أبكي لأني محرومة من الحج.. الاحتلال يحرم الغزيين من شعائر الحج للعام الثالث
تاريخ النشر: 17th, May 2026 GMT
قبل حرب الإبادة على غزة وفي ركن داخل منزل الزوجين الغزيين عوني وعهود بركة، زيّنت حقائب الاستعداد لأداء فريضة الحج منزلهما بعد أن أعدا له العدة وجهزا كل ما يلزم من ملابس الإحرام البيضاء وكتيبات الأدعية، مكللين أيامهما بانتظار لحظة الانطلاق نحو الديار الحجازية.
لكن تلك الحقائب التي كان من المفترض أن تطوف معهما حول الكعبة، باتت اليوم ركاما من الذكريات المحاصرة تحت وطأة الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تقول عهود بركة بقلب مثقل بالوجع إنها لا تزال تحتفظ بتلك الحقائب في مكانها، وترفض إفراغ محتوياتها رغم مرور السنوات.
ولقد كان الحلم قاب قوسين أو أدنى؛ فجدران منزلهما لا تزال تحمل آثار عبارات الفرح والتهاني التي خُطت لاستقبال المهنئين بعودتهما من الحج، لكن الفرحة وُئدت بفعل الحصار الخانق وإغلاق المعابر.
وتضيف عهود أنها تعيش على أمل أن يُفتح المعبر، لكن الخوف يتسلل إلى قلبها من أن يدركها الموت أو تخذلها صحتها المتردية بسبب المرض قبل أن تلمس ستار الكعبة.
من جانبه، يروي الزوج عوني بركة قصة أخرى من المعاناة التي تعكس واقع آلاف الغزيين؛ فقد قضى عوني سنوات عمره يجمع تكاليف الحج "بالقرش والدرهم"، مقتطعا إياها من قوت يومه ليؤمن "رحلة العمر".
ومع اشتداد حرب الإبادة وسياسة التجويع التي ينتهجها الاحتلال، وجد نفسه مجبرا على صرف تلك المدخرات المقدسة لتأمين أبسط مقومات الحياة لأسرته وسط انعدام الغذاء والدواء.
يقول عوني بمرارة: "لقد أكلت الحرب أموال الحج التي جمعتها بشق الأنفس، ولم يتبقَّ لي سوى هذه الحقائب التي تمثل بصيص الأمل الأخير".
ويرى الزوجان أن حرمانهما من الحج ليس مجرد تعطل للسفر، بل هو عقاب جماعي يمارسه الاحتلال ضد حجاج قطاع غزة، متجاوزا كل الأعراف والمواثيق التي تضمن حرية العبادة.
ووفق وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، فإن أكثر من 10 آلاف فلسطيني من القطاع حرموا من أداء فريضة الحج خلال 3 أعوام من حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
إعلانوذكرت الوزارة في مؤتمر صحفي اليوم، أن من بين المحرومين 71 فلسطينيا توفوا أثناء انتظار السفر إلى الأراضي المقدسة، وسط استمرار إغلاق المعابر والحرب على القطاع.
وشددت الوزارة على أن حرمان الفلسطينيين بغزة من الحج يمثل انتهاكا للمواثيق الدولية التي تكفل حرية العبادة والتنقل والوصول إلى الأماكن المقدسة، داعية المجتمع الدولي إلى "التدخل العاجل" لضمان تمكين حجاج غزة من السفر، والعمل على فتح المعابر "لأغراض إنسانية ودينية".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات من الحج
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث