من ثوابت قيم التسامُح العُماني.. السُلطان هيثم نموذجًا
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
حمد الناصري
أُثيرت في فترات مُتفاوتة زوابع كلاميّة فارغة المعنى والمضمون استهدفت سُمعة ومصداقية الدّور العُماني الإقليمي والعالمي، ولعمري أنّ تلك المُحاولات البائسة كانت تبدو كقرون طينيّة تُناطح جبلًا أشمًّا سامقًا، فقد قيل عن عُمان الكثير، وشككّ البعض من الأشقاء والغُرباء.. وطاشت سهام حسدهم ولم تصب إلا أهداف الصّلات الشقيقة، وبانت أخلاق المنافقين وخُبث نواياهم وبقيت عُمان وشعبها مثالًا للصمود، وباءت محاولات الحاسدين إلى ضرر أنفسهم وعادت بآثار حسدهم إلى فشل تدبيرهم ومؤامرتهم وتحوّلت إلى سهام تعصف بهم وارتدّ كيدهم إلى نحورهم.
العُمانيُون عُرفوا بأخلاقهم الرفيعة التي توارثوها من مقام نبي الإسلام محُمّد صلى الله عليه وآله وصحبه المُنتجبين، فهو الذي قال صلى الله عليه وسلم: "لو أن أهل عُمان أتيت ما سبُّوك ولا ضربُوك" رواه مسلم. وذلك فخر واعتزاز وشرف حفظهُ التاريخ لأهل عُمان وفضل من لدن من رأى فيهم حُسن الخُلق والفضيلة، نبي الأمة وخير الخلق أجمعين، رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله عنه ربّه تبارك وتعالى "وإنك لعلى خلق عظيم". وقال عن نفسه "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؛ ذلك أن العرب لديهم أخلاق وقيم عالية والنبي الأكرم، صلوات ربي وسلامه عليه، جاء ليكمّلها ويُحسّنها ويُثبّتها.
وقد شهدت مواقف سلطنة عُمان الثابتة التزامًا بسيادتها وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية للغير.. واحترام الجوار ودعم قضايا الأمة العربية والإسلامية، وتحمّلت في سبيل نصرة الحق وإقامة العدل وفق المُتغيرات الدولية السائدة بالحكمة والاتزان، منطلقًا من سياستها الثابتة ودبلوماسيتها الناعمة.
ورغم حساسيّة المواقف في كثير منها إلا أننا تحمّلنا وصبرنا، وبحكمة حضرة صاحب الجلالة السُلطان هيثم بن طارق المعظم- أعزّه الله ونصره- الواثق بالله والمُعتد بنفسه وبشعبه، فقد انعكست تلك الثّقة على المُواطن؛ فأضحى لا يهتم لأقاويل المُرجفين الذين يُولّدون تُرّهات الأخبار ولا يُقيمون وزنًا لمصادر الفارغين وافتراءات الكاذبين؛ فالعُمانيون كعادتهم لديهم مناعة فكريّة وحماية نفسيّة، وثبات كثبات حضارةً عُمان وتاريخها العميق ومكانتها دُوليًّا وإقليميًّا قديمًا وحديثًا، فقد توحّدت انفسهم بالثقة والقوة الأريبة بلا ضجيج ولا تهويل.
تلك القُوة الثابتة ترسّخت عقب الأزمان والسنين، وفي عهدها الجديد استمدت طاقة متزنة فاعلة من باني نهضتها الحديثة ومُهندسها الفطن وسُلطانها القويم، قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه- ولا يزال جلالة السُلطان هيثم بن طارق- أعزّهُ الله- يسير على نفس الخطى، إنه أوفى الرّجال وأصفاهم، قائد صلب المراس، حكيم بعزم، ثابتٌ كالجبل العظيم، يُدير دفّة، قيادة عُمان بعزم وثقة أكدها في كل مواقفه بأنّ سلطنة عُمان ستبقى عُنوان للحياد والاستقرار مُستمدة ذلك الرسوخ والثّبات والعزم من إيمان شعبها وأهمية جغرافيتها، لا تعبأ بضجيج الحاقدين ولا بفحيح الحمقى.
سلطنة عُمان واحة للأمان وملاذ للاستقرار ومرفئ لكلّ من يُنشد السّلام والأمان، وهذا الإرث الخالد ورّثته جيل بعد جيل استلهامًا من تأريخها المُشرّف وتقاليدها الأصيلة وأصولها المتجذرة في عُمق هذه الأرض المعطاءة.
وفي هذه الأيّام نشهد انشغالًا كبيرًا لجلالة السُلطان هيثم بكُلّ ما يتعلّق بالتداعيات الإقليمية والدولية، ويجعل جل أهميته بالوضع الداخلي ومعيشة المواطن وكرامة الإنسان العُماني ممّا يشعُرنا جميعًا بأنّنا أمام تحقيق مُستقبل مشرق، وقد تراهُ- سيّدنا الأريب- منشغلًا بالاقتصاد الداخلي، ليرتقي به إلى مصاف الدول الاقتصادية الكبرى، مستلهمًا طُموحه من تاريخ هذا البلد العريق للإسهام في توفير مناخ آمن ومُطمئنٌ لدى كل الدول الشقيقة والصديقة، مؤمنًا بالتسامح والرخاء لكل الشعوب، نظرة حصيفة يرى من خلالها أن التّسامُح الذي تدعوا إليه عُمان هو أهم إسهام للملمة الشأن الخليجي رغم عظُم التحديات وشدّة الخُطوب التي تُحيط بالمنطقة والضُغوطات التي تُفرض واقعًا مُختلفًا وصعبًا على كُلّ دول العالم وعلى رأسها دُول الخليج العربي، ولأنّ عُمان منبر للسلام والحكمة بفكرها وعزيمة قائدها ورجالها فسيظلون يزرعون المحبّة ويسقونها بمبادراتهم الإيجابية المستمرة إلى أن يتحقق هذا الأمل المنشود، ويلمس ذلك من خلال حضورهم المُبهر في كل المبادرات السياسية العربية والدولية لإنهاء كل الفتن وحلّ كل الخلافات بين الأشقاء دون ضرر ولا ضرار ، قبل أن تأكل نار الأحقاد الاخضر واليابس.
إن سلطنة عُمان بلد أزليّة المنبت، عتيقة التكوين لذا فهي تتحمل هذا الدور الصعب مهما واجهت من حملات شرسة من أعداء العروبة وأعداء الإنسانية.
خلاصة القول.. إنَّ سُمو أخلاق العُمانيين ورُقيّ تعامُلهم الذي تربّوا عليها مُنذ آلاف السنين يحتم عليهم أن يكونوا سبّاقين لهذا الدور الإنساني والأخلاقي العظيم ، فقد عرف العُمانيون بالفضيلة، واشتهروا بكُنية أهل الاستقامة، لا يخشون في الله لومة لائم، مُمتطين إرادتهم التي لا تلين وعزمهم الذي لا ينكسر دون تخاذل ولا نكوص، حتى نظل بصماتهم نيشانًا راسخًا في قلب التأريخ.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود