في تقرير أثار موجة عارمة من الجدل السياسي والأكاديمي نشر عبر عدة وكالات Hنباء بريطانية حول قرار المتحف البريطاني إزالة الإشارات إلى «فلسطين» من معروضات الشرق القديم

في الرابع عشر من فبراير2026، نشرت صحيفة ديلي تليجراف البريطانية تقريراً فجر قنبلة مدوية في الأوساط الثقافية والسياسية، حيث كشفت عن قيام المتحف البريطاني«British Museum)» في لندن بإزالة وتعديل الإشارات التاريخية إلى فلسطين من بطاقات العرض التعريفية لقطع أثرية تعود لفترة الشرق الأدنى القديم.

هذا الإجراء لم يكن مجرد تعديل فني عابر، بل جاء في ذروة استقطاب سياسي عالمي، ليضع واحدة من أعرق المؤسسات الثقافية في العالم في مواجهة اتهامات بـ «المحو التاريخي» والانصياع لضغوط سياسية.

وقد جاءت تفاصيل الخبر.. ماذا حدث في أروقة المتحف؟

إن المتحف قام بمراجعة شاملة للبطاقات التعريفية «Labels» في القاعات التي تضم آثاراً من العصر البرونزي والحديدي، وتحديداً تلك المستخرجة من المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. شملت التعديلات استبدال مصطلح "فلسطين" بأسماء جغرافية بديلة مثل "جنوب بلاد الشام" (Southern Levant)، أو "كنعان"، أو "ممالك إسرائيل ويهودا".

ولم يقتصر الأمر على تغيير المسميات، بل امتد ليشمل نقل قطع تراثية من "المعرض القديم" إلى أقسام أخرى، مثل الدمى التي ترتدي الزي الفلسطيني التقليدي والتي كانت تُعرض بجانب آثار من العصر الحديدي لإظهار "الاستمرارية الثقافية"، حيث اعتبرت إدارة المتحف -تحت ضغوط معينة- أن هذا العرض يفتقر إلى "الدقة الأكاديمية" ويخلق انطباعاً مضللاً بوجود هوية وطنية فلسطينية متصلة منذ آلاف!!

لم يكن هذا القرار وليد مراجعة أكاديمية داخلية محضة، بل كشفت الوثائق عن حملة ضغط مكثفة قادتها منظمة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل" (UKLFI). جادلت المنظمة بأن استخدام مصطلح "فلسطين" لوصف المنطقة في عصور ما قبل الميلاد (مثل عصر الملك داوود أو الأنبياء) هو "تزوير للتاريخ"، لأن اسم "فلسطين" -بحسب ادعائهم- لم يصبح رسمياً إلا في القرن الثاني الميلادي بعد أن أطلقه الإمبراطور الروماني هادريان عقب ثورة "بار كوخبا".

ورأت هذه المنظمات أن استمرار استخدام المصطلح في المتحف البريطاني يسهم في "تهميش التاريخ اليهودي" ويمنح "شرعية تاريخية زائفة" للمطالب الفلسطينية المعاصرة من خلال ربطها بالعصور القديمة. وقد استجاب المتحف لهذه الضغوط بتعديل الصياغات لتجنب ما وصفه بـ "الأنكروونيا" «مغالطة تاريخية تتمثل في وضع مفهوم حديث في سياق زمن قديم)»

هنا تكمن نقطة الخلاف الجوهرية. يرى المؤرخون والآثاريون المعارضون لقرار المتحف أن مصطلح "فلسطين" له جذور أقدم بكثير من العصر الروماني. فالسجلات المصرية القديمة «مثل لوحة مرنبتاح» ونقوش الآشوريين تشير إلى "بليست" (Peleset) أو "فلسطو"، وهي تسمية لشعب سكن الساحل الجنوبي للمنطقة.

علاوة على ذلك، استخدم هيرودوت، "أبو التاريخ"، مصطلح "فلسطين" (Palaistinē) في القرن الخامس قبل الميلاد لوصف المنطقة الواقعة بين فينيقيا ومصر. لذا، فإن الادعاء بأن الاسم اختراع روماني محض هو "تبسيط مخل" يخدم أجندة سياسية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من أي عمق تاريخي في أرضهم. المحللون يشيرون إلى أن المصطلحات الجغرافية في المتاحف ليست محايدة أبداً، واختيار "جنوب بلاد الشام" بدلاً من "فلسطين" هو قرار يهدف إلى "تعقيم" التاريخ من دلالاته الوطنية والسياسية الحالية.

أثار الخبر غضباً واسعاً بين الأكاديميين الفلسطينيين والعرب، والناشطين في مجال حقوق الإنسان. ووصف البعض هذا الإجراء بأنه "إبادة ثقافية في الحبر" (Genocide in ink)، مكملة لما يحدث على الأرض من تدمير للمواقع الأثرية والمتاحف في غزة

واعتبرت وزارة الثقافة الفلسطينية أن المتحف البريطاني، الذي يمتلك تاريخاً مثيراً للجدل في "نهب" آثار الشعوب المستعمرة، يمارس اليوم دوراً "استعمارياً جديداً" من خلال محاولة محو اسم فلسطين من الذاكرة الإنسانية العالمية.

وعبّر بعض أمناء المتاحف السابقين عن قلقهم من أن المتحف البريطاني يفقد استقلاليته الأكاديمية ويتحول إلى أداة في يد مجموعات الضغط السياسي، مما يضر بمصداقيته كمرجع علمي عالمي.

لا يمكن قراءة هذا الخبر بمعزل عن تاريخ المتحف البريطاني نفسه. فالمؤسسة الغارقة في الجدل حول "رخام إلجين" والآثار المصرية المنهوبة، تعيش أزمة هوية كبرى. فبينما يحاول المتحف تقديم نفسه كمؤسسة "تقدمية" تهتم بحقوق الشعوب، يرى الكثيرون أن رضوخه لضغوط إزالة اسم فلسطين يثبت أنه لا يزال يعمل ضمن عقلية "القوى الاستعمارية" التي تملك حق تسمية الشعوب أو نفي وجودها.

التحليل الذى نشرته التليجراف يشير إلى مفارقة صارخة، ففي الوقت الذي يطالب فيه العالم بعودة الآثار إلى بلدانها الأصلية، يقوم المتحف البريطاني بتغيير "هوية" هذه الآثار وهي لا تزال في حوزته، وكأنه يمارس احتلالاً ثانياً للذاكرة التاريخية

توقيت القرار في فبراير 2026 له دلالة خطيرة. فهو يأتي في أعقاب سنوات من التوترات المتصاعدة، ومحاولات اليمين المتطرف في إسرائيل وحلفائه في الغرب لإعادة صياغة الرواية التاريخية للمنطقة بشكل يقصي الآخر تماماً. إن إزالة كلمة "فلسطين" من المتحف البريطاني تخدم مباشرة الرواية السياسية التي تقول إن "فلسطين لم تكن موجودة أبداً"، وهي مقدمة أيديولوجية لتبرير سياسات التهجير والاستيطان.

قرار المتحف البريطاني ليس مجرد "تصحيح أكاديمي" كما يحاول البعض تصويره، بل هو فعل سياسي بامتياز يقع في قلب "حرب الروايات". عندما يقرر متحف بهذا الحجم شطب اسم جغرافي وتاريخي متجذر، فإنه يساهم في تشكيل وعي الملايين من الزوار الذين سيعتقدون أن هذه الأرض كانت "فراغاً" أو "ملكاً حصرياً" لشعب واحد دون غيره.

في نهاية المطاف، يبقى التاريخ أكبر من بطاقات العرض في لندن. إن فلسطين كحقيقة جغرافية وبشرية وثقافية موثقة في نصوص اليونان، وسجلات الرومان، وكتابات المسلمين، وخرائط العصور الوسطى. ومحاولة محوها من رفوف المتحف البريطاني لن تزيد الرواية الفلسطينية إلا إصراراً على البقاء، لكنها ستترك وصمة عار دائمة على جبين المؤسسة التي اختارت أن تضحي بالدقة التاريخية على مذبح الموائمات السياسية.

وقد أوصى التقرير بأنه بجب على المنظمات الثقافية الدولية، مثل اليونسكو، التدخل لمراجعة هذه المعايير، وضمان عدم تسييس المصطلحات الأركيولوجية في المتاحف العالمية، لأن التاريخ ملك للبشرية جمعاء، وليس للقوة التي تملك السيطرة على المباني والأوراق.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: فلسطين المتحف البريطاني وزارة الثقافة الفلسطينية ديلي تليجراف البريطانية الأكاديميين الفلسطينيين المتحف البریطانی

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • خبير أثري: تطوير القاهرة التاريخية والخديوية يعيد رسم خريطة السياحة الثقافية في مصر
  • تغريم اتحاد ألعاب القوى البريطاني في قضية وفاة البطل الإماراتي عبدالله حيايي
  • "بيت مصر" في ستوكهولم يحتفي بيوم أفريقيا الثقافي
  • الموزة المنهوبة للمرة الثانية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • جامعة عين شمس والمركز الثقافي القبطي يحتفلان بتخريج دفعة من دارسي لغة الإشارة
  • السفير البريطاني يشيد بحجم إنجازات ومشروعات الجهاز الوطني للتنمية
  • ضربات روسية عالية الدقة تستهدف مواقع عسكرية بأوكرانيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مهارة تُنقذ حياة.. قلب جامعة قناة السويس ينجح في تدخل قسطري بالغ الدقة لإنقاذ مسنة