الجزيرة:
2026-06-02@21:02:07 GMT

كيف ينهار الدماغ أمام الأطعمة فائقة المعالجة؟

تاريخ النشر: 28th, May 2026 GMT

كيف ينهار الدماغ أمام الأطعمة فائقة المعالجة؟

لم تكتفِ صناعة الأغذية الحديثة بجعل الطعام أكثر توفراً، بل عملت على تصميمه ليصبح مقاوماً للمقاومة. فبالنسبة لملايين الناس حول العالم، لا تبدو مقاومة المشروبات السكرية، ورقائق البطاطس، والبرغر، والشوكولاتة، والوجبات فائقة المعالجة مجرد مسألة إرادة أو انضباط شخصي، بل معركة بيولوجية حقيقية تدور داخل الدماغ نفسه.

كثيرون يصفون رغبات جارفة، وفقداناً للسيطرة، وأكلاً قهرياً، ومحاولات فاشلة متكررة للتوقف عن تناول بعض الأطعمة؛ وهي سلوكيات تشبه بشكل لافت ما يُرى في الإدمان على المخدرات. لكن، هل يمكن للطعام فعلاً أن يكون مسبباً للإدمان؟ ولماذا يبدو الدماغ البشري عاجزاً تقريباً أمام السكر والوجبات السريعة؟

الجواب يكمن في أعماق الدوائر العصبية القديمة التي تطورت لمساعدة الإنسان على النجاة من المجاعة وندرة الغذاء، لكنها اليوم تتعرض للاستغلال في بيئة غذائية لم يعرفها أسلافنا قط.

السكر من أكثر المواد الغذائية قدرة على تنشيط أنظمة المكافأة العصبية (بيكسلز)الدماغ لم يُصمم لعصر السوبرماركت

طوال معظم تاريخ البشرية، كان الطعام نادراً وغير مضمون، ويتطلب جهداً كبيراً للحصول عليه. لذلك تطور الدماغ البشري بطريقة تجعل الأطعمة الغنية بالطاقة، مثل العسل، والدهون الحيوانية، والفواكه الناضجة، ذات قيمة هائلة للبقاء. ولهذا طوّر الدماغ أنظمة مكافأة (reward centers) قوية تدفع الإنسان إلى استهلاك الأطعمة عالية السعرات كلما أصبحت متاحة.

فعندما نتناول أطعمة غنية بالسكر، أو الدهون، أو الملح، أو الكربوهيدرات المكررة، يفرز الدماغ مادة الدوبامين، وهي ناقل عصبي مرتبط بالمتعة، والتحفيز، والتعلّم، وتعزيز السلوك. والدوبامين لا يمنح الإحساس بالمتعة فقط، بل يعلّم الدماغ تكرار السلوك الذي أدى إلى المكافأة.

في الماضي، كان هذا نظاماً مفيداً للبقاء. ففي عالم تسوده المجاعة وندرة الغذاء، كان الأشخاص الذين تستجيب أدمغتهم بقوة للأطعمة الغنية بالطاقة أكثر قدرة على النجاة والتكاثر. لكن المشكلة أن الأطعمة فائقة المعالجة الحديثة باتت تخترق هذه الدوائر العصبية القديمة بدرجة غير مسبوقة.

إعلان

الإنسان اليوم لم يعد يصادف خلية عسل بين الحين والآخر، بل يعيش محاطاً على مدار الساعة بأطعمة مصممة صناعياً لتحقيق أقصى درجات الاستساغة المفرطة، عبر المزج الدقيق بين السكر، والدهون، والملح، والقوام، والرائحة، والإحساس داخل الفم، بما يؤدي إلى تحفيز مفرط لمراكز المكافأة في الدماغ.

إنها ببساطة مواجهة بين بيولوجيا العصر الحجري وصناعة غذائية بمليارات الدولارات.

الأطعمة فائقة المعالجة الحديثة باتت تخترق الدوائر العصبية في الدماغ بدرجة غير مسبوقة (بيكسلز)لماذا يؤثر السكر بقوة على الدماغ؟

يُعد السكر من أكثر المواد الغذائية قدرة على تنشيط أنظمة المكافأة العصبية. فقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ أن الأطعمة السكرية تنشط مناطق مرتبطة بالمكافأة والتحفيز، مثل النواة المتكئة والمنطقة السقيفية البطنية، وهما جزءان أساسيان من نظام الدوبامين المعروف بالمسار الميزوليمبي. ومع التعرّض المتكرر للأطعمة فائقة التحفيز، قد تبدأ هذه الدوائر العصبية في التغير تدريجياً.

بعض الباحثين يرون أن الإفراط المزمن في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة قد يؤدي إلى تغيرات عصبية تشبه تلك التي تحدث في الإدمان على المخدرات، مثل زيادة الرغبة الشديدة، وتراجع الحساسية للمكافأة، والأكل القهري، والاستمرار في تناول الطعام رغم العواقب الصحية الخطيرة مثل السمنة، والسكري، والكبد الدهني، وأمراض القلب والشرايين.

وقد قدّمت الدراسات على الحيوانات ملاحظات مثيرة للاهتمام؛ إذ أظهرت بعض القوارض التي تعرضت للسكر بشكل متكرر سلوكيات تشبه النهم الغذائي وأعراضاً شبيهة بالانسحاب، إلى جانب تغيرات في أنظمة الدوبامين.

ومع ذلك، لا يزال العلماء حذرين من المساواة المباشرة بين إدمان الطعام وإدمان المخدرات، لأن الطعام ضروري للحياة، والإنسان لا يستطيع الامتناع الكامل عن الأكل كما يفعل مع المواد المخدرة. لكن كثيراً من الباحثين باتوا يعتقدون أن بعض الأطعمة فائقة المعالجة قادرة بالفعل على إحداث سلوكيات شبيهة بالإدمان لدى بعض الأشخاص الأكثر قابلية لذلك.

الأطعمة فائقة المعالجة لها تأثيرات تشبه الإدمان على المخدرات (شترستوك)صناعة الأغذية تفهم الدماغ أكثر مما نعتقد

تستثمر شركات الأغذية مبالغ هائلة لفهم السلوك البشري وآليات المتعة والمكافأة الحسية. فالمهندسون العاملون في تطوير الأغذية يعملون على الوصول إلى ما يُعرف بـ"نقطة النشوة"، أي المستوى المثالي من السكر والملح والدهون الذي يحقق أقصى درجات المتعة مع أقل قدر ممكن من الشبع.

كما تُصمم كثير من الأطعمة فائقة المعالجة بحيث تُستهلك بسرعة، مع قوام طري أو مقرمش، ونكهات تنفجر سريعاً داخل الفم، مما يسمح بتناول كميات كبيرة قبل أن تصل إشارات الشبع إلى الدماغ. حتى الأصوات، والروائح الصناعية، وطريقة الذوبان داخل الفم، والإعلانات المكثفة، كلها عناصر تُستخدم لتعزيز الاستهلاك.

وفي كثير من الأحيان، تبدو البيئة الغذائية الحديثة وكأنها هجوم عصبي مستمر على دوائر المكافأة القديمة داخل الدماغ.

ويزداد الأمر خطورة عندما يتعلق الأمر بالأطفال، لأن أدمغتهم تكون أكثر حساسية للتعلّم المرتبط بالمكافأة، وقد يؤدي التعرض المبكر والمتكرر للأطعمة فائقة الاستساغة إلى تشكيل تفضيلات غذائية وسلوكيات طويلة الأمد.

يمكن للتوتر المزمن أن ينشط الأكل العاطفي (أدوبي ستوك)الرغبة الشديدة ليست مجرد ضعف إرادة

من أكثر الأفكار المضللة شيوعاً اعتبار السمنة أو الإفراط في الأكل مجرد فشل في الانضباط الشخصي. في الواقع، يتشكل السلوك الغذائي عبر تفاعل معقد بين البيولوجيا، والبيئة، والضغط النفسي، والنوم، والهرمونات، والعواطف، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والثقافة، وتوفر الطعام. فحتى قلة النوم وحدها قد تزيد من هرمونات الجوع وتعزز الرغبة في الأطعمة السكرية والدهنية.

إعلان

كما يمكن للتوتر المزمن أن ينشط الأكل العاطفي، في حين قد تؤثر حالات الاكتئاب والقلق في حساسية الدماغ للمكافأة. وفي الوقت نفسه، غالباً ما تكون الأطعمة فائقة المعالجة أرخص ثمناً، وأسهل وصولاً، وأكثر عرضة للإعلانات المكثفة مقارنة بالخيارات الصحية.

ولهذا فإن اختزال المشكلة في ضعف الإرادة يتجاهل التعقيد البيولوجي والبيئي الحقيقي وراء الإفراط في الأكل.

هل بعض الأشخاص أكثر عرضة من غيرهم؟

ليس الجميع يستجيبون للطعام بالطريقة نفسها. فالعوامل الوراثية قد تؤثر في قابلية الشخص للسمنة، والأكل الاندفاعي، والحساسية للمكافأة، والإصابة بالأمراض الأيضية. وقد يمتلك بعض الأشخاص استجابة دوبامينية أقوى لمحفزات الطعام، أو إشارات شبع أضعف، أو حساسية أكبر للأكل المرتبط بالتوتر.

ربما يفسر ذلك لماذا يستطيع بعض الناس تناول الأطعمة فائقة المعالجة أحياناً دون مشكلات كبيرة، بينما يعاني آخرون من رغبات مستمرة وسلوكيات أكل قهرية.

كما تشير أبحاث حديثة إلى أن النوم، والميكروبيوم المعوي، والتغذية المبكرة، والصدمات النفسية، والبيئة الاجتماعية قد تؤثر جميعها في سلوكيات الأكل وآليات المكافأة في الدماغ.

التغذية المبكرة، والصدمات النفسية قد تؤثر جميعها في سلوكيات الأكل وآليات المكافأة في الدماغ (بيكسلز)المشكلة أكبر من المسؤولية الفردية

لا يمكن فهم الارتفاع الهائل في معدلات السمنة والسكري والكبد الدهني من خلال فكرة الاختيار الشخصي وحدها. فالإنسان يعيش اليوم في بيئة مليئة بأطعمة رخيصة، وعالية السعرات، ومصممة بعناية لتجاوز أنظمة التحكم البيولوجية التي تطورت في ظروف مختلفة تماماً.

وهذا لا يعني أن الإنسان بلا مسؤولية أو عاجز تماماً، لكنه يعني أن القضية أعقد بكثير من مجرد "كُل أقل وتحرك أكثر".

ولهذا يرى كثير من خبراء الصحة العامة أن الحلول الحقيقية يجب أن تشمل تغييرات أوسع في السياسات الغذائية، والتعليم، والتخطيط الحضري، وتنظيم الإعلانات، والتغذية المدرسية، والعدالة الاجتماعية، ومحاسبة صناعة الأغذية.

لم تعد المعركة مجرد معركة شهية، بل أصبحت معركة علم أعصاب.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الأطعمة فائقة المعالجة المکافأة فی فی الدماغ قد تؤثر

إقرأ أيضاً:

الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد الرئيس النمساوي ألكسندر فان دير بيلين أن العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما يشهده المجتمع الدولي من أزمات متلاحقة وتحديات متزايدة على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية.

وقال الرئيس النمساوي، في تصريح له اليوم الثلاثاء في فيينا، إن المرحلة الحالية تتطلب دعم الدبلوماسية وتعزيز مبادئ التعددية الدولية، باعتبارها الأدوات الأكثر فاعلية للتعامل مع الأزمات العالمية وحل النزاعات بعيدًا عن التصعيد.

وشدد فان دير بيلين على أن النظام الدولي القائم على التعاون متعدد الأطراف يجب الحفاظ عليه وتقويته، مؤكدًا أن الأمم المتحدة تظل الإطار الأساسي الذي يجمع دول العالم لمعالجة القضايا المشتركة مثل السلام والأمن والتنمية المستدامة.

وأشار إلى أن التحديات الراهنة، بما في ذلك النزاعات المسلحة والتغير المناخي والأزمات الاقتصادية، تتطلب تنسيقًا دوليًا أكبر وتعاونًا أعمق بين الدول، بدلًا من الانعزال أو سياسات الأحادية.

وأضاف أن دعم المؤسسات الدولية ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة لضمان استقرار النظام العالمي وحماية مصالح الشعوب، لافتًا إلى أن غياب التعددية قد يؤدي إلى مزيد من التوترات وعدم الاستقرار.

واختتم الرئيس النمساوي تصريحاته بالتأكيد على التزام بلاده بدعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز دور الأمم المتحدة، والعمل على تقوية الحوار بين الدول، بما يسهم في بناء عالم أكثر استقرارًا وتعاونًا.

مقالات مشابهة

  • الهاتريك في كأس العالم.. قائمة أكثر اللاعبين تسجيلًا للثلاثيات
  • محافظ البحر الأحمر يوجه بنقل مصنع تدوير المخلفات ومحطة المعالجة بالغردقة
  • علماء يبتكرون علاجا واعدا لالتهاب الدماغ المرتبط بالتقدم في السن
  • ما الأطعمة الممنوعة عن «مرضى السكري»؟
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • الرئيس النمساوي: العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى
  • لماذا حظرت اليابان استيراد المانجو من الهند؟
  • كيف يمكنك الوقاية من مرض جفاف العين الشديد؟
  • بمواصفات فائقة.. إطلاق هاتف Xiaomi 17 Max الجديد في الخارج
  • الإسكان: أكثر من 800 ألف وحدة ضمن «سكن لكل المصريين» خلال 12 عامًا