كائن بحجم حبة أرز يفضح أزمة الكوكب.. البلاستيك في أمعاء أقسى حشرة جليدية
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
لطالما بدت أنتاركتيكا آخر حصون الطبيعة النقية، فهي قارة جليدية بعيدة عن المدن والمصانع وضجيج الصناعة. غير أن هذه الصورة الرومانسية لم تعد كاملة، فقد كشف فريق دولي من الباحثين أن أصغر الحشرات المقيمة في القطب الجنوبي بدأت تبتلع جزيئات بلاستيكية دقيقة في بيئتها الطبيعية، في واحدة من أبعد بقاع الأرض عن مصادر التلوث البشري.
بطلة القصة "بيلجيكا أنتاركتيكا" أو ذبابة القطب الجنوبي (Belgica antarctica)، وهي بحجم حبة أرز، وأبعد الحشرات انتشارا جنوبا على وجه الأرض، وهي كذلك الحشرة الوحيدة المقيمة الدائمة المعروفة في القارة القطبية الجنوبية.
اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3العلماء قلقون.. الميكروبلاستيك "يُسرِّب" سحابة كيميائية غير مرئية في الماءlist 2 of 3170 تريليون قطعة بلاستيك بالمحيطات قد تستمر قروناlist 3 of 3دراسة: 3 عناصر بالبلاستيك تكلف العالم 1.5 تريليون دولار سنوياend of listكائن صغير ودور بيئي كبيربحسب تقرير حديث نشره موقع "ساينس ديلي" (Science Daily)، تعيش يرقات هذه الحشرة بين الطحالب والأشنات في بقع رطبة على امتداد شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، وقد تبلغ كثافتها نحو 40 ألف يرقة في المتر المربع الواحد.
وبرغم ضآلة حجمها، فإن هذه اليرقات القطبية تعمل "مهندسا بيئيا" لتدوير المواد العضوية في تربة القارة المتجمدة، إذ تتغذى على بقايا النباتات المتحللة وتعيد إدخال المغذيات إلى التربة.
علميا تصنف هذه الحشرة ضمن الكائنات "متعددة التحمّل" (poly-extremophiles)، فهي قادرة على الصمود في وجه:
التجمد الشديد. الجفاف الطويل. الملوحة المرتفعة. التقلبات الحرارية الحادة. الإشعاع فوق البنفسجي.لكن هل تحميها هذه القدرة الاستثنائية من ملوث حديث لم تعرفه بيئتها من قبل؟
لم تعد العزلة الجغرافية ضمانا للنقاء البيئي، فقد رُصدت جزيئات بلاستيكية دقيقة في الثلوج ومياه البحر المحيطة بالقارة القطبية، وإن كانت التركيزات أقل من تلك المسجلة في مناطق مأهولة. وتصل هذه الجسيمات عبر:
التيارات البحرية العابرة للمحيطات. الرياح القادرة على حمل دقائق البلاستيك آلاف الكيلومترات. الأنشطة البشرية المحلية مثل محطات الأبحاث والسفن والسياحة. النقل غير المباشر عبر الطيور والكائنات البحرية. إعلانبمعنى آخر، القطب الجنوبي دخل بالفعل ضمن خريطة التلوث البلاستيكي العالمي.
بلاستيك في الأمعاءفي الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كنتاكي الأمريكية ونُشرت بمجلة "علوم البيئة الكلية" (Science of the Total Environment)، جُمعت يرقات من 20 موقعا في 13 جزيرة على طول شبه الجزيرة القطبية الجنوبية أثناء بعثة ميدانية عام 2023.
وباستخدام تقنيات تحليل طيفي متقدمة قادرة على رصد جسيمات يقل قطرها عن 4 ميكرومترات، شُرّحت 40 يرقة. وكانت النتيجة العثور على قطعتين من الميكروبلاستيك داخل أمعاء اثنتين منها، أي في نحو 5% من العينات المفحوصة.
قد يبدو الرقم محدودا، لكنه يحمل دلالة علمية واضحة وهي أن التلوث لم يغمر التربة بعد، لكنه وصل بالفعل إلى كائن أساسي في قلب هذا النظام البيئي البسيط.
لم يكتفِ الباحثون بالرصد الحقلي، بل أجروا تجارب مخبرية محكمة، إذ عُرّضت اليرقات لتركيزات مختلفة من الميكروبلاستيك داخل تربة تحاكي بيئتها الطبيعية لمدة عشرة أيام، ثم قيست معدلات البقاء على قيد الحياة والنشاط الأيضي ومخزون الطاقة -الدهون والكربوهيدرات والبروتينات- وكمية الجزيئات المبتلعة.
النتائج بدت مطمئنة ظاهريا، إذ لم تتأثر معدلات البقاء بوضوح حتى عند أعلى التركيزات، ولم يظهر تغير كبير في التمثيل الغذائي الأساسي. لكن التحليل كشف أثرا أدق، فقد انخفض مخزون الدهون لدى اليرقات عند أعلى مستويات التعرض، بينما بقيت المؤشرات الأخرى مستقرة نسبيا.وفي بيئة قاسية مثل أنتاركتيكا، ليست الدهون ترفا بيولوجيا، بل هي مخزون الطاقة الذي يمكّن اليرقة من تحمل الشتاء الطويل وإكمال دورة حياتها التي قد تمتد عامين، وأي استنزاف في هذا المخزون قد لا يؤدي إلى موت مباشر، لكنه قد يقلل قدرتها على مقاومة ضغوط أخرى مثل الجفاف أو ارتفاع الحرارة المرتبط بتغير المناخ.
البلاستيك إذن لا يقتل فورا لكنه يغيّر معادلة الطاقة في كائن يعيش أصلا على حافة الاحتمال.
هل ينتقل البلاستيك عبر السلسلة الغذائية؟يعتقد أن انتقال الميكروبلاستيك عبر السلسلة الغذائية الأرضية في أنتاركتيكا محدود، نظرا لعدم وجود مفترسات برية معروفة لهذه الحشرة، غير أن القلق الأكبر لا يتعلق بالانتقال الحيوي، بل بالتعرّض طويل الأمد وتأثيراته التراكمية على كائن يعد حجر أساس في دورة المغذيات.
وفي أنظمة بيئية بسيطة كهذه، قد تؤدي تغيّرات طفيفة في كائن واحد إلى انعكاسات أوسع على توازن التربة والمجتمع الميكروبي المحيط بها.
ما الذي تخبرنا به هذه الحشرة عن كوكب كامل؟تكمن أهمية هذا الاكتشاف في رمزيته بقدر ما تكمن في نتائجه المباشرة، إذ لم يعد البلاستيك مشكلة محلية تخص المدن والسواحل. لا تعنيه الحدود الجغرافية ولا تحمي منه العزلة. حتى في مكان يخلو تقريبا من الأشجار والطرق والتجمعات السكانية، وجد العلماء أثره داخل أمعاء كائن صغير بحجم حبة أرز.
إنها إشارة إلى أن التلوث البلاستيكي أصبح ظاهرة كوكبية شاملة، وأن التأثيرات غير القاتلة -مثل استنزاف الطاقة أو الاضطرابات الأيضية الدقيقة- قد تكون على المدى الطويل أكثر أهمية من السمية الحادة. حين تجد البلاستيك في أقسى بيئة على الأرض، تدرك أن القصة لم تعد عن أطراف الكوكب، بل عن قلبه كله.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات القطبیة الجنوبیة القطب الجنوبی هذه الحشرة
إقرأ أيضاً:
البنجر على مائدتك بانتظام.. ماذا يفعل بمستويات ضغط الدم؟
يُعرف البنجر، أو الشمندر، بلونه الأحمر المميز وقيمته الغذائية العالية، لكنه حظي خلال السنوات الأخيرة باهتمام متزايد من الباحثين بسبب تأثيره المحتمل على صحة القلب والأوعية الدموية، خاصة فيما يتعلق بمستويات ضغط الدم.
ويحتوي البنجر على نسبة مرتفعة من النترات الطبيعية، وهي مركبات يحولها الجسم إلى أكسيد النيتريك، وهو جزيء يساعد على توسيع الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم. ويعتقد العلماء أن هذه الآلية قد تفسر العلاقة بين تناول البنجر وانخفاض ضغط الدم لدى بعض الأشخاص.
وأظهرت دراسات متعددة أن تناول عصير البنجر أو إدخاله ضمن النظام الغذائي بشكل منتظم قد يساهم في خفض ضغط الدم الانقباضي والانبساطي بدرجات متفاوتة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع طفيف أو متوسط في الضغط.
كما يرى الباحثون أن تحسين تدفق الدم قد يعود بفوائد إضافية على صحة القلب والقدرة البدنية، إذ يساعد على وصول الأكسجين والعناصر الغذائية إلى الأنسجة بكفاءة أكبر.
ولا تقتصر فوائد البنجر على النترات فقط، فهو يحتوي أيضًا على مضادات أكسدة وألياف غذائية ومعادن مهمة مثل البوتاسيوم، الذي يلعب دورًا في الحفاظ على توازن ضغط الدم داخل الجسم.
ومع ذلك، يؤكد الأطباء أن البنجر ليس بديلًا للأدوية الموصوفة لعلاج ارتفاع ضغط الدم، ولا ينبغي الاعتماد عليه وحده للتحكم في الحالة.
كما أن الاستجابة تختلف من شخص لآخر تبعًا للعمر والحالة الصحية والنظام الغذائي العام.
ويُنصح بتناول البنجر ضمن نظام غذائي متوازن يشمل الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، مع تقليل الملح والدهون المشبعة للحفاظ على صحة القلب.
وقد يلاحظ بعض الأشخاص تغير لون البول أو البراز إلى اللون الوردي أو الأحمر بعد تناول البنجر، وهي ظاهرة طبيعية وغير مقلقة في معظم الحالات.
وفي النهاية، تشير الأبحاث إلى أن إضافة البنجر إلى النظام الغذائي قد تكون خطوة بسيطة تدعم صحة القلب وتساعد في تحسين مستويات ضغط الدم، خاصة عند دمجه مع نمط حياة صحي ومتوازن.