لا يمكن قراءة زيارة خليفة حفتر إلى باكستان خارج سياقها الجيوسياسي الإقليمي العميق، ولا يجوز التعامل معها بوصفها مؤشرا على صعود نفوذ حفتر أو تمدد تحالفاته الدولية، كما يحاول بعض الإعلام الموجَّه الترويج. فباكستان، في حسابات السياسة الإقليمية، ليست دولة هامشية ولا تتحرك في الملفات العربية الحساسة بمعزل عن التوافق الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي، والجيوسياسة العسكرية، وإدارة الصراعات المركبة.

العلاقة التاريخية بين الرياض وإسلام آباد، الممتدة من التعاون العسكري إلى التنسيق الاستخباراتي، تجعل من أي تحرك باكستاني في الإقليم انعكاسا غير مباشر لإرادة سعودية أو على الأقل منسجما معها، لا سيما في مراحل إعادة التموضع وكسر التوازنات القديمة.

من هذا المنطلق، فإن الانفتاح الباكستاني المتأخر على شرق ليبيا، والذي تبلور بعد اتساع رقعة التباين السعودي الإماراتي في أكثر من ساحة، لا يمكن فصله عن لحظة إقليمية تشهد إعادة رسم خرائط النفوذ. الخلاف بين الرياض وأبو ظبي لم يعد مكتوما كما في السابق، بل تمدد عمليا من اليمن إلى الصومال، ومن السودان إلى سوريا، وصولا إلى ليبيا. وفي كل هذه الساحات، تبيّن للسعودية أن الإمارات تجاوزت أدوار الشراكة إلى بناء أطواق نفوذ صلبة حول المجال الحيوي السعودي، مستخدمة أدوات محلية، ومليشيات، ومشاريع انفصال، وموارد استراتيجية، من الموانئ إلى الذهب والمعادن، ضمن رؤية تخدم في جوهرها إعادة هندسة الإقليم بما يتقاطع مع مشروع إسرائيلي أوسع.

السعودية التي كانت قد آثرت في مرحلة سابقة الانسحاب النسبي من التعقيد الليبي، إدراكا لتشابك المشهد وصعوبة الاستثمار السياسي فيه، فوجئت بتحول ليبيا، وخصوصا شرقها، إلى منصة إماراتية متقدمة لإدارة ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ودعم شبكات مسلحة عابرة للحدود، وفي القلب منها الدعم المباشر وغير المباشر لقوات حميدتي في السودان. هذا التحول لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تهديدا مباشرا للأمن القومي السعودي، لأن إشعال السودان والبحر الأحمر يعني الاقتراب من خطوط الملاحة والطاقة، وخلق بيئة فوضى مزمنة جنوب المملكة.

عند هذه النقطة تحديدا، استيقظت الرياض على ضرورة كسر حلقات النار التي نسجتها أبو ظبي حولها بهدوء، فتحركت بحزم في اليمن، وقطعت الطريق على مشاريع التفكيك، ثم أعادت ترتيب المشهد في الصومال، وأسهمت في إعادة ضبط الإيقاع في السودان، وبدأت مسارا واضحا لاستعادة زمام المبادرة في سوريا. ليبيا، بحكم موقعها ودورها في المعادلة الأفريقية والمتوسطية، لم تكن استثناء من هذا التحول، فبدأت السعودية بإرسال واستقبال الوفود من طرابلس، في رسالة سياسية واضحة بأن الرياض لم تعد ترى في العاصمة الليبية خصما أو هامشا، بل شريكا شرعيا يمكن البناء عليه ضمن منطق الدولة والاستقرار.

في هذا السياق، جاء التحرك السعودي غير المباشر نحو حفتر، لا عبر دعم عسكري أو سياسي مباشر، بل عبر بوابة باكستان، الحليف التاريخي، وصديق المؤسسة العسكرية السعودية. زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى بنغازي، ثم استقبال حفتر في إسلام آباد، ليستا إشارتين على تعاظم وزن حفتر، بل على العكس تماما، هما جزء من عملية احتواء وسحب تدريجي للرجل من العباءة الإماراتية، ومحاولة إيجاد موطئ قدم سعودي في شرق ليبيا دون الانخراط في مشروع عدائي ضد طرابلس أو دعم مسار الانقسام. الرسالة هنا موجهة أساسا إلى أبو ظبي، ومفادها أن شرق ليبيا لم يعد ساحة حصرية، وأن إعادة التموضع الإقليمي وصلت إلى عقر دار الأدوات الإماراتية.

من يقرأ المشهد بعين استراتيجية يدرك أن السعودية اليوم أقرب إلى منطق دعم الحكومات المعترف بها دوليا، كما فعلت في اليمن حين اصطدمت بمشروع الانفصال، وكما فعلت في الصومال والسودان وسوريا. من غير المنطقي أن تمنع الرياض انفصال جنوب اليمن، وترفض تفكيك الصومال، وتسعى لوحدة السودان، ثم تدعم في المقابل مشروع انفصال شرق ليبيا أو تبارك استمرار حفتر كأداة فوضى. هذا التناقض لا يستقيم مع السلوك السعودي المستجد، ولا مع إدراكها المتأخر، ولكن الحاسم، لحجم تورط حفتر في إشعال الإقليم، خصوصا عبر دعمه لحميدتي، وهو خط أحمر سعودي بامتياز.

الدلائل على هذا التحول ليست نظرية، بل عملية وميدانية. إخراج الكفرة من معادلة الدعم اللوجستي لحميدتي، كما كشفت تقارير دولية، لم يكن قرارا محليا عفويا، بل نتيجة ضغط إقليمي تقوده الرياض. الضربات الجوية التي استهدفت قوافل عسكرية خارجة من الجنوب الليبي باتجاه السودان لم تكن لتحدث دون غطاء سياسي واضح، وإغلاق الأجواء أمام الطائرات العسكرية الإماراتية المتجهة إلى بنغازي والكفرة شكّل رسالة إضافية بأن زمن التفويض المفتوح قد انتهى، وأن السعودية قررت وضع خطوط فاصلة بين النفوذ المشروع والتغوّل التخريبي.

بناء على كل ذلك، فإن زيارة حفتر إلى باكستان لا تحمل في طياتها دعما سياسيا أو عسكريا له داخل ليبيا، ولا تعكس اعترافا بدوره المستقبلي، بل تمثل جزءا من ترتيبات ما بعد حفتر، ومحاولة إدارة خروجه أو تحجيمه ضمن مسار إقليمي أوسع شهد سقوط أو تراجع نماذج مشابهة، من عبدروس الزبيدي في اليمن، إلى زعماء الانفصال في الصومال، إلى ترنح حميدتي في السودان، وبواكير تفكك مشاريع الأمر الواقع في سوريا. المشهد الإقليمي القادم، بكل مؤشراته، لا يملك مساحة لاستمرار حفتر كفاعل مركزي، بل يتجه نحو إعادة بناء الشرعيات، وتجفيف منابع الفوضى، وإغلاق المنصات التي استخدمت لإشعال الإقليم. ومن هنا، فإن الرسالة الحقيقية لزيارة باكستان ليست إلى طرابلس، بل إلى أبو ظبي، بأن اللعبة تغيرت، وأن زمن الأدوات المستهلكة يقترب من نهايته.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء حفتر باكستان السعودية ليبيا الإماراتي ليبيا السعودية باكستان الإمارات حفتر قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة شرق لیبیا أبو ظبی

إقرأ أيضاً:

أنغام تخطف الأنظار بفستان أحمر في حفل الرياض.. شاهد

تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي صور للفنانة أنغام خلال إحيائها حفلا غنائيا في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

تألقت أنغام في الصور بإطلالة راقية، حيث ارتدت فستان طويل ذا أكمام مكشوفة و اتسم التصميم باللون الأحمر المصنوع من القماش المطرز بالكامل.

لم تبالغ أنغام في الإكسسوارات والمجوهرات مما زاد من أناقتها، ونالت صورها وإطلالتها إعجاب متابعيها على السوشيال ميديا.

أما من الناحية الجمالية، اعتمدت أنغام على خصلات شعرها البني المنسدلة على كتفيها، ووضعت مكياجا جذابا مرتكزا على الألوان الترابية المتناسقة مع لون بشرتها مما كشف عن جمالها.

صدى البلد

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/06/01 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة بالشورت.. نسرين طافش تخطف الأنظار بإطلالة جريئة2026/06/01 صحيفة إسرائيلية تصف شيرين عبد الوهاب بـ “بريتني سبيرز” العرب وتؤكد: صوت مصر عاد للغناء2026/05/31 يارا السكري ترد على شائعات حياتها الشخصية: الجمهور من حقه يهتم بيا طالما أنا مؤثرة2026/05/31 روبي تشعل حفل العيد في الغردقة بإطلالة فضية2026/05/30 فنانة عربية تعلن إصابتها بالسرطان وتبدأ رحلة العلاج2026/05/29 موعد ومكان تشييع جثمان والدة أحمد حلمي2026/05/29شاهد أيضاً إغلاق ثقافة وفنون بالكاجوال..ظهور لافت لـ هنا الزاهد “بنطلون جينز” 2026/05/29

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

مقالات مشابهة

  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • مكافآت استثنائية تنتظر لاعبي السعودية في كأس العالم.. الاتحاد السعودي يحفز "الأخضر" لتحقيق الإنجاز
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • أنغام تخطف الأنظار بفستان أحمر في حفل الرياض.. شاهد
  • 5 فرق تتنافس في نهائيات كأس ليبيا
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا