إيران والتشيُّع.. أساطير وخرافات (3-4)
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
لم يكُن الانقلاب العسكري، الذي أطاح بحكم آل قاجار في إيران (سنة 1921م)، وحمل رضا خان -قائد لواء القوزاق الفارسي- إلى الحكم، مُتخذا لقب "بهلوي" لنفسه، ومؤسسا لحكم أسرة جديدة -سيقتصر سلطانها عليه هو وابنه- مُجرَّد انقلابٍ طامعٍ في السلطة، وإنما أُريد به أن يكون سدّا في وجه التقاليد الدينيَّة، والعلماء الذين يحملونها؛ حتى يسمح لآليات التحديث بالعمل، ويفتح خزائن الموارِد والأسواق للأجانب، الذين تضرَّروا أشد الضرر من تنامي نفوذ العلماء، وإفشالهم العملي للامتيازات التي عقدها آل قاجار بعد امتياز التبغ المجهَض.
لم تكُن إشكاليَّة آل قاجار في أنهم "ديمقراطيين" يسمعون لرعيتهم، وإنما في كونهم مُستبدين ضعفاء؛ يفتقرون إلى الحد الأدنى من المقدرة التسلُّطية على الجماهير ومن كفاءة السيطرة على الإقليم، خصوصا في ظل وجود العلماء؛ بوصفهم جماعة وسيطة قوية وواعية وفعَّالة. أضف إلى ذلك، افتقار آل قاجار -مثلهم مثل أي ملكية جبرية قبل بدء التحديث- إلى أي من الوسائل والأدوات الإعلامية والقمعيَّة والتسلُّطية، التي جاء بها التحديث، إذ كانوا أشد الناس تخوفا من تبعاته؛ لأنه سيفتح -ولو بصورة غير مباشرة- أبواب التعليم والوعي والحركة للجماهير، ويجعلها أشد جرأة على حكامها. وقد كان جُرح الثورة الدستوريَّة لا يزال رطبا في ذاكرتهم.
والعجيب أن الخبرة التاريخيَّة قد أثبتت صدق حدس آل قاجار بخصوص التحديث، إذ رغم عُنف وراديكاليَّة الإجراءات، التي اتخذها رضا خان -تقليدا لقدوته ومثله الأعلى مصطفى كمال أتاتورك- مثل: إكراه النساء على خلع الحجاب، والاعتداء على العلماء والمساجد، ومحاولة "تنقية" اللغة الفارسية من المفردات العربية.. إلخ؛ فإن بيئة التحديث لم تكن تسير دوما عكس اتجاه الدين، إذ كان المتدينون -وعلى رأسهم العلماء أصحاب النفوذ المتغلغل- ممن أفادوا من الأدوات الحديثة، سواء في بلورة رسالتهم أو إبلاغها.
وبقطع النظر عن أثر ذلك على الرسالة، أو الرموز، أو حتى على أصالة المحتوى، الذي أسهمت الأدوات الجديدة أحيانا في تفريغه واستملاكه؛ فقد لعب التحديث دورا مهما، أولا في تمكين شبكة الدعم العلمائي التي بناها بروجردي في صمت لتُغطي إيران، وهي الشبكة التي حملت انتفاضة خُرداد التي دشنها الإمام الخميني، وكانت بمثابة "التجربة" العمليَّة للثورة التي ستتأخر أقل من عقدين آخرين. وكما كانت الثورة الدستوريَّة هي "ثورة التلغراف"، صارت الثورة الإسلامية "ثورة الكاسيت"؛ التي أُضرِمَت بخُطَب الإمام الخميني الناريَّة، المسجَّلة عبر الهاتف؛ لتوزَّع في كافة أنحاء إيران. أما المفارقة الأخرى الأغرب، فهي أن انقلاب بهلوي على آل قاجار قد تزامن مع إحياء الشيخ حائري للحوزة العلمية في قم، التي سيُقوض جمهرة طُلَّابها حكم آل بهلوي نفسه؛ بعد ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن! وقد كان ثاني ما أفاده المتدينون من التحديث؛ هو ظهور طبقة من المثقفين الحداثيين المتدينين -أمثال جلال آل أحمد ومهدي بازركان وعلي شريعتي- الذين أعادوا صياغة رسالتهم؛ لتسمح بتشكُّل قاعدة اجتماعيَّة جديدة من الطبقات الحضريَّة الجديدة، والتي كان يُفترض بها أن تدين بالولاء "الحصري" لمن فتح أمامها أبواب الجامعات والحياة الثقافية على النمط الغربي.
وبقدر ما كانت علمنة نظام آل بهلوي تعمل في إطار أيديولوجية قوميَّة علمانيَّة إقصائيَّة، كانت علمنة الحوزة والمؤسسة الدينية -بل والمثقفين المتدينين- نتيجة تلقائية وحتمية للعمل والحركة -بغير وعي- في إطار هذه العمليَّة من العلمنة الاجتماعيَّة، ولو بغير أيديولوجية علمانيَّة؛ وإنما بأيديولوجية إسلاميَّة تتشابه بنيويّا مع أيديولوجية النظام. فقد كانت صياغة المفكرين المتدينين الأيديولوجية للإسلام -في حد ذاتها- علمنة كامنة، تُغير طبيعة المركَّب، إلى الحد الذي سيترك أثره -غير الواعي- على كثير من علماء الحوزة، الذين أعجبهم الطرح الحركي الصراعي الجديد ولم يُدرك أكثرهم إشكالاته.
بيد أن إيران التي لم تتعرَّض لتجربة كولونيالية حقيقيَّة -وإن ظلَّت منطقة نفوذ يتنازعها الروس والبريطانيون- وتعثَّرت فيها أكثر محاولات التحديث قبل بهلوي، بل وتوقَّف فيها التحديث البهلوي "المعادي للدين" عند حدٍّ معيَّن، ولم يستطع قط تجاوزه بسبب وجود العلماء؛ قد حافظت بهذه العُزلة النسبيَّة على جمهرة تقاليدها الفكريَّة، خصوصا عبر طبقة العلماء في عمومها، والتي لم تكُن -رغم ذلك- على قلب رجل واحد أبدا، سواء في قبول التحديث وآلياته، أو حتى في قبولها تأسيس دولة نيابة عن الإمام الغائب. وقد أفضى انتصار الثورة "الإسلاميَّة" -بقيادة علماء الحوزة- إلى حصار إيران وتشديد قيود العُزلة (وتغذية كثير من تقاليدها كذلك!)، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مُعدلات علمنة مُريعة؛ أعلى كثيرا من الحقبة البهلويَّة، بما أنها علمنة اجتماعيَّة ومعرفيَّة صامتة، تجري بغير أيديولوجية علمانيَّة صريحة (من أهم مؤشرات العلمنة الكامنة؛ أن أكثر من 60 في المئة من طلبة الجامعات من الإناث، وهن يفقن الذكور كذلك في دراسة التخصُّصات التقنية والعلوم الطبيعية/ المادية).
بيد أن العلمنة في إيران ظلَّت وستظل -رغم شدَّة توحُّشها اجتماعيّا في بعض القطاعات- فعلا يحكمه إطار "خفي" وراسخ من التقاليد الفكرية والثقافية الحيَّة -والمهيمنة- والتي يُمكن الرجوع إليها. ومهما بلغ حجم تقويضها للمقدَّسات -سواء الزائفة أو الحقيقية- بوصفها أهم عمليات العلمنة، وأولى مراحلها؛ فإن المجتمع الإيراني يظلُّ محتفظا -في وعيه الجمعي، وحركته اليومية، بل وأدبياته- بصورة حيَّة للتقاليد الاجتماعيَّة والثقافيَّة السابقة على التحديث/ العلمنة، وإن همَّشها تهميشا آنيّا وأخرجها من بؤرة الفعل؛ إذ أن نزوعه القومي وشوفينيته تجعله يحتفظ بهذه القيم -ولو منفصلة عن مصادرها الأصليَّة- بوصفها المكون الأهم في هويته، التي لا يُمكن أن يختلف الملحدون الإيرانيون مع المتدينين أبدا في وجوب الحفاظ عليها.
وقد أشار حميد عنايت رحمه الله -في كتابه: "الفكر السياسي الإسلامي الحديث"- إلى أن هذه العلمنة قد طالَت ما يُمكن عدُّه "الخصائص الكامنة" للتشيُّّع، وهي خصائصه المميزة المسكوت عنها (النخبويَّة، والباطنيَّة، والعاطفيَّة، والتاريخانيَّة، والمثاليَّة، والنظرة المتشائمة للطبيعة الإنسانيَّة، والفتور السياسي)، رغم كونها سبب خلافه مع أهل السنة؛ لا أصول المذهب نفسها. وبهذا، يُمكن اعتبار قدر كبير من هذه العلمنة، خصوصا الواعي منها؛ "تجديدا أصوليّا" مُتسقا مع أصول المذهب، وليست نقضا له. بل على العكس، إذ مثَّل هذا "التجديد" إعادة تموضع للمذهب في السياق الحديث بعد إسباغ قدرٍ من "العقلنة الكلامية" عليه. وذلك بعكس "التجديد" السُّني، الذي تجري محاولاته خارج إطار تقاليدنا الفكرية والثقافية، التي حطمتها النيوسلفيَّة-الوهابيَّة وحركاتها "الإصلاحية". ولهذا، يؤدي "التجديد السني" مباشرة -وفي أي سياق- إلى علمنة نظريَّة بعد علمنته للواقِع، وإلى علمنة للتصورات بعد علمنته للسلوك. أما التجديد الشيعي؛ فلم يكُن هو نفسه الذي زاد مُعدلات العلمنة، بل كان تسكينه داخل الإطار الحداثي، وهيمنة هذا الإطار عليه (في صورة الدولة القومية الحديثة وآلياتها)؛ هو ما أدى إلى تلك العلمنة، التي صارت -هي الأخرى- علمنة للتصورات والسلوك على التوازي. ولعلَّ أهم الفوارق بين الحالتين، هو عينه البرهان على ما نذهب إليه؛ إذ إن التقليد الشيعي-الإيراني ما زال محتفظا بوجوده وقدراته، وأدواته الكلاميَّة؛ قادرا على تفكيك الواقع المستجد بوعي داخل إطار مقولات المذهب الخاصَّة، ثم مواجهته بأدواته (بعكس التقليد السُّني، الذي تم تجريده من كل أدواته؛ فصار يواجه الواقع والحداثة عاريا)، وهو فرعٌ لطبيعة تجربة إيران نفسها مع الحداثة، وضآلة حجم التجريف الثقافي فيها مقارنة بالتجريف المهول الذي وقع في مصر مثلا.
وبناء عليه، يتجلى الفارق بين العلمنتين. فإن العلمنة التي يُمارسها النظام السياسي، تتغيّر وجهتها بتغيُّر طبيعته؛ فهي في مصر موجَّهة إلى تقويض ما يُسمى بـ"المجتمع المدني"، والجماعات الوسيطة، مع عدم المساس كثيرا بالحريات الشخصية. إذ إن النظام المصري لا يخشى التدهور الأخلاقي الفردي، بقدر ما يخشى أي صورة من صور الفعالية الاجتماعية، التي يستشعر التهديد بسببها، ولو كانت ستؤدي عنه بعض مهامه، تخفيفا للاحتقان المجتمعي؛ لتصب في إطالة أجله! في حين أن العلمنة في إيران موجَّهة بالأساس إلى تقويض الحريات الفرديَّة، وذلك في ظل مجتمع يُظهر قدرا استثنائيّا من الفعالية الاجتماعية. وهو ما يُبرز الفارِق بين طبيعة النظامين السياسيين: فالفارق كبير بين نظام عسكري جاهل يخشى الكلمة المكتوبة، ونظام مذهبي مؤدلج بُني على السجال وقوة الكلمة المكتوبة، فإن الأول يرفض وجودها مُطلقا لأنه لا يستطيع التعاطي معها، بينما الثاني يعرف دورها وقوتها ويُريد توظيفها لمصحلته. وفي مصر، لا تُريد السلطة مُجتمعا إلا القُشلاق العسكري؛ إذ تريد شظايا فردية معزولة، يُمكنها التلاعب بها عن طريق تيسير شهواتها الدنيا. وفي إيران، لا تُريد الدولة أفرادا خارجين على "المجتمع المفترض"؛ الذي ما زالت قادرة على صياغة شفراته، وتوجيهه بالدين والمذهب والأيديولوجيا؛ تعدَّدت الأسباب والإثم واحد.
* * *
لهذا، مثَّلت "الثورة الإسلامية" مُزاحمة لشرعية "الإسلام الليبرالي" ذي الدثار السلفي-الوهابي، والذي كان الأمريكان وحلفائهم قد شرعوا برفع قواعده -بتمويلٍ من السعوديين!- في مصر وتركيا وباكستان وماليزيا.. إلخ، وتولى كبر التنظير له -لاحقا- المعهد العالمي للفكر الإسلامي بإدارة تنظيم الإخوان المسلمين.
ومن أدرك أن صراع الأنظمة السياسية -في ديار الإسلام- صراع "تأويلي"، ويُعَدُّ في جوهره امتداد للصراع التأويلي الذي بدأ بالفتنة الكبرى، مرورا بتشقيق الكلام في الإمامة، وظهور الفرق التي تتصارع في سبيل تأصيل الشرعيَّة السياسيَّة؛ أدرك لِمَ مثَّلت الثورة الإيرانية تهديدا لشرعية السادات، وآل سعود، وضياء الحق، وتورغوت أوزال، ومن شابههم؛ خصوصا حين أعلنت عداءها لـ"الشيطان الأكبر" الذي ارتمى الجميع في أحضانه، ووقفت موقف العداء من التطبيع الصهيوني الذي رعاه في كامب ديفيد. ولهذا أيضا، كان موقف أنظمة "الأسلمة" السياسية كافَّة شديد المحاباة لشاه إيران الملحد (صديق إسرائيل)؛ لأنه لم يكن يُزاحمها على "الشرعية الإسلامية". وشهدنا الإعلام المصري -خصوصا- يواجه إعلام الثورة الإيرانية مُعترضا على تسييس الدين وتوظيفه، لا لأنه مُعارِضٌ للمبدأ في ذاته، وإنما لأن ما تطرحه الثورة كان يُحطم السقف الذي يريد "الإسلام الليبرالي/ العلماني" الوقوف عنده.
وعليه، جرى تداول اصطلاح: "تصدير الثورة" -عربيّا- بوصفه وصمة ولعنة، وغزوا وتدخُّلا في الشؤون الداخلية للغير.. إلخ. ولم يكن تأصيل هذا اللغو الإعلامي ممكنا، بغير الحملة على المذهب الشيعي الاثني عشري نفسه، ونسبة كافَّة صور الغلو إليه. فقد آل الصراع بين آية الله الخميني والسادات -ومن ورائه السعودية- إلى صراع على تمثيل الإسلام؛ لأن الخلاف المذهبي لا يُسوغ ما تمخَّض عنه حصار إيران، والعدوان عليها؛ فإن التشيُّع لم يظهر في إيران مع الثورة وإنما كان التأويل الحركي الجديد للثورة؛ هو الكاسحة التي خشيتها الأنظمة الصديقة للأمريكان. ولعلَّ الملمح الكوميدي في الأمر، أن جمهرة المصريين -المحبين لآل البيت فطرة- لم يكونوا يعرفون بتسنُّنهم، حتى بدأ الإعلام يلعن تشيُّع إيران؛ بل الأنكى أن الغالبية لم تكن تستطيع التمييز بين الشيعي والشيوعي! وهو ما استغلَّه الإعلام أسوأ استغلال، حين وظَّف مصادر سُنيَّة سجالية، واعتمد آراء كتب الفِرق والمذاهب التراثية، وأفسح المجال لمعمَّمين لا يعرفون عن إيران والتشيُّع إلا ما طالعوه في كتبٍ تجاوزها الواقع.
وحين اقتحم طُلاب "خط الإمام" السفارة الأمريكية في طهران، واتخذوا موظفيها رهائن؛ اعتبرت الصحافة القوميَّة المصريَّة التشيُّع مسؤولا عن "جريمة" النظام الثوري، والتعدي على "المعاهدين"، ثم وظَّفت الفروق المذهبيَّة؛ لتُثبت أن "الخمينية" بدعة ليست من الإسلام! وهو ما فعلته أبواق المعمَّمين المصريين لاحقا مع الوهابيَّة؛ حين أُذن لها! وقد كانت أداة هؤلاء المعمَّمين -دوما- في بيان الفروق المذهبيَّة؛ لا المقارنة بين التسنُّن والتشيُّع الاثني عشري، وإنما المقارنة بين التسنُّن وفرق الغُلاة الشيعيَّة المنقَرِضة. ومن المثير للسخرية أن مجلَّة "روز اليوسف" الملحِدَة، والمشهورة بكونها مدرسة الصحافيين والمحررين المعادين للإسلام؛ كانت أحد أهم المدافعين عن التسنُّن في مواجهة التشيُّع، حتى وصفت الإمام الخميني في كاريكاتير على صفحتها الأولى (يوم 4 شباط/ فبراير 1980م) بأنه: "جاهلي"!
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء إيران الثورة الخميني إيران ثورة علمانية تشيع الخميني قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی إیران فی مصر
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.