بعد عقود من الركود الانكماشي وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية، دخلت اليابان بيئة اقتصاد كلي جديدة. ففي أعقاب جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية، أدت "التغيرات المفاجئة في العرض" الناجمة عن إجراءات الإغلاق والاضطرابات الجيوسياسية، بالإضافة إلى الزيادة العالمية في أسعار السلع، إلى ارتفاع الأسعار في اليابان.

 

وتفاقمت هذه الأحداث مع "صدمة الطلب" الكبيرة الناتجة عن تدابير الدعم المالي غير المسبوقة المصحوبة بسياسة نقدية ميسرة للغاية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع.

وبعد أن بدأت البنوك المركزية الكبرى برفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، اتسعت الفجوة في أسعار الفائدة بالمقارنة مع اليابان، حيث حافظ بنك اليابان على سياسته النقدية الميسرة للغاية بسعر فائدة سلبي قصير الأجل قدره -0.1%. ونتيجة لهذه الفجوة، انخفضت قيمة الين الياباني بشكل حاد، مما أدى إلى موجة متجددة من ارتفاع الأسعار، ودفع التضخم إلى معدل يفوق 4% في أوائل عام 2023، وهو مستوى لم يُسجل منذ أكثر من ثلاثة عقود.

 

للسيطرة على التضخم، بدأ بنك اليابان عملية تاريخية لتطبيع السياسة النقدية. فقد أرغمه ارتفاع التضخم على إنهاء العمل بأسعار الفائدة السلبية لأول مرة خلال 17 عاماً. ومنذ عام 2024، رفع بنك اليابان سعر الفائدة أربع مرات، بإجمالي 85 نقطة أساس. وبالإضافة إلى ذلك، أنهى البنك رسمياً برنامجه الخاص بالتحكم في منحنى العائد، مُلغياً بذلك الحد الأقصى لعائد سندات الحكومة اليابانية لـ 10 سنوات، لينتقل إلى إطار عمل أكثر مرونة. ومع انتهاء برنامج التحكم في منحنى العائد، بدأ بنك اليابان بتقليص مشترياته الشهرية من سندات الحكومة اليابانية، والتي بلغت ما يقارب 9 تريليون ين ياباني في ذروتها في عام 2023، حيث قام بتخفيضها إلى حوالي 3 تريليون ين ياباني، مع خطط لمزيد من التخفيضات التدريجية.

وفي هذا السياق، ارتفعت عوائد سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل بشكل ملحوظ عن مستويات السنوات السابقة. فقد ارتفع العائد القياسي لسندات الحكومة اليابانية لـ 30 سنة بأكثر من 2.5 نقطة مئوية ليتجاوز 3.6%، وهو أعلى مستوى له منذ عقود.

ناقش التحليل الاقتصادي لبنك قطر الوطني العوامل الرئيسية التي تفسر ارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل.

وأوضح  QNB أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية يعكس التحول الهيكلي في محركات الاقتصاد الكلي لليابان، من بيئة تهيمن عليها قوى الانكماش إلى فترة أكثر "انتعاشاً"، حيث استقرت معدلات النمو والتضخم. وقد أثرت الصدمات الخارجية الأولية الناجمة عن ارتفاع التضخم المستورد بسرعة على ديناميكيات الاقتصاد المحلي، مما ساهم في كسر اتجاه الانكماش طويل الأمد. فعلى سبيل المثال، أسفرت مفاوضات الأجور السنوية التي تُعرف باسم "شونتو"، وتُشكل عاملاً رئيسياً في تحديد ديناميكيات الأجور في البلاد، عن زيادات في الأجور بنحو 5%، وهي الأعلى منذ عقود. وفي ظل النقص الحاد في العمالة، عززت هذه الزيادات في الأجور التوقعات بأن التضخم قد شهد تعديلاً تصاعدياً دائماً. 

وساهم ارتفاع التضخم، إلى جانب ارتفاع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بفضل قوة الصادرات وتعافي استثمارات الشركات، في تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. في الواقع، بينما بلغ متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الاسمي 0.1% بين عامي 2000 و2020، تسارع هذا الرقم عدة أضعاف ليصل إلى متوسط نمو سنوي قدره 3.7% للفترة 2021-2025. نتيجة لذلك، راجع المستثمرون تقييمهم لأسعار الفائدة التوازنية، مما أدى إلى ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل.

ويري التحليل أن العامل الثالث هو أن وصول رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي  إلى السلطة في أكتوبر 2025 عزز الانطباع السائد بأن النمو الاسمي المرتفع سيستمر خلال السنوات القادمة في اليابان. تدعم تاكايشي تطبيق سياسات مالية أكثر جرأة تهدف إلى ضمان تحقيق معدلات نمو أقوى، وتبني سياسة صناعية أكثر فعالية، وتقليل التركيز على خفض الدين واستقلالية البنك المركزي. وقد عزز فوز تاكايشي التوقعات بارتفاع النمو الاقتصادي والتضخم، لا سيما إذا أصبحت السياسة المالية أكثر توسعاً. وتتأثر السندات طويلة الأجل، وخاصة السندات ذات الآجال الطويلة للغاية التي تزيد عن 30 عاماً، بشدة بالنمو الاسمي، ويبدو أن افتراض تحقيق نمو اسمي قريب من الصفر غير صحيح.

وثالث العوامل أن التغييرات التنظيمية واعتبارات الميزانية العمومية أدت إلى انخفاض طلب المؤسسات الخاصة المحلية في سوق السندات الحكومية اليابانية. ويمر المشهد التنظيمي الياباني بمرحلة تحول من نظام ملاءة قائم على القيمة الدفترية إلى إطار عمل قائم على السوق. ويعاقب النظام الجديد بشكل أكثر وضوحاً مخاطر أسعار الفائدة وفجوات آجال الاستحقاق. نتيجة لذلك، قلص المستثمرون المحليون التقليديون في سندات الحكومة اليابانية، ولا سيما شركات التأمين على الحياة، طلباتهم. وقد كان لهذا الوضع تأثير بالغ على سوق السندات الحكومية اليابانية، إذ خفضت شركات التأمين على الحياة، التي كانت تستحوذ سابقاً على نحو 35% من صافي إصدارات سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل، مشترياتها بعدة تريليونات من الين الياباني سنوياً. وقد ساهم ضعف الطلب من شركات التأمين على الحياة، في ظل التغييرات التنظيمية، في ارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل. 

بشكل عام، يُعزى ارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية طويلة الأجل إلى التحول الهيكلي في النمو الاسمي الذي تعزز بفعل التغييرات في قيادة البلاد وانخفاض الطلب المؤسسي في ظل التغييرات التنظيمية. 

ويري QNB أن هذا يعكس انتقال اليابان نحو بيئة تتسم بسياسة نقدية وأوضاع اقتصاد كلي تقليدية بعد عقود طغت عليها ديناميكيات الانكماش.

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: أسعار الفائدة اليابان أسعار الفائدة بنک الیابان

إقرأ أيضاً:

من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.

ملامح غير مألوفة في الفن الملكي

من النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.

ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.

القائد الذي أعاد رسم حدود مصر

لم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.

ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.

ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولة

إلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.

هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.

تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرى

يُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.

ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.

واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.

الملك سينوسرت الثالث

مقالات مشابهة

  • وليد فاروق: ارتفاع أسعار الذهب والطاقة وسعر الصرف وراء زيادة تكاليف التصنيع
  • الأسهم اليابانية: "نيكاي" يهبط من أعلى مستوياته على الإطلاق
  • عيار 21 وصل كام؟.. تراجع سعر الذهب اليوم في سوق الصاغة بعد الارتفاع الأخير
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • بنك عُمان العربي يُدرج بنجاح سندات بـ400 مليون دولار في بورصة لندن
  • بعد موجة الارتفاع الأخيرة.. سوق الحديد يشهد حالة من الاستقرار
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • قفزة جديدة في أسعار الذهب محليًا بدعم من تراجع عوائد السندات الأمريكية
  • الذهب يواصل الصعود عالمياً وسط ترقب التطورات السياسية
  • ارتفاع ملحوظ في مكانة اليورو خلال 2025.. وإقبال على السندات الخضراء