من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
ذات الشعر الخمري تألقت من وراء الزجاج عندما وَضَعْتُ القبعة على رأسِها وعلقت المظلة بذراعِها، وألبست يمناها فردة القفاز. أتذكر أنني عثرت على تلك الأشياء في أحد الصباحات على رصيف مترو الأنفاق بمحطة "العتبة"
ـ مين إللي نسي الحاجات دي؟
ـ برنيطة حريمي، بتاعة مين؟
ـ فردة جاونت وشمسية، مين صاحبتهم؟
كنت أنادي دون أن يلتفت إلى أحد، كأن تلك الأشياء نبتت وحدها في ذلك المكان. حدثت نفسي بأنها لا تليق إلا بصاحبة الشعر الخمري، تلك التي تتأهب في وقفتها المثالية داخل فاترينة الزجاج لرقصة شرسة مع موسيقي ديسكو ترجرج كل شيء.
فكرت وأنا على رصيف القطار أن أضع القبعة على رأس صبية ابنة ست سنوات، لكنني خفت أن تتحول إلى فتاة يافعة تختلس نظرات سريعة لشابٍ أسمر يتصفح شاشة تليفونه المحمول، ينظر بكل وقاحة إليها، يترتب على ذلك أن تتوه عنها أمها في زحام الأرصفة وحضور القطارات.
كل من أعرفهم ومن لا أعرفهم أوقفوني في طريق عودتي إلى البيت سائلين عما أحمله، إجابتي كانت غامضة ومستفزة، مرة أقول: سائحة هولندية، لعلي تخيلت أن القبعة انفلتت من يدي وحطت على رأس فتاة وهمية، شقراء ولها طلعة ندية، كذلك تعلقت المظلة بذراعها الوهمي، ودخل القفاز بكف يدها الوهمية.
ومرة أخري أقول: مهرة عربية أصيلة، لعلي أيضا تخيلت أن السائحة الهولندية تحولت لمهرة ترمح في البراري، وأنا فارس أسدد حِرَابي، ألوح بسيفي، أقرض الشعر للبنات الفاتنات الرائحات الغاديات بالمروج الخضراء.
ومرة ثالثة تطل على السائحة الهولندية بهيئة "إليزابيث تايلور" في فيلم "نساء صغيرات"، أو فيلم "الفتاة التي تملك كل شيء" أو فيلم "مكان في الشمس"، فيما كنت أدعوها لجلسة طيبة ومشرب دافيء في كافيه "الأصدقاء"
كعادتها ذات الشعر الخمري في محل "وي مدام" دون صاحبات الشعر الأحمر، والأخضر، والأسمر تتمتع بيقظة كاملة. ابتسامة خافتة كانت ترف على شفتيها، تحولت مع القبعة والمظلة والقفاز إلى ملكة حقيقية لها شَمْخَة وإطلالة الملكة فيكتوريا، أو الملكة كاترين، أو الملكة إيزابيلا. خلعت القفاز عن يمناها، غادرت مكانها تلوح للعاملين بالمكان وهم يتطوحون مع شراسة الموسيقي.
قائد الخيالة بالخارج مع كتيبته بانتظارها، السائس في زيه الأنيق يمسك بلجام الحصان. لعلها كانت تفضل الذهاب إلى البسطاء من شعبها: عمال المناجم، والفلاحون في حقولهم البعيدة يقطفون ثمار الزرع، العجائز والمحتاجين. تؤجل الذهاب لمباشرة مشاريع المملكة الكبرى وهي تحط في استراحتها الملكية، وقبل أن تتحقق رشاقتها بقفزة على صهوة الحصان خلعت القفاز والقبعة، طوحت بالمظلة، ولا أعرف لِمَ كانت آهتها ملتاعة. وجدتها عادت سيرتها الأولي عندما كانت تسكن البيت الزجاجي لمحل "وي مدام" للملابس الحريمي. تفكك الذراعان، انفرطا إلى جانب، والرأس سقط تحت القدمين، فيما انطلق القدمان يركضان وسمعت الصرخة تأتي من بعيد.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: عبدالعزيز دياب إبداعات الشباب
إقرأ أيضاً:
روبيو يؤكد موافقة إيران على بحث ملفات نووية كانت ترفضها سابقاً
أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن إيران وافقت على التفاوض بشأن جوانب من برنامجها النووي كانت ترفض سابقاً مناقشتها، لكنه شدد على أن ذلك لا يضمن التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وأوضح روبيو، خلال تصريحات أدلى بها أمام مشرعين أمريكيين الثلاثاء، أن هناك احتمالاً بأن تكون طهران قد أبدت استعداداً لبحث ملفات ضمن برنامجها النووي كانت تستبعدها من المفاوضات في السابق.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع إيران، مشيراً إلى أن ما وصفه بـ"الدرع التقليدي" الإيراني تعرض لتآكل كبير، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز".
وأضاف روبيو أن إيران لا تزال تمتلك عدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة، رغم الضغوط والعمليات العسكرية التي استهدفت قدراتها خلال الفترة الماضية.