جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@20:02:42 GMT

ريادة الأعمال.. منهج تفكير وصناعة أثر

تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT

ريادة الأعمال.. منهج تفكير وصناعة أثر

 

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **

في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، أصبحت ريادة الأعمال أكثر من مجرد مهارة اقتصادية؛ إنها فن تحويل الفكرة إلى قيمة، وبوابة لخلق فرص جديدة، وتشكيل نماذج أعمال مبتكرة قادرة على صنع فارق في المجتمع. غير أنّ هذا المفهوم الذي بات يشكّل عماد الاقتصادات الحديثة، ما زال- للأسف- يُنظر إليه في قاعات الدراسة بنظرة أقل بكثير من أهميته الحقيقية.

بصفتي مدرسًا درس مقرر ريادة الأعمال في عدد من مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة، وهو مقرر إجباري لجميع الطلبة مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عُمان، لاحظت نمطًا متكررًا؛ حيث يتعامل كثير من الطلبة مع المقرر باعتباره "متطلبًا دراسيًا" لا أكثر، مادة ينبغي إنهاؤها فحسب لاستيفاء الساعات والانتقال إلى المرحلة التالية. هذا التعامل السطحي يحجب عنهم أحد أهم الدروس التي يمكن أن تمنحها الحياة الأكاديمية وهو الإيمان بالقدرة على ابتكار شيء جديد، قابل للنمو، ومفيد للناس، ويخلق مصدرًا للدخل.

الأمر الأكثر لفتًا للانتباه أن معظم الطلبة يقلّلون من قيمة أفكارهم، ويعتقدون- دون مبرر حقيقي- أن الابتكار حكر على فئة معينة من البشر؛ حيث نراهم يترددون في طرح أفكارهم، ويترددون أكثر في الدفاع عنها أو تطويرها، وكأن الريادة مهارة خارقة لا يجدر بهم الاقتراب منها. بينما الحقيقة أن كل مشروع عالمي مؤثر بدأ بفكرة بسيطة على ورقة، وبشخص آمن بقدرته قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل أبرز الأمثلة على قوة الأفكار البسيطة، مشروع "Airbnb" الذي بدأ عندما فكّر شابان في تأجير مساحة إضافية في منزلهما لزوّار إحدى المؤتمرات. فكرة تبدو في غاية التواضع، لكنها تحولت إلى منصة عالمية تربط بين ملايين المضيفين والضيوف، وتغير شكل قطاع الضيافة بالكامل. كذلك الحال مع تطبيق "Uber"، التي انطلقت من مفهوم بسيط: استخدام الهاتف الذكي لربط الركاب بالسائقين. نموذج بسيط في فكرته، لكنه أحدث ثورة في قطاع النقل وجعل خدمات المشاوير أكثر سهولة وابتكارًا وانتشارًا حول العالم. هذان المثالان وحدهما يبرهنان أن أثر الفكرة لا يقاس بحجمها عند البداية، وإنما بصدق الإيمان بها والجرأة على تنفيذها.

جزءٌ من المشكلة التي نراها داخل القاعات الدراسية يعود إلى الفهم التقليدي لريادة الأعمال؛ فكثير من الطلبة يربطونها بالربح المالي السريع أو بتأسيس مشروع ضخم، بينما جوهر الريادة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بتحديد مشكلة يواجهها الناس، وبحث حلول جديدة لها، وصياغة نموذج يقدّم أثرًا اجتماعيًا واقتصاديًا مستدامًا. الريادة قد تبدأ بفكرة تخدم المجتمع، أو تحسّن تجربة يومية بسيطة، أو تعالج تحديًا بيئيًا أو صحيًا. هذه الأفكار الصغيرة في ظاهرها، تحمل إمكانات ضخمة إن وجدت العقل الذي يقدّرها ويضعها موضع التنفيذ.

إنّ ما يحتاجه الطلبة ليس حفظ مصطلحات المقرر، بل نقلة في طريقة التفكير؛ من حيث الجرأة على طرح الأسئلة، الثقة في القدرات الذاتية، وتبنّي ثقافة التجريب وخوض التحدي؛ فالابتكار لا ينشأ في بيئة تخشى الخطأ وتتهيب من المخاطرة، بل في بيئة تحتضن المحاولة وتقدّر التعلم من التجربة.

السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو قامت الجامعات والكليات، الحكومية منها والخاصة، بتبنّي الشركات الطلابية ذات الأفكار المبتكرة والاستثنائية، وتحويلها من مجرد مفاهيم تُناقش في قاعات الدرس إلى مشاريع حقيقية تُنفَّذ على أرض الواقع؟

إن هذه الخطوة لن تسهم فقط في توفير استدامة مالية لهذه المؤسسات التعليمية، بل ستُرسّخ أيضًا مكانتها كبيئة حاضنة للابتكار والإبداع. كما أنها ستمنح بقية الطلبة دافعًا قويًا للإيمان بأن أفكارهم قادرة على أن ترى النور وتتحول إلى مشاريع ملموسة ذات أثر مجتمعي واقتصادي.

وفي الختام.. يجب التأكيد على أن ريادة الأعمال ليست امتيازًا محصورًا في أصحاب الخبرات والعقول النادرة؛ بل فرصة متاحة لكل طالب يحمل فكرة ورغبة في تحويلها إلى واقع. ومع اتساع دور الجهات المسؤولة عن تمويل واحتضان المشاريع الناشئة في السلطنة وحرصها على دعم رواد الأعمال، يبقى على الطالب خطوة واحدة فقط وهي أن يؤمن بأن فكرته تستحق أن تُمنح فرصة للظهور والتجربة.

** باحث أكاديمي

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • "التعليم" تُوقع برنامج تعاون مع "العمانية للنطاق العريض" لدعم مبادرة البرنامج الصيفي
  • بحث تعزيز التعاون الصناعي والاستثماري بين عُمان وبيلاروس
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟