تتجاوز الفكرة هنا البعد السياسي في مفهوم «العصا والجزرة» وهو المفهوم الموصوف بـ«القوة الناعمة» في أدبيات السياسة، وهو الغارق أيضا في تجاذباتها المختلفة، وغير الحامل لتاريخ انتهاء، فهو متجدد بتجدد المطالب، والحوافز، ومتموضع في كل الزوايا، وإذا كانت السياسة حاملة لواءه وبوضوح، فهو غير مخفي عن التجاذبات الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، حيث التنوع والشمولية، وإن كانت الاجتماعية موكول أمرها إلى الفرد أكثر من المجموع، وفي كل هذه التموضعات تكثر التختلات، وانتهاز الفرص، حتى يكاد المفهوم يفقد هويته «العصا والجزرة» وينحصر حول «الجزرة» دون الحاجة إلى العصا في كثير المواقف، وخاصة تلك التي يمارس فيها الخداع، وتمارس فيها السرقة، ومختلف المهادنات التي تتم بين الأفراد على وجه الخصوص، ويأتي مفهوم «ليّ الذراع» معززا لذات الفكرة في مفهومها الشمولي، فالمفهومان كلاهما متفقان على منهج واحد، وهو انتزاع ما لا يمكن انتزاعه سوى بالرضا أو بالعصا؛ مع تقديم حوافز (مادية/ معنوية) للإمعان أكثر في التسلط، والقهر؛ حيث لا مهادنة في تأجيل استلام ما يجب تسلمه.
السؤال: لماذا يتم اللجوء سواء إلى «العصا والجزرة» أو إلى «ليّ الذراع» في تحقيق ما يتحفظ عليه؟ ومتى تكون هذه الممارسات عادة؟ ومن يدفع ثمن الخسارة غالبا؟ والأهم أيضا: لماذا يتم اللجوء إلى ذلك أصلا؛ في ظل مشاريع حوارية قائمة، وكثيرة، ومتنوعة، ووجود مستويات من التكافؤ والتماثل في أشياء كثيرة من مفهوم «الجزرة»؟ أم أن الإنسان لا يجد نفسه في حالة الاستقواء على الآخر إلا بهذه الوسائل القاتلة للإنسانية في مناخاتها المختلفة؟ الغريب في الأمر أن الإنسان ذاته الذي يحارب الاستعباد والتنمر، هو ذاته الذي يمارس ذلك في السر والعلن، مع «سبق الإصرار والترصد»،هل لأن هذه الممارسة ضد الآخر -الذي يتقاسم معه إنسانيته- يعكس حالة الضعف التي يعاني منها الاثنان؟ فيتنمر هذا بما عنده من معززات القوة «الجزرة» ويستسلم الآخر ما يعانيه من ضعف فطري؛ في الأساس: فقر، جهل، ضعف بنية نوعية (ذكر/ أنثى) مستويات وجاهية، مسؤوليات مهنية، معاداة عنصرية؟ كل ذلك وارد، والمفارقة تحدث عندما تتبدل الأحوال، ويصبح القوي ضعيفا، والضعيف قويا، حيث تبدأ مرحلة أخرى، تخرج عن سياقات العصا والجزرة، أو ليّ الذراع، إلى سياقات فرض الأمر الواقع بكل تجريديته، حيث لا مجال للتفاوض هنا، بقدر ما هو فرض القوة والبطش، والتنكيل، بل بكل ما يذهب إلى الاصطدام بالزوايا الحادة، في حالة غريبة وسادية من التشفي المبالغ في تنفيذه، وهذا ما تمارسه القوى المتسلطة على المستوى الدولي، وأقرب مثال اليوم هو ما تمارسه قوى الشر الصهيونية على المستضعفين في فلسطين عموما.
ينقل عن تشي جيفارا -المناضل الأرجنتيني المعروف- قوله: «الحياة لن تقف لتراعي حزنك، إما أن تقف أنت وتكملها رغم انكسارك أو أنك ستبقى طريحا للأبد» -انتهى النص-، وهذا معناه أن تتوفر كل كميات الجزر عندك، حتى لا تضطرك المواقف لأن تكون ضحية لحامل العصا، أو ليّ الذراع، وهذا أمر ليس يسيرا، مع أنه ممكن؛ فمعاناة الشعوب اليوم، على اختلاف مشاربها، ليس لأنها تفتقد حمولات الجزر، بل لأن أنظمتها الفاسدة هي التي توجد حالات كساد لتوفره، وبالتالي تظل رهينة لحامل العصا لأن يفرض شروطه دون حتى أن يغري الطرف الأضعف بوجود جزر أنقى عما يملكه الطرق الأضعف.
لعلني في هذه المناقشة ما أذهب إليه أكثر هو البعد الاجتماعي على مستوى الفرد، وذلك بأن نتيح مساحات شاسعة لنمو الجزر، ونتبادله فيما بيننا بدلا من أن نجعل الآخر يخرج عصاه من غمدها فيضعنا بين خيارين إما الجزرة أو العصا، مهما كانت الظروف، كما علينا أن نوسع مساحة الأمان الممتدة بيننا، والتي تزعج الآخر؛ الذي تقلقه هذه المساحات، ويقينا هناك متسع أكبر على امتداد خارطة حالتنا الإنسانية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: العصا والجزرة
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.