تحت تأثير أنواع جديدة من المواد المخدرة المنتشرة بين فئات شعبية وأنواع أخرى منتشرة بين طبقات راقية من المجتمع.



وفي ظل غياب الأمن تنتشر أوكار تصنيع مخدر الآيس، والشابو، والاستروكس، مع انتشار "دواليب المخدرات" وتوزيعها علنا ونهارا وفق ما رصدته "عربي21"، تحت الطريق الدائري حيث يتجمع حول أحد التجار شباب وأطفال للحصول على حصتهم في توزيع المخدرات.

تناقض مثير
ويكشف حكم الدستورية وإخلاء سبيل داليا فؤاد، وفق مراقبين، عن "استمرار تسبب خطأ الإجراءات القانونية، أو خطأ إداري لدى الجهات الحكومية كما في حكم المحكمة الدستورية، أو عدم كفاية الأدلة، في هروب تجار مخدرات من العقوبة، ما يساعد عن انتشارها بالبلاد".

وأشاروا إلى أنه "في المقابل لا يجري الاعتداد بأي خطأ في الإجراءات بحق آلاف المعتقلين السياسيين ومنهم المرضى، وكبار السن، والأطفال، والفتيات والنساء اللاتي جرى اعتقال كثيرات منهن في الشهور الأخيرة".



ويتزامن حكم الدستورية ومطالبات محامي سارة خليفة بإخلاء سبيلها مع مطالبة لجنة الدفاع عن سجناء الرأي عبر مذكرة للنائب العام بالإفراج عن المتجاوزين الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، مؤكدة أن استمرار احتجازهم مخالفة صريحة لقانون الإجراءات الجنائية.

فجور قانوني
ذهب السياسي المصري ممدوح إسماعيل، للقول إنه "من عجائب الفجور القانوني في مصر، أن يتم احتجاز الآلاف بالمعتقلات، ورهن الحبس الاحتياطي لـ٨ سنوات، بالمخالفة للقانون والدستور؛ لكن المحكمة تعامت عن ذلك تماما، ما يؤكد أنها (مسيسة) كونها معينة من الدولة".

ولفت إلى أمر عجيب ثاني، وهو "استناد المحكمة لمواد كلها مهجورة تماما"، مبينا أن "(المادة 5) من الدستور، تختص بـ(التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان)، وهي مادة غائبة تماما".

وألمح إلى "استناد الدستورية في حكمها على (المادة 94)، التي تقول إن (سيادة القانون أساس الحكم، وأن استقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات)، بينما يتم اقتحام البيوت وانتهاك الحريات بدون سند من القانون".

وأشار إلى أن (المادة 95)، تقول إن العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون)"، موضحا أن "هذه أفضح مما سبق لأنه يتم القبض على عائلات للاشتباه في شخص واحد من العائلة، ويجري إخفاء قسري لآلاف بدون حكم قضائي، وسجن الناس دون جريمة".

وخلص للقول: "هذا الحكم مصيبة اجتماعية وسياسية وأخلاقية على شعب مصر وفضيحة قانونية لأنه يفضح التناقض للدولة ومحاكمها في التنكيل بالمعارضين والسياسيين، ومحاباة وتدليل مروجي المخدرات".



و"يجري التنكيل بالنشطاء والحقوقيين، والذين كان آخرهم استدعاء مؤسسة (مركز النديم) عايدة سيف الدولة، للتحقيق معها الأحد الماضي، ثم إخلاء سبيلها على ذمة القضية (809 لسنة 2026) بعد دفع مبلغ 100 ألف جنيه، وهو ما تكرر مع الناشط أحمد دومة قبل أسابيع.

وفي السياق، أدانت منظمة "هيومينا لحقوق الإنسان"، "استمرار الاستدعاءات والتحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا"، مؤكدة أن "نمط التحقيق ثم إخلاء السبيل بكفالات مرتفعة بات يُستخدم كأداة استنزاف مالي وترهيب عبر اتهامات فضفاضة ومتكررة، بما يضيّق على حرية التعبير".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة عربية مصر المخدرات مصر السيسي القضاء المصري الشرطة المصرية المخدرات المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المحکمة الدستوریة الحشیش الاصطناعی جداول المخدرات إخلاء سبیلها هیئة الدواء سارة خلیفة إخلاء سبیل

إقرأ أيضاً:

محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تُمثل محاكمة جرائم الحرب السورية المرتقبة في النمسا لحظةً فارقةً في الجهود الدولية الرامية إلى محاسبة مسؤولين سابقين في نظام الأسد على الانتهاكات المزعومة التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية السورية. 

بحسب تقرير نيويورك تايمز، من المقرر أن يمثل ضابطا الأمن السوريان السابقان، خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة، أمام المحكمة في فيينا بعد أن قضيا أكثر من عقد من الزمن في النمسا، حيث مُنح كلاهما حق اللجوء.

تُتيح هذه القضية، وهي الأولى من نوعها ضد مسؤولين سابقين في نظام الأسد في النمسا، للضحايا والشهود السوريين فرصةً نادرةً لمواجهة الأفراد الذين يتهمونهم بالتعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال السنوات الأولى للانتفاضة السورية.

النمسا تفتح قضية تاريخية ضد مسؤولين سوريين سابقين

يُعدّ خالد الحلبي، العميد السابق وأحد أرفع المسؤولين في حكومة الرئيس السابق بشار الأسد الذين يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم حرب أمام محكمة أوروبية، محور محاكمة جرائم الحرب السورية.

شغل الحلبي، البالغ من العمر 63 عامًا، منصب رئيس أمن الدولة في مدينة الرقة بين عامي 2011 و2013، وهي فترة اتسمت بقمع واسع النطاق للاحتجاجات المناهضة للحكومة. ويزعم المدعون العامون أنه لعب دورًا في قمع حركة الاحتجاج وأشرف على ممارسات شملت التعذيب وسوء المعاملة.

كما يُحاكم أيضًا مصعب أبو ركبة، البالغ من العمر 54 عامًا، وهو مقدم سابق شغل منصب رئيس التحقيقات في مديرية شرطة الرقة الجنائية قبل أن يتولى لاحقًا رئاسة مكتب الأمن السياسي، وهو فرع استخباراتي تابع لوزارة الداخلية السورية.

يقيم الرجلان في النمسا منذ عام 2015 بعد حصولهما على حق اللجوء.

 التهم تتركز على تعذيب المتظاهرين وإساءة معاملتهم

وفقًا للائحة الاتهام التي أعدها مدّعو فيينا، يواجه المتهمون تهمًا تشمل التعذيب، والإكراه الشديد، والإكراه الجنسي، والإيذاء الجسدي، والتي يُزعم أنها ارتُكبت في إطار جهود قمع حركة الاحتجاج في سوريا.

من المتوقع أن تستدعي النيابة العامة 18 شاهدًا سوريًا، من بينهم متظاهرون سابقون، وأطباء، ومسؤولون حكوميون سابقون، يدّعون أنهم اعتُقلوا وعُذّبوا أثناء الاستجواب.

من المتوقع أن تصف شهادات الشهود حالات ضرب، وصعق بالكهرباء، واعتداءات جنسية، وسوء معاملة مطوّلة، يُزعم أنها وقعت في مكاتب يسيطر عليها المتهمون.

وتنص لائحة الاتهام على أن بعض المعتقلين عانوا من كسور في العظام، وتعرضوا للتعذيب باستخدام أداة تُعرف باسم "البساط الطائر"، وهي عبارة عن جهاز خشبي مصمم لثني السجناء في أوضاع مؤلمة قد تُسبب إصابات خطيرة في العمود الفقري.

ويزعم المدّعون أن الضحايا تحملوا فترات طويلة من المعاناة استمرت لأسابيع.

المتهمان ينفيان ارتكاب أي مخالفات

سبق أن نفى الرجلان، عبر ممثليهما القانونيين، إساءة معاملة المعتقلين.

بعد نشر لائحة الاتهام، امتنع محامو الحلبي وأبو ركبة عن التعليق علنًا على الادعاءات.

السعي لتحقيق العدالة في غياب محكمة دولية

وتسلط محاكمة جرائم الحرب السورية الضوء على كيف أصبحت المحاكم الوطنية جهات رئيسية لمحاكمة الجرائم المرتبطة بالنزاع في سوريا.

وأُعيقت الجهود الرامية إلى إنشاء آلية قانونية دولية لسوريا خلال الحرب بعد أن استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مبادرات كانت ستسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في البلاد.

ونتيجة لذلك، رفعت دول، من بينها ألمانيا والسويد، والآن النمسا، دعاوى قضائية بموجب مبادئ الولاية القضائية العالمية التي تسمح للمحاكم الوطنية بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة بغض النظر عن مكان وقوعها.

كما بدأت الحكومة السورية الحالية، بقيادة أحمد الشرع بعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، باتخاذ إجراءات قانونية ضد مسؤولي النظام السابقين داخل سوريا.

تحقيقٌ دام عقدًا من الزمن

وتُعدّ قضية الحلبي وأبو ركبة ثمرة سنوات من العمل الدؤوب الذي قام به نشطاء سوريون ومنظمات حقوقية ومحققون دوليون.

وأمضت لجنة العدالة والمساءلة الدولية أكثر من عقد في جمع الأدلة ضد الحلبي. ووفقًا لممثلي اللجنة، فقد أُبلغت السلطات النمساوية بوجوده في البلاد منذ عام 2016.

ووصفت نيرما جيلاسيتش، المتحدثة باسم اللجنة، المحاكمة بأنها دليل على إمكانية تحقيق المساءلة حتى بعد التأخيرات الطويلة.

وأشارت إلى أن الحلبي يُعدّ من بين كبار المسؤولين السوريين السابقين الذين يواجهون المحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب واسعة النطاق.

وعمل المحققون أيضًا على تحديد هوية الشهود المنتشرين في أنحاء أوروبا ودعمهم، والذين لا يزال الكثير منهم يعاني من صدمات نفسية نتيجة لتجاربهم خلال النزاع.

صلة بالموساد تُضيف بُعدًا جديدًا للقضية

من أبرز جوانب محاكمة جرائم الحرب السورية الكشف عن صلات مزعومة بين الحلبي وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد).

وأشارت معلومات ظهرت خلال قضية منفصلة في محكمة نمساوية إلى أن الحلبي كان، على ما يبدو، مصدرًا استخباراتيًا للموساد، بينما كان يشغل في الوقت نفسه مناصب رفيعة في جهاز الأمن السوري.

أشارت الأدلة المقدمة في تلك القضية إلى أن جهات اتصال استخباراتية نمساوية وإسرائيلية ساعدت الحلبي في الوصول إلى النمسا والحصول على اللجوء عام 2015.

في عام 2023، وجه المدعون النمساويون اتهامات لعدد من مسؤولي المخابرات واللجوء النمساويين السابقين بتسهيل هذه العملية.

رغم تبرئة أربعة مسؤولين، وبقاء خامس مطلوبًا بموجب مذكرة توقيف دولية، أكدت الإجراءات علنًا وجود الحلبي في النمسا، وأعادت تسليط الضوء على أنشطته خلال الحرب.

لم تُعلّق الحكومة الإسرائيلية ولا الموساد علنًا على الادعاءات المتعلقة بتورطهما.

الضحايا يسعون إلى محاسبة طال انتظارها

بالنسبة للعديد من السوريين المشاركين في القضية، تُمثل المحاكمة فرصة نادرة للمطالبة بالمحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية المدمرة في البلاد.

وأحد أبرز المُدّعين، المحامي السوري أسياد الموسى، تعرّف على أبو ركبة لأول مرة في مخيم للاجئين بالنمسا عام 2014. أبلغ الموسى السلطات عن وجوده، واستمر في التعاون مع المحققين طوال العقد التالي.

وفي معرض حديثه عن الإجراءات المرتقبة، قال الموسى إن السوريين عاشوا سنوات من الخوف في ظل مؤسسات أمنية قوية، وأعرب عن أمله في أن تتحقق العدالة أخيرًا.

أهمية تتجاوز النمسا

تتجاوز أهمية محاكمة فيينا حدود النمسا. باعتبارها إحدى أهم المحاكمات الأوروبية التي تورط فيها مسؤولون سابقون من عهد الأسد، تُبرز هذه القضية الجهود الدولية المتواصلة لمعالجة جرائم الحرب المزعومة التي ارتُكبت خلال النزاع السوري.

كما تُظهر محاكمة جرائم الحرب السورية الدور المتنامي للمحاكم المحلية في تحقيق المساءلة في ظل غياب الآليات الدولية.

بالنسبة للناجين والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان، تُمثل هذه الإجراءات فرصةً لوضع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة تحت المجهر القضائي بعد سنوات من التحقيق والإعداد القانوني.

مع بدء الإدلاء بالشهادات في فيينا، يُتوقع أن تُصبح هذه المحاكمة فصلاً بالغ الأهمية في مسيرة تحقيق العدالة لجرائم الحرب الأهلية السورية.

مقالات مشابهة

  • إعادة النظر.. العليا للمهرجانات: لم يصدر قرار رسمي بإيقاف التصريح للدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي
  • سارة خليفة تتصدر الترند قبل الحكم عليها بتهمة هتك عرض شاب.. تفاصيل
  • قنا تستمر في إخلاء المدن من الأسواق العشوائية
  • المرجعية العليا للطائفة العلوية في سوريا ترهن استقرار المنطقة بتأمين حقوق العلويين
  • بعد طلب زينة حبسه.. المحكمة تتخذ قرارها ضد الفنان أحمد عز
  • انفوجراف.. الحشيش يتصدر أكثر أنواع المخدرات بين المتصلين للعلاج من الإدمان
  • القبض على باكستاني لترويجه الحشيش والميثامفيتامين بالرياض
  • القبض على مواطنين لترويجهما 39 كيلوجراما من الحشيش بجازان
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • التعاون الإسلامي تشيد بقرار إدراج الاحتلال في قائمة مرتكبي العنف الجنسي