السعودية.. الهدف المؤجل ومفتاح الشرق الأوسط

محمد الحسن محمد نور

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز المملكة العربية السعودية كورقة مركزية في استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فبينما تعلن واشنطن صراحة عن أهدافها للسيطرة على موارد الطاقة العالمية، تظل الرياض “هدفاً مؤجلاً” في هذه المعادلة، وهو تأجيل تخفي دوافعه وأسبابه تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.

منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، يبدو أن الرئيس ترامب يحاول التعامل مع الملف السعودي بطريقة تختلف عن تعامله مع خصومه المباشرين مثل فنزويلا وإيران. لفهم هذه المعادلة، لا بد من العودة إلى حقيقتين رئيسيتين تحركان الإدارة الأمريكية: أولاً، استراتيجية ترامب المعلنة للسيطرة على كل موارد الطاقة والممرات البحرية حول العالم، والسعودية ليست استثناءً. ثانياً، الوسيلة المتخيلة لتحقيق ذلك، والتي تتوافق مع رؤى قديمة مثل “عقيدة التفتيت” التي صاغها الدبلوماسي الإسرائيلي عوديد ينون في عام 1982، والقاضية بتقسيم الدول الكبرى والمؤثرة في المنطقة العربية إلى كيانات طائفية وإثنية يسهل التحكم بها.

استراتيجية ترامب: من الدفاع إلى الهجوم

واجهت إدارة ترامب في فترتها الثانية تحدياً وجودياً يتمثل في صعود محور “البريكس” الذي يهدد الهيمنة الأمريكية، نتيجة لسياسات القطب الواحد السابقة التي استغلت فيها واشنطن المنظمات الدولية لخدمة مصالحها. لمواجهة هذا الخطر، لم يغير ترامب استراتيجيته الكبرى بقدر ما غير تكتيكاته، معتمداً على سياسة “أمريكا أولاً” المثيرة للجدل، والاعتماد على الصدمة والمباغتة لتحقيق مكاسب سريعة.

اتخذ الرئيس الأمريكي وضعية هجومية، معلناً عن سعيه للسيطرة على احتياطيات النفط والطاقة حول العالم، وعلى الممرات البحرية الاستراتيجية، بالإضافة إلى مناطق أخرى مثل جرينلاند وقناة بنما. وعلى الصعيد التنفيذي، أعاد تسمية وزارة الدفاع (البنتاغون) بشكل غير رسمي إلى “وزارة الحرب”، في إشارة رمزية لتبني سياسة الهجوم كخير وسيلة للدفاع. وقد تجلت هذه السياسة في مشاركة أمريكية مباشرة في الحرب على غزة، وتصعيد عسكري في الكاريبي ضد فنزويلا.

لماذا تُستثنى السعودية مؤقتاً؟

بينما يتصدر كل من فنزويلا وإيران قائمة بنك الأهداف المعلن، تبقى احتياطيات النفط في الشرق الأوسط، وتحديداً في السعودية والكويت والعراق وليبيا، هدفاً غير معلن لكنه حاضر بقوة. إلا أن التعامل مع هذه الدول، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، يختلف بالضرورة عن التعامل مع فنزويلا. وتتعدد أسباب تأجيل الهدف السعودي:

الثقل الإقليمي والدولي: السعودية هي مفتاح المنطقة وصاحبة الثقل الأكبر في العالمين العربي والإسلامي. القضية الفلسطينية: ظلت المملكة تشكل العقبة الأهم أمام مشروع التطبيع مع إسرائيل، إذ تضع باستمرار حل القضية الفلسطينية وإقامة دولة مستقلة على حدود 1967 كشرط أساسي لأي تطبيع، وهو ما ترفضه تل أبيب. من المهادنة إلى بدء الخلخلة: مسار التعامل مع السعودية

يمكن تتبع أسلوب التعامل مع السعودية على مرحلتين رئيسيتين:

أولاً: مرحلة المهادنة والضغط الناعم

بدأت هذه المرحلة مبكراً بسياسة العصا والجزرة. ففي البداية، لجأ ترامب إلى التهديد المبطّن (“نحن نحميكم وعليكم أن تدفعوا”)، سرعان ما تبعته مهادنة دبلوماسية واقتصادية، حيث نجح في الحصول على استثمارات سعودية ضخمة قدرت بمئات المليارات من الدولارات.

وفي خطابٍ ودّي واضح، استجاب الرئيس ترامب لبعض طلبات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ففي خطوة لافتة خارج الأعراف المؤسسية الأمريكية، أعلن ترامب عن رفع العقوبات عن سوريا وتلبية طلبات سعودية بالاهتمام بالملف السوداني، وهي خطوات صفق لها ولي العهد السعودي علناً أمام الكاميرات، مما يشير إلى مدى النفوذ السعودي في توجيه بعض القرارات الأمريكية.

ثانياً: مؤشرات بدء الخلخلة وعدم الوفاء بالوعود

رغم المكاسب الأولية، تظهر مؤشرات على بدء مرحلة أكثر خشونة. فالملف السوري، على سبيل المثال، لم يتحول بالكامل لمصلحة الرؤية السعودية بقدر ما خدم المصالح الإسرائيلية، حيث تمكنت إسرائيل من توغلها داخل الأراضي السورية وتدمير مقدرات الجيش السوري. كذلك، لم يحرز ملف حل الدولتين أي تقدم يُذكر، مما يؤشر إلى أن واشنطن لم تمِل بالكامل لكفة الرياض في مواجهة رفض تل أبيب.

الخلاف السعودي-الإماراتي: البداية الحقيقية للاستفراد؟

يبرز الخلاف السعودي-الإماراتي كورقة ضغط محتملة. فمنذ أواخر عام 2025 وأوائل 2026، تحول الخلاف بين الحليفين الخليجيين من مجرد تنافس تكتيكي إلى صدع استراتيجي يهدد تماسك مجلس التعاون الخليجي، خاصة في ملفات اليمن والسودان والقرن الأفريقي.

اللافت أن واشنطن لم تبادر إلى وساطة جدية لحل هذا الخلاف، رغم أن كلا الطرفين من أهم حلفائها. ويُقرأ هذا الصمت الأمريكي على أنه ضوء أخضر ضمني لاستمرار حالة “الفركشة” التي تضعف أي كيان موحد يمكن أن يشكل ثقلاً موازياً. فإعلان الإمارات انسحابها من اليمن، واستمرار الأزمة عبر دعم أطراف محلية مثل “المجلس الانتقالي الجنوبي”، يؤشر إلى أن الخلاف قد يكون مُداراً من الخلفية بما يخدم استراتيجية التفتيت.

من القرن الأفريقي إلى التحالفات الجديدة

ما يدور في القرن الأفريقي يمثل تجسيداً حياً لإدارة الصراع لمصلحة إسرائيل، من خلال فرض أمر واقع إثيوبي حول سد النهضة، ومحاولة فتح منفذ بحري في أرض الصومال. وفي مقابل ذلك، تتشكل تحالفات إقليمية جديدة (مصر – السعودية – تركيا – باكستان) تبدو واشنطن وتل أبيب غير راغبتين في تركها تمر بسهولة.

خلاصة:

يبدو أن التعامل مع السعودية يسير وفق جدول أعمال دقيق. فبينما تحصل الرياض على مكاسب تكتيكية واقتصادية مرحلية، يظل الهدف الاستراتيجي الأمريكي-الإسرائيلي قائماً: تحييد “مفتاح المنطقة” وإخضاعه، سواء عبر صفقة كبرى تنتزع تنازلاته النهائية بخصوص فلسطين، أو عبر خلخلة محيطه الإقليمي تمهيداً لمرحلة أكثر خشونة.

* محلل سياسي مستقل

20 يناير 2026

 

الوسومأرض الصومال الأمير محمد بن سلمان السعودية السودان الشرق الأوسط القرن الأفريقي الولايات المتحدة الأمريكية جزر الكاريبي دونالد ترامب سد النهضة فنزويلا محمد الحسن محمد نور

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: أرض الصومال الأمير محمد بن سلمان السعودية السودان الشرق الأوسط القرن الأفريقي الولايات المتحدة الأمريكية جزر الكاريبي دونالد ترامب سد النهضة فنزويلا محمد الحسن محمد نور الشرق الأوسط التعامل مع

إقرأ أيضاً:

غوتيريش: الوضع في الشرق الأوسط خارج السيطرة

حذر الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش، من أنّ "الوضع في الشرق الاوسط بات خارج السيطرة".


وقال غوتيريش خلال اجتماع لمجلس الأمن: "الوضع خارج السيطرة. إنه على شفير حال لا يمكن تصورها. المنطقة غارقة في دوامة من المواجهات لا تنفك تتوسع".     وأضاف أنّ "أزمة تغذي أزمة أخرى وتصعيدا يؤدي إلى تصعيد آخر". مواضيع ذات صلة الأمين العام للأمم المتحدة: الوضع في الشرق الأوسط يخرج عن السيطرة ويمضي نحو نقطة لا يمكن تصورها Lebanon 24 الأمين العام للأمم المتحدة: الوضع في الشرق الأوسط يخرج عن السيطرة ويمضي نحو نقطة لا يمكن تصورها 23/07/2026 19:51:44 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 غوتيريش: أي اتفاق سلام سيخفف تداعيات أكبر أزمة في أسواق الطاقة سببها الصراع في الشرق الأوسط Lebanon 24 غوتيريش: أي اتفاق سلام سيخفف تداعيات أكبر أزمة في أسواق الطاقة سببها الصراع في الشرق الأوسط 23/07/2026 19:51:44 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 خارجية الصين: ندعو الأطراف المعنية في الشرق الأوسط إلى تسوية النزاعات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية Lebanon 24 خارجية الصين: ندعو الأطراف المعنية في الشرق الأوسط إلى تسوية النزاعات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية 23/07/2026 19:51:44 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 وزير خارجية أميركا إلى الشرق الأوسط الأسبوع المُقبل Lebanon 24 وزير خارجية أميركا إلى الشرق الأوسط الأسبوع المُقبل 23/07/2026 19:51:44 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 انطونيو غوتيريش الشرق الأوسط مجلس الأمن لاوس تابع قد يعجبك أيضاً سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء Lebanon 24 سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء 20:30 | 2026-07-23 23/07/2026 08:30:54 Lebanon 24 Lebanon 24 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة Lebanon 24 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة 20:49 | 2026-07-23 23/07/2026 08:49:02 Lebanon 24 Lebanon 24 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا Lebanon 24 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا 20:17 | 2026-07-23 23/07/2026 08:17:06 Lebanon 24 Lebanon 24 توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة) Lebanon 24 توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة) 19:55 | 2026-07-23 23/07/2026 07:55:02 Lebanon 24 Lebanon 24 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ Lebanon 24 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ 19:49 | 2026-07-23 23/07/2026 07:49:41 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة مُفاجأة طقس تموز: بعد موجة الحر التي تضرب لبنان انخفاض بالحرارة وأمطار في هذا الموعد Lebanon 24 مُفاجأة طقس تموز: بعد موجة الحر التي تضرب لبنان انخفاض بالحرارة وأمطار في هذا الموعد 11:15 | 2026-07-23 23/07/2026 11:15:09 Lebanon 24 Lebanon 24 للبنانيين الذين يحملون الذهب... ماذا سيحصل بالأسعار؟ Lebanon 24 للبنانيين الذين يحملون الذهب... ماذا سيحصل بالأسعار؟ 21:30 | 2026-07-22 22/07/2026 09:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 حزب الله يقيّم زيارة عون… ما بين الشكل والمضمون Lebanon 24 حزب الله يقيّم زيارة عون… ما بين الشكل والمضمون 11:00 | 2026-07-23 23/07/2026 11:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 زوطر الغربية… أول نموذج للعودة تحت المراقبة Lebanon 24 زوطر الغربية… أول نموذج للعودة تحت المراقبة 12:00 | 2026-07-23 23/07/2026 12:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 تقرير تركي يتحدث عن علاقة مسيحيي لبنان بأنقرة.. ماذا ستشهد؟ Lebanon 24 تقرير تركي يتحدث عن علاقة مسيحيي لبنان بأنقرة.. ماذا ستشهد؟ 23:45 | 2026-07-22 22/07/2026 11:45:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان 20:30 | 2026-07-23 سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء 20:49 | 2026-07-23 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة 20:17 | 2026-07-23 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا 19:55 | 2026-07-23 توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة) 19:49 | 2026-07-23 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ 19:13 | 2026-07-23 86 نائباً يطالبون بالتمديد لـ"اليونيفيل" في لبنان فيديو سيُنافس أحدث هواتف أندرويد.. شركة itel تُطلق هاتفها الجديد (فيديو) Lebanon 24 سيُنافس أحدث هواتف أندرويد.. شركة itel تُطلق هاتفها الجديد (فيديو) 09:35 | 2026-07-22 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 بث مباشر????.. قداس إلهي في بقاعكفرا في عيد القديس شربل Lebanon 24 بث مباشر????.. قداس إلهي في بقاعكفرا في عيد القديس شربل 19:13 | 2026-07-18 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 ميقاتي: ندعم موقف رئيس الجمهورية وسنعمل جاهدين لإقرار العفو العام Lebanon 24 ميقاتي: ندعم موقف رئيس الجمهورية وسنعمل جاهدين لإقرار العفو العام 18:42 | 2026-07-15 23/07/2026 19:51:44 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

مقالات مشابهة

  • النووي السعودي تحت الشروط الأمريكية.. مفاوضات حاسمة ترسم مستقبل المنطقة
  • غوتيريش: الصراعات في الشرق الأوسط تخرج عن السيطرة
  • تصعيد مرتقب.. واشنطن تدعو الأمريكيين للاستعداد لإلغاء الرحلات وإغلاق الأجواء بالشرق الأوسط
  • هلسنكي الشرق الأوسط.. هل تنجح في تهدئة التوتر بالمنطقة؟
  • الخارجية الأمريكية تدعو رعاياها في الشرق الأوسط إلى الاستعداد لإغلاق المجالات الجوية
  • سماء الشرق الأوسط تحت التهديد.. أمريكا تطالب رعاياها بالاستعداد لإلغاء الرحلات
  • بعد الضغوط الأمريكية.. ما هي اتفاقيات أبراهام وموقف السعودية منها ؟
  • اعتذار إيراني لجيران المنطقة.. وتعليق مفاجئ من ترامب يشعل الجدل
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • غوتيريش: الوضع في الشرق الأوسط خارج السيطرة