موسم الحج إلى دمشق.. ما الذي يبحث عنه الموفدون؟
تاريخ النشر: 7th, January 2025 GMT
دشّن الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، بدء موسم حج، عربي ودولي إلى دمشق: وفود من مختلف العواصم القريبة والبعيدة، وعلى مختلف المستويات، اتصالات هاتفية، زيارات أمنية معلنة وسرّية، دعوات للقيادة السورية الجديدة لزيارة هذه الدولة أو تلك، وسباق على من سيظفر بـ"قصب السبق"، ويقطف الزيارة الأولى، ومبالغات في تحميل الأمر، أكثر مما يحتمل من معانٍ ودلالات، وسيظل الحال على هذا المنوال، حتى إشعار آخر، كما تشي دلائل ومؤشرات عدة.
أوراق مختلفة، تتكدس في جَعبة الموفدين، تعكس أولوياتٍ مختلفة للدول والمعسكرات المختلفة، مع ضجيج هائل يغطي هذه الأولويات والمصالح، أو يسعى لتغطيتها.
ولعل حكاية "حقوق الإنسان والأقليات" و"الانتقال الشامل والجامع"، و"أمن سوريا واستقرارها"، تكاد تكون السمة الأبرز، للقنابل الدخانية التي تظلل أجواء الزيارات، وما يعقبها من بيانات ومؤتمرات صحفية، وتغريدات على منصة "X"، ومواقف وتقديرات، تنسب دائمًا لمسؤول رفيع، يفضّل عادةً عدم الكشف عن هُويته.
سوريا دولة محورية بلا شك، وهي تحتل موقع القلب في المشرق العربي و"هلاله الخصيب"، الذي كفّ عن أن يكون "هلالًا شيعيًا" منذ ذاك اليوم. استقرارها مهم للاستقرار الإقليمي، ومن يَفُز بنفوذ فيها، يؤسس لنفسه نفوذًا إقليميًا وازنًا، من يَبنِ منزلًا في سوريا، يبنِ لنفسه منازل كثيرة في جوارها، هكذا كان الحال في العقود الثمانية الماضية، بل وقبلها بكثير، وهذا يفسر بدرجة كبيرة، سرّ الحج إلى دمشق ودوافعه.
إعلانلكن الإقرار بهذه الحقيقة، لا يُغني عن البحث في الدوافع الخفيّة وراء هذا الزحف السياسي والدبلوماسي صوب دمشق، وتفكيك مصفوفة "الأفكار" و"الوصايا" و"النصائح"، حتى لا نقول "الضغوط" و"الشروط المسبقة" التي يحملها الزوار في حلّهم وترحالهم.
عن أي ضمانات وطمأنات يتحدثون؟يمكننا رصد خمسة ضمانات (أو طمأنات)، تبحث عنها الوفود الزائرة وتتصدر أجندة الحراك السياسي والدبلوماسي الكثيف في سوريا وما يحيط بها:
أولًا: نزع "الطابع الإسلامي" عن الحكم الجديد، أو "تخفيفه" إلى أدنى مستوى، بإذابته في بحر "البكائيات على صدر الأقليات" في سوريا، والدعوات "الإجماعية" لانتقال سياسي، جامع وشامل في سوريا.. إذ على الرغم من "كلام الحق" الذي يحيط بقضية المكونات السورية المختلفة، والحاجة لحمايتها وصون حقوقها وضمان مشاركتها المتناسبة، فإننا ننظر بعين الشك والريبة للأهداف المبطنة التي تخفيها الجهات الداعية والمتباكية، وسنبدأ بمواقف الغرب المحمّلة بأبشع صور النفاق والمعايير المزدوجة.لن نذهب بعيدًا في "التاريخ الحديث" للشرق الأوسط، ومسؤولية الغرب الاستعماري عن تفتيت خرائطه، وزرعها بالأفخاخ والألغام، ومنح من "لا يملك أرض شعب بأكمله لمن لا يستحق"، وسنكتفي بآخر فصل من فصول الإنكار لحقوق شعب فلسطين، والشراكة في حرب التطويق والتطهير والإبادة التي ما زال يتعرض لها للشهر الخامس عشر على التوالي، أقول: بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، لم يعد أحد بحاجة لبذل جهد كبير للتعرف على حقيقة أن منظومة حقوق الانسان، بما تستبطن من حقوق للأقليات وقيم للحرية والعدالة، لم تكن في مضمونها سوى سلاح مضّاء، تستخدمه هذه الأطراف، ضد خصومها ومناوئيها، أما أعوانها وحلفاؤها وخدمها، فلكل واحدٍ منه، سبب يجعل "ذنبه مغفورًا".
السيدة الألمانية التي حرصت على استفزاز مضيفيها في دمشق، وبطريقة مبتذلة، وأشهرت في وجوههم سلاح حقوق الأقليات، هي ذاتها الوزيرة التي أباحت للإسرائيليين قتل المدنيين وتدمير البنى التحتية المدنية في غزة، بشكل وقح، ومن دون تورية أو مواربة، وبالصوت والصورة.
إعلانوتصبح حكاية "الأقليات وحقوقها ومشاركتها" في "عملية سياسية شاملة وجامعة"، "نكتة سوداء سمجة"، عندما تصدر عن بعض العواصم والمسؤولين العرب.. كثرة منهم لا تعرف دولهم عمليات سياسية، لا جامعة ولا مجتزأة، لا شاملة ولا منقوصة.
كثرة منهم، لا تحتفظ دولهم بسجل محترم في مراعاة حقوق الإنسان والأقليات، ويخشون "سوريا الديمقراطية"، قدر خشيتهم من "سوريا الإسلامية"، وربما أكثر، وموقفهم زمن "الربيع العربي" وثوراته، ما زال طازجًا في أذهان الشعوب التي انتفضت ذات يوم.
بعضهم على الأقل، بات منخرطًا منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، في ثورة مضادة إعلامية، ليس مستبعدًا أن تكون "أول غيث" انخراطاتٍ لاحقة فيما هو أبعد من ذلك وأخطر، في تكرار لسيناريو تجلت فصوله في "دول الربيع".
الخلاصة هنا، أن "نزع الطابع الإسلامي" عن الحكم الجديد، وتذويبه تدريجيًا على طريق محوه وإزالته، هي "المحطة الأولى" على خريطة طريق لسوريا، يتعين ألّا يكون خط نهايتها: سوريا ديمقراطية.. البدء باستهداف "إسلامية" الحكم، على طريق منع الانتقال الديمقراطي لسوريا، الذي قد يحمل في طياته، بذور انتقالات ديمقراطية، عملًا بمبدأ الدومينو، المجرّب في العالم العربي.
وأرجو ألا يفهم من هذا التوصيف للمواقف العربية والغربية، أن "الديمقراطية" تسير حكمًا في ركاب الحركات الإسلامية، وأن انتصار هذه الحركات، هي المقدمة الضرورية لنجاح الانتقال الديمقراطي، فالتجربة العربية والإسلامية، أشد تعقيدًا من ذلك بكثير، لكنها مسألة أولويات بالنسبة لهذه العواصم، ومراحل متعاقبة، على طريق سبق لهم أن قطعوه في دول عدّة.
ثانيًا: وتلكم أيضًا موضع إجماع، أو شبه إجماع، بين الأطراف المنخرطة في الحراك السياسي والدبلوماسي في سوريا وحولها، وهي ضمان منع إيران من العودة إلى سوريا، والحيلولة دون عودة الأخيرة، لممارسة دور "محطة الترانزيت" في توصيل السلاح إلى حزب الله في لبنان، والتأكد من ألّا تكون دمشق، حاضنة لفصائل العمل الفلسطيني المقاوم، كما حصل في مراحل سابقة. إعلانتلكم أولى الضمانات والطمأنات، التي يسعى الموفدون لانتزاعها من دمشق، أصالةً عن أنفسهم ومصالحهم، ونيابة عن مصلحة إسرائيلية عليا.. ذلكم شرط ومقدمة لانطلاقة جديدة للمسارات الأبراهامية، وهي في الوقت ذاته، متطلب إلزامي، في صراعات المحاور والمعسكرات المتقابلة، وأحسب أن الوفود الغربية، الأميركية بخاصة، هي الأكثر حماسة لانتزاع هذه التأكيدات من الحكم الجديد، مع أنه بحكم ماضيه وبنيته السياسية والفكرية، لا يحتاج لمن يذكّره، بضرورة إبقاء إيران خارج دوائر النفوذ والوجود، في سوريا.
ثالثًا: وهي ليست موضع إجماع، ولا تحظى بالقدر ذاته من الأهمية لدى الأطراف المختلفة، وأعني بها، مسألة الوجود الروسي في سوريا، هنا وهنا بالذات، نرى حماسة أوروبية ظاهرة، ألمانية، بريطانية وفرنسية، بشكل خاص، لـ"تنظيف" سوريا من أي أثر للوجود الروسي، حتى إن إغلاق قاعدتي حميميم وطرطوس، وضع كشرط مسبق، لعودة المياه إلى مجاريها بين دمشق، وكل من بروكسل ولندن وبقية عواصم دول الاتحاد، وإن بقدر من التفاوت من الاهتمام.ألمانيا التي كانت الأكثر صراحة (أو قل وقاحة) في رفضها توجيه الدعم لأي مؤسسة أو جهة سورية، تحمل صبغة إسلامية، كانت الأكثر حماسة لتصفية النفوذ والوجود الروسيين من الشام. أما العرب والأتراك، وهم وإن كانوا لا يبالون كثيرًا بمسألة الدور الروسي في سوريا، فإنهم لن يذرفوا دموعًا على انهيار نفوذ الكرملين، وإن كان بعضهم تعامل مع التدخل الروسي في سوريا 2015، بوصفه عامل استقرار مقابل النفوذ الإيراني "المزعزع للاستقرار" في حينه، إلا أن المشهد تغير اليوم، ولم يعد يُنظَر للعامل الروسي في الأزمة السورية، بذات المنظار.
رابعًا: الدور التركي، بعض العرب، يقول تصريحًا عبر منصّاته الإعلامية، وتلميحًا عبر بياناته الرسمية، إنه لا يريد لسوريا أن تنفك من قبضة "الهلال الشيعي" لتقع بين فكّي "هلال العثمانية الجديدة". إعلانلا يريدون لأنقرة أن تبني لنفسها "منازل عديدة" في سوريا، بعد أن فرغت منازل طهران من ساكنيها، ولا يشفع لأنقرة في هذا السياق، جملة الاستدارات التي استحدثتها خلال السنوات الماضية، صوب القاهرة وعواصم الخليج، بعد سنوات من "حروب الوكالة" على ساحات وميادين عربية عديدة.
معظم، إن لم نقل جميع، الدول العربية، تقيم علاقات "طبيعية" مع تركيا، بعضها يقيم علاقات "دافئة" معها، وبعضها الآخر "أقل من طبيعية".. لكن ثمة "نقزة" عند عدد من هذه الدول، من "البعد العثماني" في السياسة التركية، ومن "الرابط الإسلامي – الإخواني" في علاقات تركيا مع العالم العربي.
وثمة "نقزة" ثانية، ذات طبيعة جيو- سياسية، وجيو- اقتصادية، من مغبة تنامي الدور التركي في الإقليم، على حساب أدوار أخرى، أو "أوهام أدوار" لدول أخرى. مثل هذه "النقزات" لا شك، تُعدّ واحدة من محركات البحث عن دور في سوريا الجديدة.
هنا، ومن باب القراءة الموضوعية، يُسَجل للدبلوماسية العربية، أنها تعلمت من درس إدارة الظهر للعراق بعد سقوط بغداد وصدّامها في العام 2003، وترك بلاد الرافدين نهبًا لفراغ ملأته أطرافٌ ثلاثة: واشنطن وطهران وأنقرة (بدرجة أقل).
المسارعة العربية لتوحيد الموقف في اجتماعات العقبة، وما تلاها من حج عربي صوب دمشق، وعودة الروح للسفارات والبعثات الدبلوماسية العربية في دمشق، وسلسلة الدعوات للقيادة الجديدة لإنجاز زيارات رفيعة المستوى للعواصم العربية، وجسور الإغاثة الإنسانية، تشكل في مجملها، تعاملًا عربيًا مع دمشق، يختلف عن التعامل مع بغداد بعد حرب الخليج الثالثة.
لا يعني ذلك للحظة واحدة، أن العرب الرسميين، باتوا يلتقون اليوم على قلب رجل واحدٍ. تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى.. فبينهم، من هو في موقع الداعم والراعي للتحول الجديد في سوريا، وبينهم من يجهد – دون جدوى – في كبح مشاعر العداء للعهد الجديد، وثمة أطراف أخرى ما زالت تعيد النظر في مواقفها وحساباتها، قلقها يطغى على كياستها الدبلوماسية. لكن مع ذلك، يتعين الانتباه إلى اختلاف دور "العامل العربي" في سوريا 2024 عن العراق قبل عقدين من الزمان، بل وعن دول الأزمات المفتوحة الأخرى: اليمن، السودان، ليبيا ولبنان.
أطراف عديدة، أوسع عددًا ونطاقًا، تخشى عودة تنظيم الدولة والإرهاب الذي ضرب المنطقة بقسوة منقطعة النظير خلال العشرية الماضية. تركيا لديها حساب لم يغلق مع "البي كا كا" و"قسد" و"وحدات الحماية". حتى أوكرانيا لديها حساب مفتوح مع روسيا، وسوريا واحدة من ساحات تسوية هذا الحساب، قبل سقوط نظام الأسد، وبالأخص بعده.
كوريا الجنوبية – في أقصى الأرض- لديها حساب مع شقيقتها الشمالية، وآن أوان تسويته في سوريا كذلك، ولا ندري بعد، ما الذي ستسعى تايوان لتحقيقه، وربما يأتينا بالأخبار، من لم نزودِ.
إزاء كل هذه الطبقات المتراكمة والمتراكبة، من المصالح المتشابكة والمعقدة، الملتقية والمختلفة، في سوريا وحولها، تبدو شعارات من نوع: "حقوق الإنسان والنساء"، "حماية الأقليات ومشاركتها"، "الأمن والاستقرار"، "حياد سوريا"، كلامًا فيه الكثير من الحق، الذي يخفي كثيرًا من الباطل، ويخفي في طياته هذا التنوع والتلاقي والتضارب في الحسابات والمصالح، ويجعل الانتقال السياسي في سوريا، محفوفًا بأخطار تصارع المصالح والتدخلات الخارجية الضارة، بما يملي على القيادة الجديدة، إجادة فن السير على الحبال المشدودة فوق حقلٍ واسعٍ من الألغام، يكون فيه خطؤُها الأولُ، هو خطأَها الأخيرَ، كما يردد، خبراء المتفجرات في درسهم الأول لتلاميذهم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الروسی فی فی سوریا
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.