عبد الماجد عبد الحميد: أولئك كالأنعام .. بل هم أضل !!
تاريخ النشر: 5th, January 2025 GMT
■ في خطبة اليوم الجمعة من منبر الطريقة السمانية بديم المدينة بمدينة بورتسودان رطّب الإمام دواخل ووجدان المصلين بتطواف ندي من سيرة النبي صلي الله عليه وسلم .. الشيخ الإمام سفيان الخنجر حدّثنا عن قيمة الوفاء في حياة سيد الخلق صلوات ربي وتسليماته عليه وساق لذلك شواهد من صفحات السيرة العطرة وتوقف بنا عند محطات وفائه صلوات ربي وسلامه عليه لأصحابه وأحبابه وزوجاته وحتي لأولئك الذين عبروا سريعاً في لحظات الزمن المطوية لكن سيرتهم تبقي خالدة خلود سيرة سيدنا محمدٍ صلوات ربي وسلامه عليه ومنهم الشيماء التي عايشت النبي صلي الله عليه وسلم أيام رضاعته في حجر حليمة السعدية وحتي تلك المرأة العجوز التي كانت تأتي أهل بيت النبي أيام خديجة رضي الله عنها .
■ استوقفني في خطبة الشيخ موقفان .. أما الأول .. آمل أن يبقي منبر الجمعة في مسجد الطريقة السمانية بعيداً عن خلافات التفسير والتأويل والبرّاني والجُوّاني من قضايا الجماعات والطرق والمذاهب .. في محنةالحرب هذه تناسي الجميع خلافاتهم وتباين وجهات نظرهم ووقفوا متعاضدين لدعم الجيش السوداني في معركة الكرامة .. وهذا وقت التركيز علي تعزيز قيمة التوكُل لا العودة إلي محطة الخلاف في قضية التوسُل !! .. والأخ الشيخ سفيان الخنجر من أهل الفطنة والحصافة التي لا تحتاج إلي مزيد شرحٍ وتطويل !!
■ أما الموقف الثاني فيتعلق بموضوع صغير الذئب الذي أكل الشاة التي أرضعته صغيراً حتي إذا ما قَوِي عُوده نهش أحشاءها وأكل لحمَها ورمي عظمَها وهو المثال الذي ضربه الشيخ لعدم الوفاء لمن أسدي الإحسان إلي الآخرين .. أقول للشيخ الخنجر : لقد ظلمت الذئب الصغير ياشيخ !! .. مما نعلمه أن بعض الحيوانات نزع الله سبحانه وتعالي منها القشرة المخيةالعلوية وهي طبقة خلايا في المخ تنقل رسائل التحذير من الخطر القادم والخوف مما هو واقع .. فأنت تجد ( الخروف) والثور واقفاً يأكل من علفه والثور الآخر بجواره يسبح في دمائه مذبوحاً ..بل تجد كامل القطيع يتابع مراحل ذبح صف الخراف ولا يلتفت ولا يتأثر لأن الخوف منزوعٌ منه بنزع القشرة العلوية من مخه وهي من حِكَم الله البالغة في خَلْقِه .. ويتبع هذا عدم شعور بعض الحيوانات بقيمة ومعني تصرفات أخري .. فصغير الذئب الذي أكل الشاة التي أرضعته لا يعرف قيمة الوفاء لأنها ليست من خلقه ولا طبعه إبتداءاً !!
■ ولكن ماذا يقول الشيخ في بعض رجال ونساء السودان الذين رضعوا من ثدي هذه الأمة وأكلوا خيراتِها وتعلموا في مدارسها وتخرجوا في جامعاتها ومع هذا يقفون صفاً واحداً مع عدو هذا الشعب يحرضونه علي ضرب الأبرياءوالمساكين والعجزة .. ويتحالفون مع عصابات ومليشيات التمرد .. لماذا غابت قيمة الوفاء من هذه ( النوعية ) من أبناء هذا الوطن الجريح ؟!
■ إنهم مخلوقون بكامل طبقة القشرة المُخية العليا .. لكنهم يتصرفون بإثارة رخيصة لا نجدها حتي في الخراف وصغار الذئاب !!
■ أولئك كالأنعام .. بل هم أضل !!
عبد الماجد عبد الحميد
إنضم لقناة النيلين على واتسابالمصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
الشهيدُ أحمدُ الشيبة.. فتى النور الذي اختار طريق الخلود
الأسرة /وفاء الكبسي
في زمنٍ اشتدت فيه الفتنُ وتلاطمت فيه أمواجُ الدنيا، ظهر النورُ من نفسٍ طاهرةٍ وقلبٍ مؤمنٍ. ذلك هو الشهيد أحمد عادل الشيبه، فتىً حمل في صدره حبًّا لله، وفي يده عملًا صالحًا، وفي قلبه إيمانًا لا ينكسر.
في دفءَ ذاكرة الأمِّ تَنسَابُ حكايةُ ابنٍ صنعَ من الهدوءِ تسامحًا، ومن الحنانِ رحمةً، ومن الطيبةِ نبعًا لا ينضب. كانت طفولته لوحةً من الصدق والحياء؛ خجولٌ مؤدبٌ نقيٌّ، وفي شبابهِ كملت ملامحُ الفتى حتى صارَ خلقُه عنوانًا، وسيرتُه مثالًا يُحتذى. لا غرضَ له في أرضِ الناس إلا أن يُحسن، لا دافعَ له إلا أن يُعدِل، لا مقامَ له إلا أن يَبرّ، وأن يكون راجيًا رضا الرحمن.
نشأةٌ على البرِّ والصفاء
نشأ أحمد في بيتٍ حضنه الحنان، وقد زرعت فيه والدته قيمَ الأدبِ والاحترامِ والإحسان. كانت صفاته الطيبة تتسرب كلّما تقدم به العمر؛ خجولًا مؤدبًا، صادقًا نقيًّا، كريمًا لا يعرف للضغينة طريقًا. تعلقٌ خاصٌ جمّ بينه وبين أمه؛ كان لها الحنّةُ والوفاءُ، وهي له ملاذُ الحبِّ والطمأنينةِ.
في زمن الغرس الصغير التحق بالمراكز الصيفية والدورات الثقافية داخل الحي، فزاد وعيه وتعمقت رؤيته. فتفتحت أمامه أبواب العمل في سبيل الله: تنظيم الفعاليات، تأمين احتفالات والمشاركة في المجالس التوعوية، ودوراتٌ ثقافيةٌ شبّت فيه حبُّ الجهادِ وخدمةِ الدينِ والوطن. ومع الدوراتِ العسكريةِ التي اجتازها، نما في قلبهِ يقينٌ بأن هذه المعركةَ معركةُ حقٍ ضدَّ الباطلِ، وأن التضحيةَ في سبيلِ الله طريقُ العزِّ والخلود.
وعيٌ مبكّرٌ وقرارٌ لا رجعةَ عنه
رغم صغر سنه، تميّز أحمد بوعيه وإدراكه لخطورة المرحلة. التحق بدوراتٍ عسكريةٍ وثقافيةٍ تفوَّقَ فيها، ولم تكن الدورات مجرد تدريبٍ جسديٍ بل كانت مدرسةً لصقل النفس وتقوية العزيمة. ومع اكتمال دراسته الثانوية كانت أمامه فرصةٌ جامعية في هندسة النفط، لكنه رأى أن المرحلة حرجةٌ، وأن للواجبِ وجوبًا قبل كلِّ شيء؛ فاختار أن يبقى في ثغر الجهاد، مفضّلًا دوامَ الجهاد على زخارف الدنيا. قال لأمه ذات مرةٍ بكلماتٍ بسيطةٍ : «خليني في الجبهة، فأنا الآن أحقق أحلامي». هكذا رأى الجهادَ حلمًا يعيشُهُ بكل تفاصيله، يجدُ فيهِ السعادةَ والطمأنينةَ.
في ميادين العزِّ
تنقّل الشهيد في ساحاتِ العزة: شبوة، حجة، البيضاء، مكيراس ومارب… وفي كل ميدانٍ كان يزيد من مقدارِ إخلاصه وتفانيه. حضر أكثر من دورةٍ ميدانيةٍ ونفّذ واجباته بإخلاصٍ وحزمٍ وروحٍ عالية. كان يسعى دائمًا للطلعة الأولى، متقدّمًا في الاجتهاد والتعلم والتطوير. تعلّق بروحِ الملازمِ للشهيد القائد حسين الحوثي، وسمع محاضرات السيد عبدالملك سلام الله عليهما فتأثرَ وازداد بصيرةً وإدراكًا لحجم القضية وأبعادها.
قال لأمه ذات يوم بعد أن استمع لمحاضرة السيد القائد عن «خطورة التفريط»: «القضية كبيرة يا أمي».
كلمةٌ صغيرةٌ حملت عمق وعيه وشدة إحساسه بالمسؤولية، فقد أدرك أن معركته ليست معركة حدودٍ أو أرض، بل معركة وعيٍ وإيمانٍ وولاءٍ لله.
شهادةٌ اختارها بقلبٍ طاهر
تنقّل في جبهاتِ العز: شبوة، حجة، البيضاء، مكيراس، مارب… وفي كلِّ ميدانٍ كان يضاعف همّته، ويُحسّن إعدادَه القتالي والروحي، مخلصًا في عمله الإيماني والجهادي. وها هيَ مواجهةٌ في جبهةِ العبدية بمأرب تُسدِّدُ خاتمة السائرين على نهجِ الإيمان؛ فارتقى شهيدًا وهو يرفع يدهُ ويهتف الصرخةَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ — الموتُ لأمريكا»… صدحت روحهُ بأعظمِ معاني الفداء.
تلقى الأهلُ نبأ استشهاده بقلوبٍ راضيةٍ وقناديلِ شكرٍ، فقد كان أحمد يوصي أمه ألا تحزن، وألا تجزع، وألا تلبس السواد، وأن يُستقبل الخبرُ بالفرحةِ والرضاِ والشكر والثبات، وأن تُدفع روحُ الأخِّ إلى مواصلة المسير.
كانت وصيته واضحةً: أن تستمر الراية، وأن يستمر الوطنُ في طريقِ الحق، وأن يُرعى الإخوةُ ويُدفعوا إلى مواصلة المسير. هكذا علّمهم الإسوةَ بالبذلِ والسموِّ على النفس.
معالمٌ من خلقه تحفرها الذاكرة
الحياء والورعُ والصدقُ معه في كلِّ قولٍ وفعلٍ.
البرُّ بالأمِّ وحنانُ القلبِ تجاهها.
التواضعُ واحترامُ الكبيرِ وصلةُ الرحم.
الإخلاصُ والتفاني في العملِ الدعويِّ والتنظيميِّ قبل أن يكون في الميدان.
الروحُ القياديةُ التي لا تَخشى متاعبَ الطريق، بل تنشدُ رضى الرحمن.
خاتمة: وعدٌ وأملٌ
إن رحيلَ أحمد ليس نهايةً لقصةٍ أو نورًا تنطفئ شراعته، بل هو شجرةٌ غرسَها الحقُّ في أرضِ الإيمانِ فتظلُّ خصبًا لمن يَستلهمُ منها العزمَ والصبر.
إنها شهادةٌ لم تَكن مجردَ انطفاءٍ لجسدٍ، بل طلوعٌ لنورٍ لا يَزول؛ فقد عاشَ أحمد بقلبٍ صافٍ، وبعزمٍ مَنَّ الله عليه بهدايةٍ ورؤيةٍ جعلته يطلبُ الشهادةَ ويعدُّها أسمى الآمال.
هنيئًا للشهيدِ مقامُهُ، ولأمِّه صبرُها الذي يَشهد لها بالإيمانِ والرضى.
سيبقى الشهيد أحمد الشيبة فتى النور الذي اختار طريق الخلود، ورمزًا للبطولة والفداء، ومنارةً تُضيء دروب المجاهدين والأجيال.