حين تلتقي التنمية مع المسؤولية، ويُصاغ الاستثمار بروح الشراكة ، يصبح الفعل السياسي جسراً يعيد الاعتبار للكرامة قبل أن يعيد ترتيب الاقتصاد. وفقا لهذه المعادلة تبرز المملكة العربية السعودية في المشهد السوداني استثناءً أخلاقيًا، من خلال إدارة سياسيةٌ راشدة ،لا تفصل بين القوة والضمير، ولا ترى في الإنسان تفصيلًا على هامش المعادلات.

ليست العلاقة بين السودان والسعودية وليدة لحظة، بل نهرٌ قديم الجريان، تشكّل عبر عقود من التفاعل السياسي والاقتصادي والإنساني، واستند إلى روابط الدين والثقافة والجغرافيا، حتى غدا نموذجًا للتكاملٍ الأصيل.

ظل السودان حاضرًا في الرؤية السعودية كدولة محورية في محيطها العربي والإفريقي ، لما يمتلكه من ثقلٍ بشري وموقعٍ استراتيجي وإمكاناتٍ اقتصادية واعدة. ومن هذا العمق التاريخي استمدّ الدور السعودي مصداقيته ونجاحه ، فلم يُنظر إليه كنفوذٍ طارئ، بل كامتدادٍ لأخوةٍ راسخة.

في هذا السياق، تأتي اتفاقية وزارة المعادن السودانية مع شركة مصفاة الذهب السعودية، التي وقعت بالأمس عبر فرعها المسجل بالسودان (شركة الاتحاد العالمي للتعدين)، لتكون أكثر من شراكة في قطاع التعدين؛ إنها رسالة سياسية تقول إن التنمية ليست شعارًا، بل فعلًا منتجا يُدار وفق أعلى المعايير الفنية ، ويستهدف بناء اقتصادٍ قادر على النهوض من كبوته.

تُؤسّس هذه الشراكة لمسارٍ متكامل يبدأ بالاستكشاف العلمي وينتهي بالإنتاج التجاري، وبينهما نقل للخبرات وبناء للقدرات الوطنية وتوسيع لفرص العمل. هكذا تتحوّل الموارد من الإهمال إلى رافعة تنموية، وتتحول الثروة من مخزونٍ في باطن الأرض إلى قيمة حقيقية داخل الإقتصاد.

سياسيًا تندرج هذه الخطوة ضمن مخرجات مشاركة السودان في منتدى «معادن المستقبل» الذي تستضيفه المملكة سنويًا، حيث يُطرح الاستثمار باعتباره شراكةً لتكامل الأدوار لا سطو احادي. الرسالة واضحة: السعودية لا تبحث عن مكاسب موقتة ، بل عن استدامة تُقاس بقدرتها على خلق قيمة مشتركة لأجل الشعوب، تُعيد الثقة وتُرسّخ الأمن والاستقرار.

هذا النهج الذي نتحدث عنه وهذا البُعد الأخلاقي، يتجلّى بأوضح صورة في الخطاب الدبلوماسي السعودي تجاه السودان. فحين وصفت سفيرة المملكة لدى الولايات المتحدة، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، الأزمة السودانية بأنها «قضية إنسانية وأخلاقية» قبل أن تكون ملفًا سياسيًا، كانت تُعيد ترتيب البوصلة. لم يكن توصيفًا عاطفيًا، بل إعلانًا عن زاوية نظر تُعيد الإنسان إلى مركز المعادلة الأخلاقية، وتُنقذ السياسة من جفافها.

عبارة «جيران وأصدقاء» التي استخدمتها السفيرة وضجت بحديثها مواقع التواصل الاجتماعي في السودان لم تكن مجازًا، بل استعادة واعية لوشيجة تاريخية حاولت الحرب طمسها. حين حاولت عزل السودان من محيطه إلاقليمي والدولي ،بها انتقل السوداني من خانة الرقم إلى مقام الشريك، ومن صورة اللاجئ المُختزل المشرد إلى إنسانٍ كامل الحضور. هنا، لا تُبنى العلاقة على الشفقة أو الإحسان، بل على شراكة وجدانية متجذرة تُصحّح سردية المصالح، وتعيد تعريف الجوار بوصفه مسؤولية لا عبئًا.

وتتجسد هذه المقاربة الناضجة في توازنٍ واعٍ بين الإغاثة والمسار السياسي، فلا تُختزل المسؤولية في قوافل المساعدات، ولا تُترك الدبلوماسية بلا جذور إنسانية. السعودية بهذا النهج، تُطفئ الحرائق الآنية وتعمل على إزالة أسبابها، مدركةً أن الاستقرار لا يُستورد، بل يُبنى عبر شراكات ذكية تُعيد للسودان شرط السيادة كمدخل لأي سلام مستدام.

إن استمرارية هذا الدور الناضج يعكس رؤية ترى في السودان شريكًا مهمًا، واستقراره جزءًا لا يتجزأ من أمن المنطقة. ومن الماضي الذي اتسم بالدعم والمساندة، إلى الحاضر الذي يشهد جهدًا إنسانيًا وسياسيًا فاعلًا، وصولًا إلى مستقبلٍ تُنتظر فيه فرص أوسع للتنمية وإعادة الإعمار، تواصل المملكة أداء دورٍ فاعل يضعها في قلب المعادلة التنموية في بلادنا .

بحسب #وجه_الحقيقة فإنه لا يمكن فهم الدور السعودي في السودان باعتباره استجابة ظرفية أو تحركًا تكتيكيًا، بل كتعبير عن رؤية استراتيجية ترى في الاستقرار قيمة سيادية، وفي الإنسان مصدر الشرعية، وفي التنمية أداة لإعادة تأسيس الدولة . فالعلاقة بين البلدين تتجاوز منطق المقايضة إلى شراكة تُعيد تعريف النفوذ بوصفه قدرة على بناء التوازن لا استنزافه، وعلى تفكيك أسباب الأزمات لا إدارتها. بهذا المعنى يغدو الحضور السعودي نموذجًا لنفوذ مختلف، لا يقاس بما يفرضه، بل بما يُنقذه ويُعيد تشكيله، مؤكّدًا أن السياسة حين تُمارَس خارج منطق الصفقات، تتحول من إدارة للانهيار إلى هندسة واعية للاستقرار.

إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 18 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/02/18 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة هل يوجد أي حزب سوداني يؤمن بالديمقراطية ويطبقها داخل مكوناته وهياكله؟2026/02/14 إبراهيم شقلاوي يكتب: بين الفوضى وإعادة التأسيس2026/02/14 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (وعلى الطلاق. ننتصر… في الحرب الأخرى)2026/02/14 الحلف الجنجويدي أصيب بالجنون2026/02/13 الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة ٢٢ بابنوسة2026/02/13 حلف الجنجوة الرثة مع البرجزة الرثة2026/02/13شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات أهل البطانة وجدوا كيكل مرتين عندما لم يجدوا الآخرين 2026/02/13

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

رهاب العلمانية!

 

رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح

يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.

الوسومالخطر الحقيقي الخوف الشديد جنال عبدالرحيم صالح حالة ذهنية رهاب العلمانية

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • 8 مليارات درهم قيمة 33 صفقة دمج واستحواذ إماراتية بالربع الأول
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • مكافآت استثنائية تنتظر لاعبي السعودية في كأس العالم.. الاتحاد السعودي يحفز "الأخضر" لتحقيق الإنجاز
  • رهاب العلمانية!
  • شراكة مصرية فرنسية جديدة لدعم الابتكار وريادة الأعمال بجامعة الإسكندرية
  • شراكة بحثية دولية تُثري الابتكار في التحليل الدوائي في الجامعة الألمانية بالقاهرة
  • بينهم مساعد رجل أعمال.. إحالة أباطرة الكبتاجون بين مصر والسعودية للجنايات - خاص