من الوادي إلى الخليج.. الحبيب زين ربّان الشعر الحميني
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
زين الحداد
في العصور السابقة، شكّلت الشخصيات الدينية دورًا كبيرًا في استقرار البلدان والأقاليم التي عاشت فيها؛ فلم يقتصر دورها على حدود المساجد وأداء العبادات، بل امتد ليشمل معالجة الفتن، والتوجيه الاجتماعي، والحفاظ على الهوية والقيم المجتمعية.
اتسمت علاقة الحكام بالعلماء بطابع استثنائي وتوافقي أسهم في تحقيق توازن دقيق في إصلاح المجتمعات واستقرارها.
(الصير)
كانت الجزيرة الحمراء بالصير، المعروفة بجزيرة الزعاب، والتي ازدهرت فيها مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ والتجارة البحرية، مستقرَّ الحبيب زين في القرن الثاني عشر الهجري بعد هجرته من حضرموت إلى العراق. ولم يُقم في العراق طويلًا، فكانت منطقة الصير محطته الأخيرة، حيث دُفن فيها عام 1157هـ.
(علاقات مميزة)
كانت للحبيب زين علاقة متينة وموثقة مع إمام عُمان سيف بن سلطان اليعربي؛ فقد كان الإمام يكرمه ويقصده للزيارة في منطقة الصير. وللحبيب زين أبيات في مدح الإمام يقول فيها:
في ظل سيف النصر بن سلطان تاج الافتخار
اليعربي نسل الأئمة والصناديد الكبار
الفارس الليث الهزبر الصبر دبوس المغار
محلى سروج الخيل ذي طلحت عجاجات المغار
أمنت عمان به ودانت بطوع وافتخار
إمامها مقدامها معه حيث استدار.
وكان للحبيب زين أيضًا علاقة روحية قوية مع الشيخ رحمة بن مطر القاسمي، شيخ القواسم، حيث جمعت بينهما روابط الاحترام والتقدير المتبادل. وكان الشيخ رحمة يرى في الحبيب زين الولاية والصلاح، ويعتقد باستجابة دعائه. وقد تعرّض الشيخ رحمة خلال أحد أسفاره إلى فارس للحبس، فأنشد حينها أبياتًا يقول فيها:
من آل باعلوي غِنى في المضيق
يدعو على الشدة وبه تنجلي
فردّ عليه الحبيب زين بقصيدة كان أهل الصير يرددونها وقت الشدة، وسُمّيت بـ”المنفرجة”، ويبدأ مطلعها:
بوصقر يا نعم الصديق الوثيق
هو الأخ والصاحب الأوّلي.
وأما الشيخ جباره بن ياسر النصوري، حاكم جزيرة البحرين في ذلك الوقت، فقد كان يكنّ للحبيب زين احترامًا كبيرًا. وقد أهداه الحبيب زين قميصًا يلبسه في الحرب، ودعا له أن يحفظه الله وألا يخترقه الرصاص.
(الشعر الحميني)
أما على الصعيد الثقافي، فقد تميز الحبيب زين بقصائده التي لامست قلوب الناس لقربها اللغوي وسهولة فهمها، فعبرت البحار والمحيطات على ألسنة صيادي السفن والتجار، واشتهرت بشعار “يقول خو علوي”. وظلّت هذه القصائد تتردد على ألسنة فناني الصوت والنهّامين في الخليج إلى يومنا هذا. وفي عام 2021 صدرت الطبعة الأولى لديوانه بعنوان “ديوان خو علوي” عن مركز تريم للدراسات والنشر.
وفي أثناء تواجده في ظفار عام 1133هـ، قال قصيدته الشهيرة التي رثى فيها والده عقب تلقيه نبأ وفاته؛ حيث قال:
البارحة حرك القلب الملان
سجوع قمري على البانه ينوح
أجرى دموعي كما طش المزان
وشب في باطني نار اللفوح
وقد انتشرت هذه القصيدة انتشارًا واسعًا، وتغنّى بها فنانو الصوت في الخليج، لتصبح شاهدًا على تجربته الشعورية في رحلته الطويلة التي بدأت من حضرموت، مرورًا بظفار والأحساء والبصرة، قبل أن يستقر به المقام أخيرًا في الصير.
استمر تأثير الحبيب زين في المنطقة فترةً من الزمن، وكانت مساجد رأس الخيمة تردد أوراد الإمام الحداد يوميًا، متعلّقةً بتعاليمه ونهجه. أما في ظفار، فما زالت أشعار الحبيب زين تتردد في المناسبات الاجتماعية ضمن أغاني فن الشرح بشعارها المألوف: “يقول خو علوي”.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !
جاءت الحرب أولا، ثم جاء الحصار، والآن يأتي نقص الإمدادات؛ فالناقلات المملوءة بالسلع الأساسية كالنفط والغاز الطبيعي المسال واليوريا والمنتجات البترولية المكررة والهيدروجين والهليوم وغير ذلك لم تبحر عبر مضيق هرمز منذ نهاية فبراير. وتلك التي غادرت قبل الإغلاق وصلت في معظمها إلى مقاصدها.
من الآن فصاعدا ستتزايد الحاجة إلى الشحنات التي لم تغادر. ومع السحب من المخزونات كذلك سننتقل إلى مرحلة نقص مادِّي في السلع.
قبل الآن كان نقص هذه السلع متخيَّلا في معظمه، لكنه سيصبح حقيقيا الآن، وستجب إدارته في نهاية المطاف بكبح الطلب. وسيتطلب هذا الأخير بدوره نوعا من الاقتران بين الترشيد والركود. ويمكن أن يحققهما كليهما مزيج من ارتفاع الأسعار وتشديد السياسة النقدية. وكلما طال إغلاق المضيق وازداد الضرر المادي طال النقص وتفاقم أثره.
هذا باختصار ما جادل بشأنه نك بتلر نائب الرئيس السابق للاستراتيجية وتطوير السياسات بمجموعة برتيش بتروليوم والباحث بجامعة كينجز كوليدج لندن في تدوينة على منصة سابستاك بعنوان «نهاية البداية». أدناه إذن بعض العناصر الرئيسية لهذه الحكاية المثيرة للقلق.
أولا: المشكلات التي يواجهها العالم ليست نتيجة للإغلاق الفعلي للمضيق فقط . فاستهداف البنية التحتية بواسطة إيران أساسا والذي كان متوقعا، كما الإغلاق نفسه، تسبب في ضرر كبير. حسب بتلر «خرجت على الأقل ثماني مصافي خليجية رئيسية عن الخدمة جزئيا أو كليا. وأيضا منشأة رأس لفان في قطر». وليس معلوما حتى الآن المدة التي سيستغرقها إصلاح الدمار.
ثانيا: وكما توضح نشرة «كراك ذِ ماركت» على منصة سابستاك يجب عدم اعتبار النقص مقتصرا على النفط الخام وحده؛ فهو سيؤثر بشكل متفاوت على توافر منتجات نفطية محددة؛ لأن المصافي مصممة للتعامل مع أنواع معينة من الخام.
لا تقتصر منطقة الخليج على إنتاج أنواع محددة من النفط؛ فهي أيضا وكما جاء في النشرة المذكورة «كانت تصدر 3.3 مليون برميل في اليوم من المنتجات المكررة و1.5 مليون برميل في اليوم من الغاز البترولي السائل. هذه أنواع وقود جاهز للاستهلاك كالديزل ووقود الطائرات والنافتا والبنزين، وكانت تنساب مباشرة في سلاسل توريد المستهلكين الآسيويين والأوروبيين».خسارة صادرات أنواع معينة من النفط والمنتجات المكررة يعني أن استبدالها ليس يسيرا. وكما ذكر بتلر في تدوينته النقص الرئيسي يتركز الآن في وقود الطائرات والديزل. وبالنظر إلى هذه الحقائق المرتبطة بالمنتجات المحددة لا تبدو الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا في النفط. نعم هي مصدِّر صافٍ له، لكنها -كما يجادل خبير السوق شارلي جارسيا- مستورد كبير للنفط أيضا؛ فمصافيها تحتاج إلى أنواع الخام التي تستطيع تكريرها.
ثالثا: يقلل السحبُ السريع من المخزونات النفطية تأثيرَ ذلك حتى الآن، لكنها بالضرورة قابلة للنفاد. ومن الصعب التوسع في الإنتاج خارج الخليج أو تغيير مسار نقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز حتى في الأجل المتوسط.
وهكذا فإن معظم السعة الاحتياطية لإنتاج النفط في العالم توجد في منطقة الخليج نفسه. وتأتي روسيا في المرتبة التالية، لكن بخلاف المصاعب السياسية الواضحة؛ قدرة روسيا الإنتاجية محدودة. أيضا سعة خطوط الأنابيب السعودية المتجهة إلى البحر الأحمر والعمانية إلى رأس مركز محدودة، ويحتاج توسيعها إلى وقت طويل. أيضا سيستغرق إحلال طاقة التكرير المفقودة وقتا ويكلف الكثير؛ ففي أوروبا تدهورت طاقة التكرير على مدى سنوات. ولا يمكن تغيير ذلك بسرعة؛ فمثل هذه الاستثمارات ستكون باهظة التكلفة ومخاطرها مرتفعة.
أخيرا: لا يقتصر النقص على الطاقة؛ فإمدادات الهليوم والنافتا والميثانول والفوسفات واليوريا والأمونيا والكبريت متأثرة أيضا، ويُلحق انخفاض إمدادات الهليوم ضررا بإنتاج الرقائق الدقيقة. كما سيقلل الانخفاض في إمدادات السلع الضرورية لإنتاج المخصبات الصناعية الإنتاجَ العالمي للغذاء.
هنالك أيضا أثر سلبي على الشحن البحري في العالم؛ لأن الممرات البحرية الأطول أكثر تكلفة. إلى ذلك يوجد أكثر من 20 ألف بحار عالق في الخليج.
ويبدو أن الأسواق أقنعت نفسها بأن هذا الواقع سيقود قريبا وليس لاحقا إلى وقف مستقر لإطلاق النار وإعادة فتح المضيق. قد يحدث ذلك، لكن ليس من الصعب تصور لماذا قد لا يحدث؛ فدونالد ترامب يصر على أنه لا يبالي بالوضع المالي للأمريكيين، بل حسبما يقول: «الشيء الوحيد المهم عندما أتحدث عن إيران هو أنها لا يمكنها الحصول على سلاح نووي».
هل تقبل إيران بذلك ولو حتى من حيث المبدأ؟ لماذا تثق بأن ترامب سَيَفِي بما يلزمه في أي اتفاق؟ وكيف يمكن مراقبة مثل هذا الاتفاق وتنفيذه؟ ولماذا تتخلى إيران عن السيطرة على حركة السفن في الخليج بعد فرضها؟ ألا يتمسك قادتها على الأقل بحقهم في فرض رسوم عبور؟ وهل سيكون ترامب على استعداد للقبول بمثل هذا الإذلال؟
نعم؛ تشير أسواق العقود الآجلة للنفط إلى أن الأسعار ستهبط؛ وبالتالي سيكون كل شيء على ما يرام، لكن منحنى عقود النفط الآجلة ليس «كرة بلورية» كما ذكر زميلاي جوناثان فينسنت ومالكولم مور. (يمثل هذا المنحنى أسعار التداول الحالية لعقود تسليم النفط في المستقبل، ولا يتنبأ بمستوى الأسعار في تواريخ تسليمها اللاحقة – المترجم.)
في الواقع التوقعات كثيرا ما تخيب. أنا لا أجد سببا وجيها في ألا تكون تلك هي الحال. وإذا حدث الأسوأ سيلزم أن ترتفع الأسعار بما يكفي لموازنة العرض المقيَّد مع الطلب. وبما أن هذه سلعٌ ضرورية تواجه طلبا غير مرن إزاء الأسعار يمكن أن ترتفع تكلفة المنتجات والنفط بشدة.
إلى ذلك من المرجح أن يتحقق جزء من هذا التوازن عبر توقعات ارتفاع التضخم (والتي يترتب عنها تقليل الاستهلاك)، وارتفاع معدلات الفائدة (بقرار من البنك المركزي للحد من التضخم)؛ وبالتالي عبر أثر ركودي قوي على اقتصاد العالم.
حذر فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية من أننا ندخل في أزمة الطاقة الأكبر في التاريخ. وإذا لم تتغير الأمور قريبا فسيتضح أن هذا التحذير صحيح كما لن تكون مثل هذه النتيجة مفاجئة.
لقد أطلقت الولايات المتحدة على حربها اسم «عملية الغضب الملحمي»، لكن «عملية الحماقة الملحمية» سيكون اسما أكثر واقعية.