في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تناول الكاتب سيرج شميمان بالنقد والتحليل مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المعروفة باسم "مجلس السلام" الذي عقد اجتماعه الأول أمس الخميس.

واعتبر أن مجلس السلام، الذي استحدثه ترمب وأُعيد تسميته ليصبح "معهد دونالد ج. ترامب للسلام"، يحمل أوجه شبه مقلقة بينه وبين أساليب الدعاية التي كان ينتهجها الاتحاد السوفياتي السابق إبان الحرب الباردة.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كم جمع مجلس السلام في اجتماعه الأول وأين ستذهب هذه الأموال؟list 2 of 26 رسائل في أول اجتماع لـ"مجلس السلام" بواشنطنend of list

وقد حضرت الاجتماع الأول لمجلس السلام 47 دولة، بعضها أعضاء فيه، كما شارك الاتحاد الأوروبي بصفة مراقب، لبحث إعادة الإعمار وتأمين الاستقرار في غزة، وذلك بعد "حرب الإبادة الجماعية" التي تعرض لها القطاع.

قصة السوفيات

وأعلن الرئيس ترمب، في الكلمة التي ألقاها أمام الاجتماع، أنه سيقدم 10 مليارات دولار لغزة عبر مجلس السلام، مؤكدا أن دولا ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار أخرى ضمن حزمة إنقاذ للقطاع الفلسطيني.

واستهل شميمان مقاله باستدعاء تجربته الشخصية في الاتحاد السوفياتي، حيث كانت شعارات السلام جزءا أساسيا من الخطاب الرسمي، رغم الطبيعة العسكرية والقمعية للنظام.

وأوضح أن مؤسسات مثل "مجلس السلام العالمي" و"صندوق السلام السوفياتي" لم تكن تعبيرا عن التزام حقيقي بالسلام، بقدر ما كانت أدوات دعائية لتجميل صورة موسكو خارجيا، وتمويل حركات مناهضة للحرب تخدم في الواقع مصالحها السياسية.

وقارن المقال هذا الإرث بمبادرة ترمب، مشيرا إلى أن فكرة "مجلس السلام" تستحضر اللغة ذاتها التي استخدمتها الأنظمة الشمولية، حيث يُرفع شعار السلام بالتوازي مع سياسات عسكرية وتصعيدية.

لغة السلام قد تصبح أخطر حين تُستخدم غطاء لنقيضها

ولفت الكاتب إلى أن ترمب يطالب علنا بمنحه جائزة نوبل للسلام، ويؤكد أنه أنهى 8 حروب أو نزاعات، رغم أن معظم هذه التسويات كانت مؤقتة أو لا ترقى إلى مستوى الحروب، في وقت شهدت فيه إدارته عمليات عسكرية متعددة، من قصف إيران واليمن إلى التدخل في فنزويلا.

إعلان

وفي تقديره أن مجلس السلام الجديد، الذي يتخذ من معهد ترامب للسلام مقرا له، يبدو للوهلة الأولى كمبادرة لإعادة إعمار غزة وحل النزاعات، لكنه في جوهره يفتقر إلى ميثاق عمل واضح، ويقوم على مبدأ "الدفع مقابل المقعد"، حيث تصل تكلفة العضوية الدائمة فيه إلى مليار دولار.

هذا التوجه -في رأي شميمان- يحول الدبلوماسية الدولية من ساحة للتوافق العالمي إلى نموذج تجاري يخدم مصالح الرئيس وتوجهاته الشخصية، وهو ما يفسر رفض العديد من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين الانضمام إلى هذا التشكيل المثير للجدل، خوفا من أن يكون بديلا عن مجلس الأمن الدولي.

وذهب المقال إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن مبادرة ترمب بتأسيس المجلس تندرج ضمن نمط أوسع من "اللغة المزدوجة" التي تُميز الأنظمة السلطوية، حيث تُقدَّم السلطة المطلقة على أنها ديمقراطية، والقمع باعتباره عدالة، والحرب باعتبارها سلاما.

مقارنات

ويعقد الكاتب مقارنات مباشرة بين "عبادة الفرد" في الاتحاد السوفياتي، لا سيما في عهد رئيسه ليونيد بريجنيف، حيث كان القائد يُمنح الأوسمة والجوائز وتُسمى المدن باسمه بينما يتداعى النظام من الداخل.

ولاحظ شميمان أن ترمب يسعى لتخليد اسمه على كل شيء، من المطارات إلى المعاهد، مستغلا في ذلك وسائل إعلام متملقة تروج لنجاحاته المتخيلة، بينما يهاجم الصحافة الحرة التي تصف الواقع كما هو.

وتطرق المقال إلى دعوة ترمب نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى الانضمام إلى المجلس، واصفا إياه بأنه الأكثر قدرة على فهم "قواعد اللعبة"، لكونه خريج مدرسة الاستخبارات السوفياتية التي أتقنت استخدام السلام سلاحا سياسيا.

ويخلص شميمان، في نهاية مقاله، إلى أن تاريخ الاتحاد السوفياتي يثبت أن الأنظمة السلطوية قد تنجح مؤقتا في تسويق أوهامها، لكنها في النهاية تعجز عن الهروب من الحقيقة، محذرا من أن لغة السلام قد تصبح أخطر حين تُستخدم غطاء لنقيضها.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الاتحاد السوفیاتی مجلس السلام

إقرأ أيضاً:

تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)

 

تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي

تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.

ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.

الوسومتحقيق السلام المجتمعي المستدام تعايش وسلام اجتماعيين دعبدالناصر علي الفكي رؤية سيوسولوجية

مقالات مشابهة

  • الحرس الثوري الإيراني يعلن تدمير صاروخ "توماهوك" أمريكي في كرمان
  • سلام: الدولة حاضرة بكل إمكاناتها لإطلاق مسار التعافي وعودة أهالي الجنوب اللبناني
  • نصب على المواطنين.. إحالة المتهم بانتحال صفة أمين شرطة بدار السلام للمحاكمة
  • مسؤول أمريكي : نزع سلاح حماس أمر حتمي و"الأونروا" يجب أن ترحل من غزة
  • السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟
  • سلام: لبنان لن يترك أهالي الجنوب وحدهم.. وسنطلق مسار العودة والتعافي المبكر
  • تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
  • رجل أعمال أمريكي يفقد حقيبة مجوهرات بقيمة 1.3 مليون يورو في باريس
  • تصعيد خطير في مضيق هرمز .. هجوم صاروخي أمريكي على جزيرة قشم
  • سلام: الحكومة اللبنانية تعمل على تأمين السكن المؤقت للعائدين إلى الجنوب