سودانايل:
2026-07-24@13:08:05 GMT

أين توارى مفتاح شفرة حرب السودان؟

تاريخ النشر: 3rd, December 2024 GMT

أين توارى مفتاح شفرة حرب السودان؟

Who Conceals the Cipher Code of Sudan War?

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي – مركز مأمون بحيري، الخرطوم

السودان مرتع لأسواء كارثة إنسانية في العالم:
وصلت الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب في السودان إلى مستويات كارثية، حيث أثرت أبعاد متعددة على الملايين حيث فقد 150 ألف سوداني حياتهم.

ونزح أكثر من 11 مليون شخص داخل السودان، بما في ذلك 9 ملايين نازح منذ أبريل 2023. وفر ما يقرب من 2.5 مليون شخص إلى الدول المجاورة كلاجئين. ويواجه 25.6 مليون شخص (أكثر من نصف السكان) جوعًا حاداً. ويعاني 18 مليون شخص من مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. كما أثرت الحرب كارثياً على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، حيث أن 80٪ من المرافق الصحية في المناطق المتضررة من النزاع بالكاد تعمل أو دمرت. وتفشت الأمراض المميتة بما في ذلك الكوليرا وحمى الضنك والملاريا، حيث يفتقر الملايين إلى الوصول إلى مياه الشرب الآمنة. وهناك تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي والقتل. وقد وجهت اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي ضد الجيش والدعم السريع. ويزداد كل هذا تعقيداً بسبب الصعوبات المتزايدة التي تواجه العمل الإنساني في السودان، حيث تم تصنيف البلاد على أنها تعاني من قيود شديدة (5 من 5) على وصول المساعدات الإنسانية. ويتطلب هذا الحجم والتعقيد للأزمة الإنسانية في السودان مشاركة دولية متعددة الأوجه واستجابة سريعة منسقة لمنع المزيد من التدهور وفقدان الأرواح.

الديناميكيات الجيوسياسية الدولية المتشابكة في حرب السودان:
أدى تورط الجهات الدولية والإقليمية الفاعلة في حرب السودان إلى تعقيد الجهود الرامية إلى حل الأزمة، حيث أدت المصالح العالمية المتنافسة إلى إطالة أمد الصراع. وقد كشف تواصل الحرب عن تراجع نفوذ الفاعلين الغربيين التقليديين مرحلياً وبرز الدور المتزايد للقوى الإقليمية في تشكيل واقع السودان أثناء الحرب ومستقبله بعدها. وحوَّلت هذه الشبكة المعقدة من المصالح العالمية السودان إلى رقعة شطرنج جيوسياسية مركبة تستغل فيها المصالح العالمية الوكلاء الإقليميين الذين يستغلون بدورهم وكلاءهم المحليين لممارسة القتل والتدمير. فقد دعمت روسيا بواسطة مجموعة فاغنر وحلفائها في فيلق أفريقيا قوات الدعم السريع بصواريخ أرض-جو وأسلحة أخرى عبر قواعدها في ليبيا. ولكن منذ وفاة زعيم فاغنر في أغسطس 2023 حوَّلت روسيا دعمها نحو الجيش. كما استغلت روسيا عداء الغرب لإيران وتحالفها معها في سوريا وأوزعت لها تزويد الجيش بطائرات بدون طيار من طراز مهاجر-6.
وفي المقابل غضت أمريكا الطرف عن تزويد الإمارات للدعم السريع بالسلاح والعتاد الحربي. علماً أن أمريكا قد أعلنت في سبتمبر 2024 الإمارات شريكها الدفاعي الاستراتيجي الرئيسي لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا. أما الاتحاد الأوربي فقد اتسم موقفه بالإحجام عن اتخاذ إجراء حاسم لوقف الحرب في السودان بسبب قيام الاتحاد الأوروبي في السابق بإضفاء الشرعية على الدعم السريع وتزويده بالمعدات العسكرية للمساعدة في كبح جماح الهجرة الإفريقية لأوروبا، مما قوَّض قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل كوسيط محايد وفاعل لوقف الحرب. كما اتسم موقف الاتحاد الأوروبي من حرب السودان بالضعف واللامبالاة، حيث لم تسفر التصريحات والاتصالات الأوربية عن إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
ومن ناحية أخرى، فإن القرار الأخير الذي اتخذته تشاد في أكتوبر 2024 بإنهاء اتفاقية التعاون الدفاعي مع فرنسا له تداعيات كبيرة على حرب السودان. ذلك أن العلاقات الفرنسية المتوترة مع تشاد قد تؤدي إلى تعقيد تسليم المساعدات الإنسانية إلى السودان عبر تشاد خلال معبر أدري. وقد يشير ابتعاد تشاد عن فرنسا إلى إعادة تنظيم إقليمي أوسع نطاقاً يشمل روسيا وإيران والإمارات، مما قد يؤثر على الجهود الدبلوماسية لحل الصراع في السودان. ومع تضاؤل الدعم العسكري الفرنسي، قد تكون هناك تحديات متزايدة في إدارة الحدود بين تشاد والسودان، وهو أمر بالغ الأهمية للسيطرة على انتشار الصراع وإدارة تدفقات اللاجئين.
أما بالنسبة للصين فقد اتسم موقفها من الحرب السودان بالحذر وعدم الرغبة في التدخل المباشر رغم اهتمامها برواسب الذهب الهائلة، والموقع الاستراتيجي لمدينة بورتسودان على البحر الأحمر وأهميته الكبيرة لمبادرة الطريق والحزام الصينية. بيد أن موقف الصين المحايد ربما يمهد الطريق لدور وساطة تلعبه بكين، ولكنه قد يولد أيضاً منافسة مع الجهات الفاعلة الدولية والإقليمية، مثل الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وإسرائيل والإمارات، مما يترتب عليه تكاليف سياسية كبيرة. وعلى الرغم من هذه الاعتبارات، فإن احتمال مشاركة الصين كوسيط سلام يظل وارداً نظراً للتطور المتزامن في السياسة الخارجية الصينية المتمثل في رسم نظام عالمي لا يهيمن عليه الغرب.

الروافع الإقليمية والمحلية للحرب:
لعبت الجهات الفاعلة الإقليمية، بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، دوراً رئيسياً في تفاقم حرب السودان. ورغم أن هذه الدول تتقاسم هدفاً مشتركاً يتمثل في منع السودان من إقامة حكومة مدنية وديمقراطية بعد الإطاحة بنظام الإنقاذ المستبد، فإن المصالح الفردية للدول الفاعلة الإقليمية وأجنداتها المتباينة ساهمت بشكل كبير في الصراع الحالي، حيث اختارت هذه الدول دعم جانب واحد على الآخر من أجل خدمة مصالحها الخاصة التالية:
1. شواغل مصر الأمنية والاقتصادية:
أخذت مصر موقفاً ثابتاً لمناهضة قيام حكومة مدنية، ناهيك عن حكومة ديمقراطية، في السودان. ونتيجة لذلك دعمت مصر الفصيل العسكري داخل المجلس العسكري الانتقالي بقيادة البرهان وحميدتي لإضعاف المكون المدني، وساندت الانقلاب على حكومة حمدوك في أكتوبر 2021، الذي عطل الانتقال المدني الديمقراطي ومهد للحرب الحالية. وعندما تصاعد الخلاف بين البرهان وحميدتي انحازت مصر إلى جانب البرهان باعتباره شريكاً أكثر موثوقية بخلاف حميدتي الذي يتمتع بصلات قوية مع الإمارات، مما يجعله أقل رغبة كحليف من منظور القاهرة. كما تزعم العديد من التقارير أن مصر قدمت طائرات مقاتلة وطيارين لمساعدة الجيش في صراعه ضد قوات الدعم السريع. وذلك فضلاً عن أسر قوات الدعم السريع لسبعة وعشرين جندياً مصرياً كانوا متمركزين في قاعدة مروي الجوية في السودان، وعشرات آخرين متمركزين في أماكن أخرى. وقد أدى هذا المسار المصري إلى تضاؤل تأثيرها على السودان على الرغم من الروابط التاريخية والجغرافية الطويلة الأمد. وتجلى هذا التهميش في استبعادها من الرباعية المكلفة بالإشراف على انتقال السودان - التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبرز هذا التضاؤل أيضاً في اضطرار مصر لطلب المساعدة من الإمارات العربية المتحدة لتأمين إطلاق سراح جنودها الأسرى من قوات الدعم السريع في بداية الحرب.
أما بالنسبة لشواغل مصر الاقتصادية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان نحو 1.5 مليار دولار في عام 2022، بنسبة نمو بلغت 18.2٪. وقد أثرت الحرب سلباً على قطاعات حيوية مصرية مثل مواد البناء والأجهزة الكهربائية والأغذية المصنعة والملابس والمنتجات الزراعية. حيث يمثل السودان مصدراً جوهرياً للغذاء وخاصة لحوم البقر والأغنام، والمنتجات الزراعية مثل الحبوب الصمغ العربي والفول السوداني وزيت الطهي. ونظراً لأهمية الاقتصاد بالنسبة لمصر، فقد غَلَّبَت الاعتبارات الاقتصادية في تحالفاتها في السودان حيث مالت نحو البرهان المدعوم إسلامياً ضد حميدتي المناوئ لهم، رغم عدائها الأيديولوجي السافر مع الإسلاميين داخل مصر.
2. شواغل السعودية الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية:
في أعقاب ثورة ديسمبر 2019، أقامت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية علاقات قوية مع قادة الجيش والدعم السريع. وخوفاً من الانتشار المحتمل للحراك المدني الديمقراطي في المنطقة، ساعدت الدولتان، بمواردهما المالية الهائلة، الجيش في منع إقامة حكم مدني وديمقراطي في البلاد. ومثل مصر، أيدت السعودية والإمارات الانقلاب على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021، على الرغم من الإدانة الدولية. ومع ذلك، فإن كلا البلدين لديهما مصالح مختلفة ومتضاربة أحياناً في السودان. فالسعودية تتمتع بعلاقات قوية وطويلة الأمد مع الجيش بقيادة البرهان بعد البشير لعدة أسباب. أولاً، ترى السعودية البرهان حماياً لمصالحها الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر من المنافسين الإقليميين والدوليين المحتملين، مثل تركيا وإيران والإمارات وروسيا. فضلاً عن تركيز السعودية على أمن البحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي ووضعه كمركز عالمي للتجارة والابتكار والسياحة. ثالثاً، تسعى المملكة إلى حماية استثماراتها الاقتصادية والمالية في مختلف القطاعات في السودان، بما في ذلك الزراعة والطاقة والمياه والصرف الصحي والنقل والاتصالات. ونظراً لأن السودان يتمتع بإمكانات كبيرة للنمو والتنمية في هذه القطاعات، فإن السعودية تنظر إلى استثماراتها فيها على أنها حاسمة لمصالح السودان الاقتصادية ومصالحها الخاصة. وأخيراً، عملت السعودية منذ اندلاع الحرب لتيسير محادثات مباشرة بين الفصائل المتصارعة، بدعم أمريكي بهدف تأمين وقف إطلاق نار دائم ويضع حداً للصراع الدائر في نهاية المطاف. وبغض النظر عن نتائج هذه المحادثات، فإنها تكشف عن رغبة السعودية في الارتباط بمستقبل السودان عن طريق البرهان على الرغم من صلته الوثيقة بالإسلاميين، مما يشير إلى تغليب السعودية لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية على مواقفها الأيديولوجية ضد الإسلاميين في المنطقة.
3. شواغل الإمارات الأيديولوجية والاستراتيجية:
ومن ناحية أخرى، عملت الإمارات على تنمية علاقات قوية مع قائد الدعم السريع حميدتي، حيث اتخذته حليفاً رئيسياً يعزز مصالحها المتنوعة في السودان وجواره الإثيوبي والليبي والتشادي. وتشمل هذه المصالح أولاً، الاعتبارات الأيديولوجية بسعي الإمارات للقضاء على بقايا النظام السابق من الإسلاميين الذين تعتبرهم خصمها المحلي والإقليمي والعالمي الأساسي، حيث عرض حميدتي نفسه كحصن ضد الإسلاميين في السودان وخارجه. وثانياً، تهدف الإمارات أيضاً إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وثالثًا، استثمرت الإمارات في القطاع الزراعي في السودان لتأمين إمداداته الغذائية. واعتبرت الإمارات حميدتي شريكاً موثوقاً لتحقيق هذه الأهداف، حيث قدمت له الدعم المالي والسياسي والعسكري على مدى السنوات القليلة الماضية. ووفقاً لبعض التقارير، قدمت الإمارات لحميدتي، الذي جمع ثروة كبيرة من خلال تجارة الذهب، منصة لإدارة شؤونه المالية وعرضت دعم العلاقات العامة لقوات الدعم السريع. وعلاوة على ذلك، ورد أن خليفة حفتر، الحليف الرئيسي للإمارات العربية المتحدة في ليبيا، يقدم الدعم العسكري لقوات الدعم السريع. وهناك العديد من التقارير التي تشير إلى أن حفتر أرسل الوقود والأسلحة والموارد الأخرى لمساعدة حميدتي ضد البرهان. وظل التحالف بين الإمارات وحفتر وحميدتي عنصراً بارزاً في المشهد الأمني والجيوسياسي في السودان وشمال إفريقيا لعدة سنوات. وعلى خلاف السعودية، فقد غلَّبت الإمارات مواقفها الأيديولوجية حين ارتبطت بحميدتي، على مصالحها الأخرى التي ربما يكون البرهان الأقدر على رعايتها في السودان.
4. شواغل إسرائيل الجيواستراتيجية والاقتصادية:
منذ بداية المواجهة العسكرية بين البرهان وحميدتي، أصاب إسرائيل القلق حول تأثير الحرب على آمال تطبيع العلاقات مع السودان التي أعقبت لقاء البرهان ونتنياهو في عنتبي اليوغندية في فبراير 2020. حيث تُوْلِي إسرائيل أهمية كبيرة لمصالحها في السودان لعدة أسباب تشمل أولاً تأمين معاهدة سلام مع السودان لتوسيع اتفاقيات إبراهيم وتطبيع العلاقات مع الدول العربية الأخرى. ثانياً، من شأن التطبيع مع السودان أن يعزز المصالح الجيواستراتيجية لإسرائيل في البحر الأحمر ومنطقة شرق إفريقيا، وخاصة في منطقة القرن الأفريقي. ثالثاً، يعزز التطبيع نفوذ إسرائيل في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، التي أقامت معها بالفعل علاقات قوية على مدى العقود القليلة الماضية. وأخيراً وليس آخراً استفادة إسرائيل من الموارد الزراعية والطبيعية الوفيرة في السودان. وبعد انضمام السودان إلى اتفاقيات إبراهيم في أكتوبر 2020، تعززت العلاقة بين البلدين بشكل أكبر، حيث زار المسؤولون الإسرائيليون الخرطوم واجتمعوا مع البرهان وحميدتي عدة مرات. ويجدر بالذكر أن كلا الجنرالين أبديا اهتماماً كبيراً بتعميق علاقاتهما مع إسرائيل، كل منهما لمصالحه الخاصة. وبالإضافة إلى ذلك، أقام الموساد الإسرائيلي علاقات قوية مع حميدتي، حيث ورد أن الإمارات رتبت لقاءً سرياً بين حميدتي ومدير الموساد آنذاك مما أثار غضب البرهان في ذلك الوقت. ومن الواضح أن حميدتي حاول إنشاء قنوات اتصال مستقلة مع إسرائيل لتعزيز أجندته في السودان. لذلك، عرضت إسرائيل التوسط بين الطرفين المتحاربين من أجل إنهاء القتال الدائر في السودان. ويبدو أن المسؤولين الإسرائيليين منقسمون بشأن الجانب الذي يجب دعمه، حيث أقام رئيس الوزراء ووزارة الخارجية الإسرائيلية علاقات وثيقة مع البرهان وظلوا يتابعون معه دفع عملية التطبيع. وفي الجانب الآخر، يميل مسؤولو الموساد إلى دعم حميدتي بسبب علاقته القوية مع الإمارات، التي تربطها بالموساد علاقات وطيدة والتي ينظر إليها كحليف مهم في إطار الشراكة الإماراتية-الأمريكية الدفاعية الاستراتيجية الرئيسية لتعزيز التعاون الدفاعي والأمني بينهما في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا.
5. الأدوات العسكرية والسياسية المحلية في الحرب المستعرة:
يخطئ من يظن أن مفتاح شفرة حرب السودان بيد الجيش أو الدعم السريع. فعلى الرغم من أن بداية الحرب تبدو ظاهرياً بينهما لأسباب سياسية سلطوية، إلا أن هذه الحرب مُلْتَبِسة وتشمل شبكة معقدة من الجهات الفاعلة والتحالفات المحلية والإقليمية والدولية التي قادت إلى هذا الواقع الإنساني المفجع الذي يعاني منه جميع السودانيين لقرابة العامين. ويشمل المكون المحلي لشبكة التحالفات المعقدة مجموعات وفصائل مسلحة متعددة تتنافس على السلطة والسيطرة بدعم إقليمي صريح بالوكالة عن دول عظمى مستفيدة من استمرار الحرب في السودان. وتضم الجهات الفاعلة الرئيسية في الحرب الجيش بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي يسيطر على معظم شمال وشرق ووسط السودان، وقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان "حميدتي" التي تسيطر على معظم غرب السودان وأجزاء من وسط السودان ومناطق من العاصمة المثلثة تمتد في الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان. وإلى جانب هاتين القوتين هناك الجماعات المتمردة والميليشيات المختلفة شاملة حركة تحرير السودان وتضم ثلاثة فصائل بارزة (حركة تحرير السودان-مناوي بقيادة مني مناوي، وحركة تحرير السودان-النور بقيادة عبد الواحد النور، وحركة تحرير السودان-تمبور بقيادة مصطفى تمبور). وكذلك حركة تحرير شعب السودان-شمال وتضم فصيلين رئيسيين (الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (الحلو) بقيادة عبد العزيز الحلو، والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال-عقار بقيادة مالك عقار. والحركة الشعبية لتحرير السودان-التيار الثوري الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان. وحركة العدل والمساواة. وحركة تمازج.
ويجدر بالذكر أن هذه الحركات تتوزع بين التحالف مع الجيش أو الدعم السريع أو تظل محايدة. ومن ناحية أخرى تنشط ميليشيات الدفاع عن النفس المستقلة والمليشيات الإسلامية التي شكلها الجيش، خاصة في المناطق التي انهارت فيها سلطة الدولة بسبب عجز الجيش عن توفير قوات المشاة الضرورية في حرب المدن. وخلف هذه الجهات المحلية المسلحة تقف جهات فاعلة إقليمية ودولية تؤثر جوهرياً على الصراع من خلال دعم الفصائل المختلفة عسكرياً للاستمرار في الحرب.
أما الجانب المدني من الفاعلين المحليين فتتصدره قوى الحرية والتغيير التحالف المدني الرئيسي الذي قاد الثورة ضد نظام البشير المستبد، والذي تحوَّل لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) المناهضة للحرب، والكتلة الديمقراطية التي يدعم غالبيتها مواصلة الجيش للحرب. كما تشمل القوى المدنية لجان المقاومة التي قادت النضال الميداني ضد حكومة الإنقاذ الفاسدة حتى أسقطتها في أبريل 2019. وأخيراً هناك الإسلاميين المنقسمين إلى حركة إسلامية مُجَزَّأة، وتيار إسلامي عريض بسبب الصراع على السلطة التي انتزعها منهم الشعب السوداني.
الحاجة لجهود إقليمية ودولية منسقة لاستحواذ مفتاح شفرة حرب السودان.
تسلط هذه الديناميكيات الجيوسياسية الدولية والإقليمية المتشابكة إلى أن الزعم بإمساك السودانيين وحدهم بمفتاح شفرة الحرب ما هو إلا نظرة ساذجة قاصرة عن فهم الأبعاد الجيوسياسية الإقليمية والدولية المؤثرة جوهرياً في إشعال الحرب ومؤازرة ضراوتها. ذلك أن التمادي في هذا المفهوم السطحي هو الذي قاد لتحويل حرب السودان من صراع داخلي على السلطة، إلى حرب بالوكالة يؤججها فاعلون إقليميون، ويهدد فعلياً بانتقال صراع الوكالة لحرب مباشرة ومفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية تتخذ من الأراضي السودانية ساحة لها بحيث يزج بالفاعلين المحليين للصفوف الخلفية للقتال. ذلك أن المفهوم السطحي بحصر الحل في يد السياسيين والعسكريين السودانيين وحدهم قد أدى لضياع مفتاح شفرة حرب السودان بين المصالح والاستراتيجيات المعقدة للقوى الإقليمية والدولية. وقد قاد ذلك بدوره لاستحالة إيجاد حل سوداني حصري للصراع، حيث يتعين الآن مراعاة مصالح هذه القوى الأجنبية والديناميكيات الجيوسياسية الدولية والإقليمية المتشابكة في أي جهود لوقف إطلاق النار ومعالجة تبعات الحرب الإنسانية المفجعة.

melshibly@hotmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الإمارات العربیة المتحدة الإقلیمیة والدولیة الدولیة والإقلیمیة حرکة تحریر السودان قوات الدعم السریع البرهان وحمیدتی الجهات الفاعلة البحر الأحمر على الرغم من علاقات قویة السودان إلى فی السودان بما فی ذلک ملیون شخص فی أکتوبر قویة مع

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • خبيرة تحذر من تجهيز الأبناء للزواج بالكامل : الاعتماد على النفس مفتاح الاستقرار الأسري
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • البرهان يلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الموعد
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية