إبراهيم شقلاوي يكتب: دوركهايم في أم درمان
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
أم درمان بعد الحرب، مجتمع حي يعيد إنتاج ذاته وفق ما وصفه إيميل دوركهايم : “أن المجتمع كيان قائم بذاته، يتجاوز الأفراد، ويحمل الضمير الجمعي الذي يربطهم ببعضهم ويصوغ هويتهم المشتركة”. وأنا أتنقل مع عدد من الأصدقاء ، بدت ملامح هذا المعنى واضحة في الأسواق التي استعادت حركتها، والمجالس التي عادت إليها حميميتها، والمساجد التي امتلأت بالمصلين.
وفق فلسفة دوركهايم، “الوقائع الاجتماعية” من قيم وعادات وعلاقات، لا يمكن محوها بسهولة لأنها تسكن الوعي المشترك، وتشكل قاعدة لاستمرار المجتمع بعد الصدمات. أم درمان، بتاريخها الثقافي والسياسي، تُجسّد هذه الحقيقة ، فعودة المعلم إلى فصله، والتاجر إلى دكانه، والإمام إلى منبره شكّلت حلقات في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية، وهي تجسيد حي لـ”التضامن العضوي” الذي حدده دوركهايم، حيث تتكامل الأدوار وتتعاضد النظم، وتصبح الحاجة إلى الآخر قاعدة لإعادة البناء بعد الحرب.
الحرب قد تُربك الإيقاع الاجتماعي وتُزجّ الناس في النزوح، لكنها لا تقضي على الرسوخ الثقافي والسياسي إذا ظل الضمير الجمعي حيًا. في هذا الإطار، يصبح الألم والمعاناة أدوات وعي: إعادة الحياة اليومية ليست مجرد فعل روتيني، بل ممارسة سياسية واجتماعية تؤكد أن المدينة تعيد صياغة نفسها. الأسواق، المجالس، الطقوس الشعبية، المساجد، وكل رموز الحياة اليومية، هي أدوات لإعادة إنتاج السلطة الاجتماعية غير الرسمية، وضمان استقرار المجتمع، وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين الأفراد.
عودة المسحراتي وشباب المكاشفية بالأمس بالنوبة والطبل المعهود لم تكن طقسًا شعبيًا عاديًا ، بل إعلانًا ذكيًا عن استعادة المدينة لنبضها الاجتماعي والسياسي. من الموردة إلى ودنوباوي، ومن حي العمدة إلى الثورات، تتجلى إرادة المجتمع في الحفاظ على العادات والتقاليد والرموز المشتركة، ما يعكس قدرة الضمير الجمعي على إنتاج نفسه سياسيًا وثقافيًا.
وفي مسجد السيدة سنهوري، احتشد المصلون لأول صلاة تراويح بعد تحرير العاصمة في مارس 2025، مؤكدين أن الشرعية والسلطة الاجتماعية تتولد من قدرة الناس على الاجتماع في أمان وسلام، وهو تطبيق عملي لفكرة دوركهايم عن “الانفعال الجمعي”، حيث تتوحد المشاعر في طقس مشترك فيولد الإحساس بالانتماء والتماسك الاجتماعي.
السياسة هنا ليست مجرد إدارة موارد أو فرض قوانين، بل فن إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية بعد الصدمات، بحيث تصبح المشاركة اليومية في الأسواق والمساجد والمناسبات المحلية جزءًا من تأسيس الدولة والمجتمع.
فالمدن العميقة الجذور لا تقوم على الحجر وحده أو الطرقات، بل على ذاكرة مشتركة واعية ومنتبهة وإرادة جماعية متجددة. لذلك نبض أم درمان اليوم يُسمع في الخطوات التي تعود إلى الأزقة، وفي ابتسامة تُصافح الغد بثقة مكتسبة من تجربة محنة، بما يثبت أن المدن، رغم الهزات، قادرة على إعادة إنتاج ذاتها عبر الضمير الجمعي والتضامن العضوي والأمل.
إن تجربة أم درمان تثبت أن المجتمعات، وفق فلسفة دوركهايم، تمتلك القدرة على استنهاض نفسها ، وأن التضامن ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ بنداء المسحراتي، وتكتمل في صفوف التراويح، وتمتد إلى ورش الإعمار. كل فعل يومي هنا يحمل بعدًا سياسيًا واجتماعيًا: فتح دكان، حضور صلاة جماعية، ممارسة طقس شعبي، كل ذلك يعيد صياغة السلطة ويؤكد أن المجتمع يعيد إنتاج نفسه دون انتظار المؤسسات الرسمية.
أم درمان اليوم، أو فلنقل العاصمة الخرطوم بكاملها، ليست مجرد مدينة تتعافى، بل مجتمع يكتشف قوته الكامنة ويؤكد أن التاريخ والذاكرة المشتركة والتضامن العضوي هي صمام أمانه السياسي والاجتماعي.
بين نداء المسحراتي وصفوف المصلين وهدير الدعاء، تتجلى فلسفة دوركهايم في أبهى صورها: “المجتمع ليس مجرد جموع عابرة، بل كيان حي متجدد، قادر على إعادة إنتاج ذاته باستمرار، وإحياء الحياة بمعناها الاجتماعي والسياسي والثقافي”. لذلك أم درمان اليوم ليست مجرد مدينة تتعافى، بل مجتمع يعيد اكتشاف قوته الكامنة وسطوته التي حاولوا استلابها، ويؤكد أن التاريخ، والذاكرة المشتركة، والتضامن العضوي، هي صمام أمانه الاجتماعي والسياسي.
فالقوة السياسية بحسب #وجه_الحقيقة لا تُبنى على صرامة القوانين أو المؤسسات فقط ، بل على تماسك المجتمع وإرادته . الحياة بعد الحرب ليست استرجاعًا للمكان وحده ، بل إعادة تأسيس للمعنى، وربط الفرد بالمجتمع، والتاريخ بالحاضر، والسياسة بالوعي الجماعي. أم درمان تثبت أن المدينة تُصاغ بالإرادة، بالوعي المشترك ، وبقدرة الناس على إعادة إنتاج ذواتهم ومجتمعهم بعد الهزات، لتصبح كل لحظة من الحياة اليومية شهادة على استمرارية المجتمع وقوته وإرادته.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية
الخميس 19 فبراير 2026م Shglawi55@gmail.com
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/02/19 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة هدف الغزاة الحقيقي2026/02/19 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (جسر إلى التسعينات)2026/02/19 إبراهيم شقلاوي يكتب: الدكتاتور المؤقت2026/02/19 السودان يتفوَّق على أمريكا بميزة كبرى2026/02/19 الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي2026/02/19 حرب الإخوة2026/02/18شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إسحق أحمد فضل الله يكتب: (والقاموس) 2026/02/18الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: الاجتماعی والسیاسی الضمیر الجمعی إعادة إنتاج لیست مجرد أم درمان
إقرأ أيضاً:
الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
في عالم كرة القدم لا تعيش الجماهير على الأهداف والانتصارات فقط بل تتعلق أحيانًا بتفاصيل صغيرة قد تبدو عادية للبعض لكنها تتحول إلى إشارات تمنح الملايين الأمل قبل انطلاق المعارك الكبرى .. ومع وصول بعثة المنتخب الأرجنتيني إلى مقر إقامتها في الولايات المتحدة استعدادًا لخوض منافسات كأس العالم 2026 لم يكن الحديث هذه المرة عن خطط المدرب ليونيل سكالوني أو جاهزية النجوم بل عن رقم غرفة اختارها قائد المنتخب ليونيل ميسي.
تفصيلة بسيطة تحولت خلال ساعات إلى حديث الجماهير الأرجنتينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعدما ربط المشجعون بين الرقم الجديد الذي يحمله مقر إقامة قائد "التانجو" وبين حلم التتويج بلقب عالمي جديد.
من الغرفة 201 إلى 202.. حكاية بدأت في قطرقبل أربع سنوات وخلال إقامة المنتخب الأرجنتيني في مونديال قطر 2022 كان ميسي يقيم في الغرفة رقم 201 حينها تداول المشجعون فكرة طريفة مفادها أن مجموع أرقام الغرفة يساوي الرقم ثلاثة في إشارة إلى النجمة الثالثة التي كانت الأرجنتين تحلم بإضافتها إلى قميصها التاريخي.
وبالفعل انتهت البطولة بصورة أسطورية بعدما نجح المنتخب الأرجنتيني في التتويج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخه ليصبح ذلك الرقم جزءًا من واحدة من أجمل القصص التي عاشتها الجماهير.
المشهد من جديد ولكن بصورة مختلفة.فقد اختار ميسي الإقامة في الغرفة رقم 202 داخل معسكر المنتخب الأرجنتيني بمدينة كانساس الأمريكية وهو ما دفع الجماهير إلى إعادة إحياء "نظرية الأرقام" الشهيرة.
وبحسب حسابات المشجعين فإن مجموع أرقام الغرفة الجديدة يساوي أربعة وهو الرقم الذي يمثل حلم الأرجنتين المقبل بإضافة النجمة الرابعة إلى سجلها الذهبي بعد ألقاب 1978 و1986 و2022.
ميسي والمهمة الأصعببعيدًا عن الخرافات والتكهنات يدرك الجميع أن المهمة لن تكون سهلة أمام منتخب الأرجنتين فرغم دخوله البطولة بصفته حامل اللقب إلا أن الضغوط ستكون أكبر من أي وقت مضى خاصة أن المنافسين سيعتبرون إسقاط "الألبيسيليستي" هدفًا رئيسيًا في النسخة الجديدة من المونديال.
وفي قلب هذا المشهد يقف ليونيل ميسي الذي يستعد لخوض كأس العالم السادسة في مسيرته ليواصل تحطيم الأرقام القياسية بقميص منتخب بلاده.
النجم الأرجنتيني البالغ من العمر 38 عامًا يدخل البطولة وسط تساؤلات كثيرة حول قدرته على تكرار إنجاز 2022 لكنه في الوقت نفسه يملك ما لا يملكه أي لاعب آخر في البطولة: الخبرة والقيادة والإيمان الجماهيري المطلق.
سكالوني يحتفظ بعموده الفقريويعتمد الجهاز الفني للمنتخب الأرجنتيني على مجموعة كبيرة من العناصر التي شاركت في رحلة التتويج التاريخية بقطر فالقائمة الحالية تضم عددًا من أبرز أبطال اللقب العالمي مثل إيميليانو مارتينيز نيكولاس أوتاميندي رودريجو دي بول إنزو فرنانديز أليكسيس ماك أليستر خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز.
ويمنح هذا الاستقرار الفني المنتخب الأرجنتيني أفضلية مهمة مقارنة بعدد من المنتخبات التي خضعت لعمليات إحلال وتجديد واسعة خلال السنوات الأخيرة.
معسكر للأبطالواستقر المنتخب الأرجنتيني في مدينة كانساس الأمريكية التي ستكون مركز عملياته طوال البطولة وحرص الاتحاد الأرجنتيني على توفير كل سبل الراحة للاعبين والجهاز الفني حيث تم اختيار مقر إقامة يتمتع بخصوصية كبيرة بعيدًا عن الضغوط الجماهيرية والإعلامية.
كما جرى تجهيز الفندق بلمسات أرجنتينية خاصة من خلال الأعلام والصور والرسائل التحفيزية التي تستعيد لحظات التتويج التاريخية وتُذكر اللاعبين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
ويضم المقر مناطق ترفيهية ومساحات للاسترخاء ومرافق حديثة تساعد اللاعبين على الحفاظ على تركيزهم طوال فترة المنافسات.
بداية الطريق نحو النجمة الرابعةوسيبدأ المنتخب الأرجنتيني مشواره في البطولة وسط طموحات كبيرة بالحفاظ على اللقب العالمي ورغم أن الطريق يبدو طويلًا وصعبًا فإن الجماهير الأرجنتينية تؤمن بأن هذا الجيل لا يزال قادرًا على كتابة فصل جديد من المجد.
قد تكون الغرفة 202 مجرد رقم على باب إحدى الغرف داخل معسكر المنتخب وقد تكون مجرد مصادفة عابرة لا أكثر.
لكن في بلد يعشق كرة القدم حد الجنون وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بليونيل ميسي فإن كل تفصيلة تتحول إلى قصة وكل إشارة تصبح مصدرًا للأمل.