السَّرديّة والواقِعة والخِطاب في عالم البيئة
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
السَّرديّة والواقِعة والخِطاب في عالم البيئة
د. أيوب أبودية
زاد الحديث مؤخرا عن السردية، فآثرت أن أجتهد وأميز بين السردية والواقعة والخطاب بأمثلة من البيئة والمناخ، والتي يمكن أن يُقاس عليها في العلوم الاجتماعية، كالسياسة والأدب والاقتصاد والفلسفة والتأريخ وعلم الاجتماع.
السَّرديّة هي القصة المعتمدة التي نُرتّب من خلالها الأحداث والأفكار لنفهم الواقع ونفسّره ونمنحه معنى.
أمثلة لتوضيح الفكرة:
في التأريخ: الحدث التاريخي واحد، لكن السردية تختلف، لذلك تصلنا روايات متعددة؛ فهناك استعمار يُقدَّم في سرديته بوصفه «رسالة حضارية»، وفي سردية مغايرة للمستعمَر يُنظر للاستعمار بوصفه ” قتلا ونهبا وهيمنة”.
في السياسة: معركة واحدة، ولكن قد تُروى كسردية «دفاع عن النفس»، أو كسردية «عدوان واحتلال”.
في الإعلام: إن اختيار الصور، عناوين الأخبار، الكلمات والمجازات والتشبيهات، الضحايا، والمتهمين، … هو بناء لسرديّات مختلفة عن الواقع من أجل التشويق أو لترويج خطاب ما، فمن النادر وجود أخبار محايدة للواقع في عالم الإعلام.
في الأدب: السردية تحدد مَن هو البطل، ومَن هو الشرير، وما المعنى الأخلاقي للحكاية. فهناك ما يُقال وما يُخفى (المستور) والقيم الضمنية وراء القصة. ففي رواية “مزرعة الحيوانات” يصوغ جورج أورويل سردية على لسان الحيوانات تُظهر كيف تبدأ الثورات بشعارات العدالة والمساواة ثم تنتهي إلى نظام قمعي جديد.
ورغم ذلك، فالسردية ليست كذباً بالضرورة، لكنها ليست الحقيقة كاملة؛ إنها طريقة تنظيم الحقيقة لخدمة معنى معيّن وهدف معين. ولكن، ما الفرق بين السردية والخطاب والوقائع؟
السردية هي الإطار العام للفهم الذي يجيب عن المعنى الذي نريد أن نصل إليه، وتمتد عبر الزمن، وتجمع أحداثاً متفرقة في حكاية واحدة متماسكة. وقد تكون واعية أو غير واعية.
فمثلا: القول “إن الإنسان عدوّ الطبيعة” هو سردية بيئية، أي ماذا نروي، ولماذا؟ أما الخطاب، فهو كيف نروي، وبأي لغة؟ كاستخدام عبارات، مثل: “استنزاف الموارد”، فهو أسلوب الكلام والأدوات المستخدمة للتعبير، ويشمل اللغة، المصطلحات، النبرة، الصور، الاستعارات، إلخ.
أما الوقائع فهي أحداث أو أرقام قابلة للرصد والتوثيق، ولا تحمل معنى بذاتها، مثل: تاريخ ما، عدد، نسبة، صورة. لنقدم مثالين من عالم البيئة والمناخ:
“ارتفع معدل درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية”.
“ارتفع معدل النمو الاقتصادي العالمي عام 2024 إلى 3%” .
لذلك نبدأ من الوقائع ونصوغها في خطاب، ومن ثم نسردها بحيث تربط الوقائع ببعضها فتمنحها تفسيرًا. وهنا نختار أي وقائع ينبغي أن تُبرز وأيها تُهمّش. وعندها يمكن للسارد أن يضيف معنى، أو يسكت عن آخر، وأحيانًا يضيف موقفًا أخلاقيًا. ومن هنا تبدأ السرديات في الاختلاف، فمثلا يمكننا وضع أكثر من سردية للواقعة نفسها، كالتالي:
الواقعة: وتيرة النمو الاقتصادي الحالي مرتفعة للغاية.
سردية 1: “النمو الاقتصادي يتطلب ثمناً بيئياً مؤقتاً”.
سردية 2: “النمو الاقتصادي الحالي سيقود إلى انهيار بيئي شامل”.
سردية 3: “وتيرة النمو الاقتصادي الحالي يمكن أن تكون مقبولة بيئياً إذا تم دمج الاستثمار في الطاقة النظيفة لتقليل الأثر البيئي تدريجيًا.”
إذن، الوقائع تقول ما الذي يحدث، والسردية تفسّر وتسعى إلى تأويل ماذا يعني ما حدث، وذلك عبر خطاب لغوي وصفي قصدي وأيديولوجي مدروس.
مثال آخر لواقعة إزالة الغابات باستخدام سرديات متنوعة:
سردية1 : “تحويل الغابات إلى مزارع ضرورة لإطعام العالم”.
سردية 2: “إزالة الغابات جريمة بحق التنوع الحيوي والمناخ” .
سردية 3: “إزالة الغابات ليس جريمة إذا تم إعادة التشجير”.
فالوقائع لا تتكلم لوحدها إنما السرديات هي التي تُنطِقها، والخطاب هو الصوت الذي نسمعه. ولكن، هل السردية يمكنها أن تصبح أسطورة؟
هنا يلتقي مفهوم السردية مع الأسطورة من حيث أن الأسطورة قصة تقليدية أو مقدسة تبدو خارج الزمن، أما السردية فقصة حديثة أو أيديولوجيا مرتبطة بلحظة تاريخية محددة داخل الزمن ومن شأنها أن تبرر موقفا محددا؛ وكلاهما يبني معنى ولا يكتفي بالوقائع.
يُعد مثال ليفي- شتراوس الشهير عن «النيء والمطبوخ» من أبرز النماذج التي استخدمها لشرح طريقته في تحليل الثقافة والرموز والسرديات. ففي كتابه «النيء والمطبوخ» اعتبر أن النيء يرمز إلى الطبيعة (الواقعة)، بينما يرمز المطبوخ إلى الثقافة (السردية).
ثم يأتي ميشيل فوكول يتساءل: مَن يملك حق إنتاج المعنى؟ ولمصلحة مَن؟
الخطاب عند فوكو يُعبّر عنه من خلال منظومة من الخبراء تُنظّم ما يُقال وما يُمنع من قوله، فيتم تحديد ما هو “صحيح”، و”علمي”، و”هامشي”. فالخطاب لا يصف الواقع، بل ينتج معنى لهذا الواقع!
ففي حين يرى شتراوس أن المعنى نابع من بنية العقل، يتوصل ميشيل فوكو إلى أن المعنى نابع من علاقات القوى. فالأسطورة لم تختفِ، بل تحوّلت إلى خطاب علمي، قانوني، سياسي؛ فإذا كانت الأسطورة عند شتراوس تنظّم العالم رمزيًا، فإن الخطاب عند فوكو ينظّمه سياسيًا؛ فالمعرفة ليست نقيض الأسطورة، بل وريثتها الحديثة.
وبناء عليه، فمن الذي يمتلك أدوات إنتاج الخطاب البيئي على صعيد عالمي؟ الدول الكبرى، طبعا. لاحظوا كيف تعثرت اتفاقية باريس 1985 لخفض الانبعاثات بعد انسحاب الولايات المتحدة منها. فالبيئة هنا تتحول إلى مجال سلطة تخلق سياسات وتجمعات، وترصد التمويل، وتضع شروطا دولية، وتضبط سلوك المجتمعات عبر السردية التي تقيمها كإطارعام للمعنى الذي صاغه الخطاب المعاصر عبر أدواته الحديثة المنظّمة المرتبطة بعلاقات القوى بين دول الشمال والجنوب وفي داخلها.
المصدر
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: النمو الاقتصادی
إقرأ أيضاً:
تطورات في عالم آبل.. أول آيفون قابل للطي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
ظهرت تسريبات لصور جديدة لنموذج تجريبي (Dummy Unit) يُعتقد أنه يستند إلى التسريبات الحالية الخاصة بأول هاتف آيفون قابل للطي من شركة “أبل”، ما يمنح المهتمين بالتقنية تصورًا أوضح لشكل الجهاز المنتظر قبل سنوات من إطلاقه الرسمي.
ويُظهر النموذج المسرب جهازًا باللون الأبيض يعتمد تصميمًا قابلًا للطي على غرار الكتاب، وهو النمط نفسه الذي تتبعه معظم الهواتف القابلة للطي الرائدة في السوق حاليًا.
تصميم أكثر انسيابيةأحد أبرز التفاصيل اللافتة في الصور هو اعتماد “أبل”، وفقًا للتسريبات، على حواف وزوايا أكثر نعومة وانسيابية مقارنة بعدد من المنافسين في فئة الهواتف القابلة للطي، بحسب تقرير نشره موقع “Gizmochina”.
كما يبرز تصميم وحدة الكاميرات الخلفية بشكل واضح، حيث تبدو قريبة من لغة التصميم المستخدمة في هاتف آيفون إير وفق الشائعات المتداولة.
ويضم النموذج كاميرتين خلفيتين فقط بدلًا من ثلاث، وهو ما يتماشى مع تقارير سابقة أشارت إلى أن “أبل” قد تركز على تقديم تصميم نحيف وخفيف الوزن بدلًا من زيادة عدد المستشعرات.
ألوان محدودة في البداية
وتشير التسريبات الحالية إلى أن “أبل” قد تعتمد خيارات ألوان محدودة نسبيًا في الجيل الأول من الهاتف القابل للطي.
فاللون الأبيض الظاهر في الصور يتوافق مع الشائعات التي تتحدث عن طرح الجهاز بألوان مثل الفضي ودرجات داكنة أخرى، في حين يُتوقع أن تحصل سلسلة آيفون 18 برو على تنوع لوني أكبر.
شاشة كبيرة ومعالج قويوبحسب المعلومات المتداولة، قد يأتي الهاتف بشاشة خارجية قياسها نحو 5.5 بوصة، إلى جانب شاشة داخلية قابلة للطي يصل حجمها إلى نحو 7.8 بوصة عند فتح الجهاز بالكامل.
كما يُتوقع أن يعتمد على معالج A20 Pro، الذي يُرجح أن يكون من بين أقوى الشرائح التي تطورها “أبل” خلال تلك الفترة.
عودة Touch ID
من أكثر الشائعات إثارة للاهتمام حول الهاتف القابل للطي احتمال عودة تقنية Touch ID.
وتشير بعض التقارير إلى أن “أبل” قد تعتمد مستشعر بصمة مدمجًا في زر الطاقة الجانبي بدلًا من نظام Face ID التقليدي.
ويُعتقد أن ذلك يعود إلى التحديات الهندسية المرتبطة بدمج نظام TrueDepth الخاص بالتعرف على الوجه داخل هيكل قابل للطي فائق النحافة.
وفي حال تحقق ذلك، ستكون هذه أول عودة فعلية لتقنية Touch ID إلى هواتف آيفون الرائدة منذ سنوات طويلة.
مجرد نموذج مبني على التسريبات
ورغم الاهتمام الكبير الذي حظيت به الصور المتداولة، من المهم الإشارة إلى أنها لا تمثل جهازًا رسميًا من “أبل”.
فالنموذج الظاهر عبارة عن تصميم تجريبي مبني على تسريبات غير مؤكدة، بهدف إعطاء تصور تقريبي لشكل الهاتف المتوقع.
وبالتالي، قد يختلف التصميم النهائي بشكل ملحوظ عند الكشف الرسمي، خاصة أن “أبل” لا تزال في مراحل تطوير أول هاتف قابل للطي في تاريخها، وسط توقعات بأن يكون من أبرز الإطلاقات التقنية خلال السنوات المقبلة.