بريطانيا وميراث الأحقاد والفساد والدماء
تاريخ النشر: 7th, December 2024 GMT
`بريطانيا وميراث الأحقاد والفساد والدماء`*“`
“`
اللواء (م) مازن محمد إسماعيل
▪️قانون المناطق المقفولة في السودان أصدره الاستعمار البريطاني في عام ١٩٢٢م ، وقد فرض القانون قيوداً صارمةً على حركة الأفراد والبضائع والتواصل وخلق قطيعةً بين أجزاء السودان المختلفة ، وهو ما عزَّز من سياسات الفصل الجغرافي والثقافي بين السودانيين ، ومزَّق أوصال الجسد السوداني الواحد ، ودقَّ إسفيناً لتقويض الوحدة الوطنية.
▪️يعتقد أغلب السودانيين أن قانون المناطق المقفولة قد فصل جنوب السودان عن شماله فقط ، بينما الحقيقة أن القانون قد شمل سبع مناطق سودانية ، وهي التي أصبحت تُعرَف حتى اليوم بالمناطق المهمَّشة ، وهي:
١. إقليم جنوب السودان بمديرياته الثلاث (الاستوائية ، أعالي النيل ، بحر الغزال).
٢. منطقة جبال النوبة.
٣. منطقة النيل الأزرق.
٤. إقليم دارفور.
٥. شرق السودان وخص به مناطق البجا.
٦. إقليم كردفان.
٧. مناطق الأنقسنا.
▪️تعمَّد المستعمر البريطاني في سنِّهِ وتطبيقه لسياسة فرِّق تسُد Divide & Rule ومأسستها قانونياً لأن يحقق الآتي:
١. فصل المجتمعات المتباينة عرقياً وثقافياً.
٢. الحد من انتشار الإسلام واللغة العربية في المناطق الناطقة بلهجاتٍ محلية أو غير المسلمة ، وانتهاج سياسة التبشير بالمسيحية.
٣. تسهيل الإدارة البريطانية من خلال تقليل التواصل بين الشمال والجنوب.
٤. تمزيق الوحدة الوطنية ، وتكريس القبلية والمناطقية ، ووأد فكرة الشعور القومي للشعب السوداني.
٥. عزل ثورات مقاومة الاستعمار كالتي انفجرت في جبال النوبة وقبيلة النوير عن أن تجد لها سنداً وطنياً من بقية أجزاء الوطن.
٦. تفريخ بؤر للصراعات الوطنية مستقبلاً بما يسمح له باستمرار تحكُّمه بأطراف اللعبة التي صنعها.
٧. تمكين الاستعمار من صناعة أذرعٍ سياسية واجتماعية واقتصادية في كل جزءٍ من السودان لخدمة سياسات المستعمر أثناء وجوده وبعد مغادرته.
▪️في عام ١٩٤٦م قام المستعمر البريطاني بتعديل القانون ليشمل جنوب السودان فقط ، وذلك للأسباب التالية:-
١. نجاحه بدرجةٍ كبيرةٍ في تحقيق أهدافه بجنوب السودان أكثر من غيره من الأقاليم ، فأراد أن يكرس الفجوة ما بينه وما بين بقية السودان ، ليكون جنوب السودان حاجزاً عن امتداد تأثير السودان ثقافياً وحضارياً إلى قلب إفربقيا.
٢. نجاح الاستعمار بقدرٍ معقول في خلق بؤر مُتخلِّفة تنموياً في المناطق التي عزلها وكرَّس تهميشها لأكثر من عقدين من الزمان.
٣. فشل عمليات التبشير والتغريب الثقافي في بقية المناطق الست الأخرى مقارنةً بما أحرزه الاستعمار في جنوب السودان.
٤. معادلات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي قضت بانتقال كامل السودان من النفوذ البريطاني إلى النفوذ الأمريكي.
▪️يجب أن لا تنسى الأجيال القادمة في عملية إعادة بنائها للسودان على أُسسٍ وطنيةٍ بحتةٍ أن ذلك يستوجب الوعي العميق بميراث الاستعمار من التشريعات والقوانين والمناهج وأساليب التربية والتعليم والمؤسسات والكيانات وحتى العائلات التي صنعها الاستعمار وخلَّفها وراءه فظلَّت تتحكم في حياة الناس وتشكِّل وعيهم وتنبني على اكتسابها رؤاهم ومستقبلهم ، والعمل على معالجة كل ذلك يتطلب من الأجيال القادمة هندسةً عكسيةً دقيقةً لكل مخلفات الاسعمار وميراثه من خلال مشروعٍ وطنيٍّ شاملٍ .. لم تتوفق حكومات العهد الوطني بمجرد التفكير فيه ناهيك عن إعماله ، بل اكتفت (وبكل أسف) بالتماهي مع هذا الميراث ومحاولة توظيفه لصالحها.
▪️همسةٌ لذات الأجيال القادمة في شمال السودان وجنوبه .. عليهم فقط أن يتذكروا بأن اتفاق السلام الشامل ٢٠٠٥م لم يحقق سلاماً لا في الشمال ولا في الجنوب ، ولا حتى بين دولة الشمال ودولة الجنوب ، وأنه كان محض رضوخٍ لمؤامرات دوليةٍ لم تبدأ بوثيقة كامبل بنرمان (١٩٠٥م-١٩٠٧م) ولم تنتهي بالفوضى الخلاقة لتحقيق مخطط لويس برنارد الذي أجازه الكونغريس بالاجماع في جلسةٍ سريةٍ عام ١٩٨٣م (مقالات سابقة) ، وأن هذا الإتفاق عقدته حكومة انقلاب ١٩٨٩م ، ولم يتم فيه استفتاء الشعب السوداني ، وأجاز الاتفاقية برلمانٌ مُعَيَّن وغير منتخب ، والحركة الشعبية لتحرير السودان SPLM/A التي كانت الطرف الآخر من الإتفاق .. هي الأخرى لم تحظى بشرعية تمثيل شعب جنوب السودان ، والذين كانوا يقاتلونها من الفصائل الجنوبية المسلحة أكثر بكثيرٍ من الذين كانوا في صفوفها ، ناهيك عن بقية أهل الجنوب ، وأن امتيازها يومذاك أنها كانت هي قحت/تقدم زمانها بالنسبة للدول الغربية … ولا شك أن كل ذلك يقدح أخلاقياً وقانونياً ووطنياً في شرعية العملية برُمَّتها ، فضلاً عن عملية التزوير المُمنهجة والمكشوفة والمفضوحة التي تمت في عملية الاستفتاء (نسبة ٩٨.٨٣%) ، والتي سكتت عنها الألسن الرسمية والسياسية والشعبية ، ويقيني لو كان هذا الإتفاق جاء به نظام حُكمٍ غير إسلامي ..
لقاتل الإسلاميون في السودان ضد تحقيقه إلى يوم الدين ، ولكنه التعصُّب للمؤسسات والزعماء الذي يُعمي عن القيم العُليا ، ومن عجائب حُجَجِ الاستحمار في السودان أن الذين يقدحون في شرعية حكم الإنقاذ والمؤتمر الوطني في السودان .. هم ذاتهم الذين يستندون على رسوخ شرعية الإنقاذ والمؤتمر الوطني في فصل جنوب السودان وإنشاء قوات الدعم السريع ، فالأزمة أزمة أجيالٍ تشمل الأدبيات والمؤسسات والبيوتات … ومن البليَّات توضيح الواضحات.
*هذا حديث النفس حين تشِفُّ*
*عن بشريتي وتمورُ بعد ثوانِ*
*وتقول لي إن الحياة لغايةٌ*
*أسمى من التصفيق للطغيانِ*
*أنا لستُ أدري هل ستُذكرُ قصَّتي*
*أم سوف يعدوها دُجى النسيانِ*
*أو أنّني سأكونُ في تاريخنا*
*متآمراً .. أم هادم الأوثانِ*
*كل الذي أدريه أن تجرُّعي*
*كأس المذلَّةِ ليس في إمكاني*
*أهوى الحياة كريمةً لا قيد*
*لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان*
*فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزَّتي*
*يجري دم الأحرارِ في شرياني*
*لكِن إذا انتصر الضياء ومُزِّقت*
*بيدِ الشبابِ شريعة القرصانِ*
*فلسوف يذكُرُني ويُكبِرُ هِمَّتي*
*من كان في بلدي حليف هوانِ*
*فإلى لقاءٍ تحت ظِلِّ عدالةٍ*
*قِدِّيسة الأحكامِ والميزانِ إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: جنوب السودان فی السودان
إقرأ أيضاً:
من الصلب إلى المياه.. هل يفتح بيرنهام باب التأميم في بريطانيا؟
أعادت الحكومة البريطانية شركة "بريتيش ستيل" إلى الملكية العامة في 16 يوليو/تموز، قبل 4 أيام من تولي آندي بيرنهام رئاسة الوزراء، لحماية آخر قدرة محلية على إنتاج الصلب الخام وآلاف الوظائف المرتبطة بها.
ومع وصول بيرنهام إلى داونينغ ستريت متعهدا بإخضاع مقومات الحياة الأساسية لرقابة عامة أقوى، تتزايد التساؤلات بشأن ما إذا كانت الخطوة ستمهد لموجة تأميم انتقائية تشمل شركات متعثرة في قطاعات المياه والنقل والخدمات العامة.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4حكومة بيرنهام تخفض الضرائب على فواتير الكهرباء المنزليةlist 2 of 4بيرنهام يرأس اجتماع حكومته الأول ويتعهد بخفض تكاليف المعيشةlist 3 of 4بيرنهام يسمح لأمريكا باستخدام القواعد البريطانية لضرب إيرانlist 4 of 4التضخم بأدنى مستوى منذ 15 شهرا ببريطانيا والحكومة تحدد أسعار تذاكر الحافلاتend of listوتولت الحكومة البريطانية السيطرة الفعلية على شركة "بريتيش ستيل" العام الماضي لمنع توقف فرني الصهر التابعين لها عن العمل، ثم أقر البرلمان في يوليو/تموز الجاري تشريعا يتيح تأميم شركات الصلب لحماية هذه الصناعة الإستراتيجية التي تدخل مخرجاتها في قطاعات مهمة، مثل البناء والدفاع.
وتحدث بيرنهام، الذي كان يتولى منصب عمدة مانشستر الكبرى، عن رؤيته لتحويل قطاعات حيوية تخدم المواطنين إلى الملكية العامة، من بينها شركات المنافع العامة مثل المياه والكهرباء، علاوة على السكك الحديدية.
وقال بيرنهام الشهر الجاري إن "بريطانيا اتخذت سلسلة من القرارات الخاطئة خلال ثمانينيات القرن الماضي"، وذلك في إشارة إلى السياسات التي اتبعتها رئيسة الوزراء المحافظة السابقة مارغريت تاتشر، التي اشتهرت بالتوجه نحو خصخصة الكثير من الشركات العامة.
وانتقد بيرنهام، وفق ما نقلته فايننشال تايمز ، هذه السياسات قائلاً إنها قامت على "مركزية القوة السياسية وخصخصة البنية الأساسية الضرورية"، بخلاف ما يريده بيرنهام من نقل السلطات إلى المدن بدلاً من تركيزها بيد الحكومة في لندن".
لكن بيرنهام شدد على أنه "سوف يكون مناصراً لقطاع الأعمال، كزعيم لحزب العمال، كما كان مناصراً لقطاع الأعمال عندما كان عمدة مانشستر الكبرى"، وفق قوله، مؤكداً ضرورة العمل المشترك لتحقيق الأهداف المنشودة.
أشارت وكالة بلومبيرغ إلى أن هناك شركة كبيرة أخرى قد تكون في طريقها نحو التأميم، وهي شركة "تيمز ووتر" للمياه المثقلة بالديون، والتي تخدم 16 مليون عميل في لندن والمناطق المحيطة بها.
إعلانوتجري "تيمز ووتر" حالياً محادثات مع الدائنين والجهات التنظيمية بشأن خطة إنقاذ. وإذا لم يتم التوافق على هذه الخطة فقد تخضع الشركة للتأميم، ولو لفترة مؤقتة، وفق بلومبيرغ.
في السياق ذاته، نقلت صحيفة تلغراف عن مصادر حكومية الاستعداد لنقل ملكية مجموعة من خدمات الحافلات المحلية إلى الملكية العامة، وذلك استناداً لنموذج كان بيرنهام قام بتطبيقه في مانشستر عندما كان عمدة لها.
وأضافت الصحيفة أن وزيرة الثقافة، ليزا ناندي، تدفع باتجاه تأميم شركة "ناشونال لوتري" ، أو شركة "اليانصيب"، وسط انتقادات لطريقة إدارتها.
وكان بيرنهام تعهد في أول خطاب له أمام مقر رئاسة الوزراء في "10 داونينغ ستريت" "ببناء اقتصاد جديد نعيد فيه إخضاع مقومات الحياة الأساسية لرقابة عامة أقوى".
وقال زياد الهاشمي الخبير الاقتصادي المقيم في لندن للجزيرة نت إنه، حسب الرؤية التي يطرحها بيرنهام، سيكون ثمة توجه للتأميم، ولكن بشكل انتقائي، وليس تأميما شاملا، بمعنى أنه سيبدأ بالشركات المتعثرة في قطاع المنافع العامة مثل المياه. وإذا نجحت الحكومة في إدارة هذه الشركات بشكل فعال فيمكن الانتقال تدريجيا نحو القطاعات الأكبر حجماً مثل الكهرباء.
لكن توجه بيرنهام لزيادة دور الدولة في النشاط الاقتصادي يقابل بانتقادات حادة من أحزاب اليمين التي حذرت من الآثار السلبية على قطاع الأعمال وعلى المالية العامة.
ونقلت صحيفة تلغراف عن روبرت جينريك، المتحدث باسم حزب الإصلاح اليميني المتشدد للشؤون الاقتصادية، أن بيرنهام يركز على "إعادة البلاد إلى حقبة السبعينيات من خلال سيطرة الدولة".
من جانبها، طالبت زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوك في رسالة وجهتها إلى بيرنهام عقب توليه رئاسة الوزراء بتجنب زيادة الضرائب، ورفض ضغوط الجناح اليساري في حزب العمال "الذي يطالب برفع الضرائب بشكل مستمر"، وفق وصفها، لتمويل برامج الخدمات الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، وجه تيم والاس نائب رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة تلغراف انتقادات حادة لمحاولة بيرنهام العودة ببريطانيا إلى حقبة السبعينيات، وفق وصفه، محذراً من أن زيادة عمليات التأميم سوف تزيد الإضرابات التي تستنزف المال العام.
وأضاف والاس أنه ليس من قبيل المصادفة أن الإضرابات بلغت ذروتها في السنوات التي سبقت بدء الخصخصة في عهد تاتشر، حين كان نحو ثلث العمال يعملون في شركات ومؤسسات تمتلكها الدولة.
ويشير الهاشمي إلى أن رجال الأعمال لا يفضلون عادة دخول الدولة بشكل أكبر في النشاط الاقتصادي، علاوة على المعارضة من حزب المحافظين لعمليات التأميم على أساس أنها سوف ترفع الدين العام وتزيد الضغوط على النفقات العامة.
لكن في نفس الوقت هناك تأييد من قطاع كبير في المجتمع البريطاني لتأميم شركات المياه والكهرباء والسكك الحديدية، وفق الهاشمي، بسبب ارتفاع أسعار خدماتها مع تراجع الجودة.
تبقى المشكلة التي تواجه بيرنهام عند تحويل شركات كبيرة، مثل "بريتيش ستيل" أو "تيمز ووتر"، إلى الملكية العامة هي التكلفة الكبيرة التي تتحملها الحكومة لإدارة هذه الشركات، في الوقت الذي تعاني الموازنة العامة في بريطانيا من ضغوط كبيرة، دفعت الحكومة إلى الاقتراض لتغطية النفقات العامة، حتى وصلت قيمة صافي دين القطاع العام حالياً إلى نحو 3 تريليونات جنيه إسترليني ( 4 تريليونات دولار)، وفق صحيفة تلغراف.
إعلانوعلى سبيل المثال تحملت الحكومة البريطانية تكلفة تصل إلى مليون جنيه إسترليني يوميا ( 1.4 مليون دولار) لإدارة شركة بريتيش ستيل منذ أبريل/نيسان 2025، وفق ما نقلته بلومبيرغ عن مكتب المراجعة الوطني في بريطانيا. كما أن مجموعة جينغي الصينية المالكة لشركة "بريتيش ستيل" طالبت بتعويض من الحكومة البريطانية وهددت باللجوء للتحكيم الدولي.
ويوضح الهاشمي أن إدارة الشركات المتعثرة التي تحولها الحكومة إلى الملكية العامة ليست عملية سهلة، إذ تتطلب ضخ استثمارات كبيرة لإصلاح الهياكل المالية وتطوير أعمالها، وقد تلجأ الحكومة لأشكال مختلفة من الملكية، مثل الملكية المشتركة بين القطاع العام والخاص، لخفض العبء المالي على موازنة الدولة.
وأشار الهاشمي إلى أن عملية الخصخصة الواسعة التي تمت في عهد تاتشر كان لها مزايا مثل خفض عجز الموازنة، لكنها خلقت مشكلات كبيرة. ولعل أبرز هذه المشكلات تراجع قطاع الصناعة في مدن شمال إنجلترا، مثل مانشستر وليفربول، مما أدى إلى فجوة كبيرة بينها وبين الجنوب، خاصة في لندن.