سنوات من المحاولات اليائسة لجماعة الإخوان الإرهابية من أجل الظهور مجددا في المشهد السياسي تحت أي مسمي، ولكن إرادة الله وقوة الدولة قضت بإبعاد الجماعة الأثمة وإخراجها بلا عودة من الأراضي المصرية. الباحث في شؤون الجماعات الأصولية عمرو فاروق، كشف تفاصيل وكواليس العمل داخل أروقة الجماعة واستراتيجيات التخطيط والحيل التي تلجأ إليها لمحاولة إثبات أنّها على ما زالت على قيد الحياة.

جماعة الإخوان الإرهابية تدرك جيدا قوة الدولة المصرية وتماسك جبهتها الداخلية، بحسب «فاروق»، الذي أكد أنّ الجماعة تعمد إلى إثارة الفوضى ونشر الفتنة في محاولة لإيجاد مساحة عمل لها داخل الدولة، وأنّ المشروع الفكري لمواجهة المتطرفين ضرورة ملحة، خاصة بعد أن عدلت جماعة الإخوان استراتيجيها في ضوء العولمة التكنولوجية، وإلى نص الحوار..

برأيك كيف تحاول جماعة الإخوان استغلال الأزمات الاقتصادية والصحية لإثارة الفوضى ونشر الفتنة؟  

جماعة الإخوان الإرهابية وحلفاؤها من قوى الشر، يرون أنّ الدولة المصرية قوية، وجبهتها الداخلية متماسكة ولا تعيش في طور من التفكك مهما حلت بها الأزمات، ومن ثم الحملات الممنهجة لدعوات النزول والتظاهر مجرد بالونات تمهيدية لا يقصد بها إسقاط النظام السياسي في تلك المرحلة تحديدا، وإنّما تهدف إلى استنزاف مؤسسات الدولة وأجهزتها، فضلًا عن ترسيخ ثقافة التمرد والعصيان في العقل الجمعي، ونشر الإحباط والطاقة السلبية والإيحاء بفشل الدولة ومشروعاتها، وتفكك وانقسام دوائرها الشعبية والجماهيرية، كخطوات تمهيدية لتنفيذ سيناريو «الخريف العربي الجديد».

كيف أثرت الانشقاقات التي شهدها التنظيم مؤخرا على فعاليته؟ وهل ما زال لديهم القدرة على استقطاب عناصر جديدة؟ 

عقب سقوط الجماعة الإرهابية في 30 يونيو 2013، اتجهت لما يسمى بـ«فقه الاستضعاف»، وهي مرحلة يتحول فيها التنظيم من «الخلايا الهيكلية»، إلى «الخلايا العنقودية»، سعيًا في تفكيك الجبهة الداخلية للدولة المصرية، وزعزعة استقرارها عبر 4 مسارات، وهي «الجهاد المسلح، والجهاد السياسي، والجهاد الإعلامي، والجهاد والإلكتروني».

في ظل الارتباك الفكري والتخبط التنظيمي، انتقلت الجماعة فعليًا إلى حالة «التيه» المصاحب للانهيار التام، ما دفعها للتقوقع أو للتعايش مع ظاهرة «الكمون التنظيمي»، معتمدة على استراتيجية «دار الأرقم»، أو ما يطلق عليه «التربية والدعوة السرية»، في محاولة لصناعة تكوينات فكرية جديدة، تعيد من خلالها صياغة الإشكاليات والعثرات التي لحقت بها على المستوى السياسي والاجتماعي والتنظيمي.

كما تحاول الجماعة صياغة خطاب تنظيمي ينتقل من المحلية إلى العالمية، من خلال مجموعة من المؤسسات والأكاديميات المعنية بالتأهيل الفكري، ويتركز دورها في بث خطاب موجه إلى روافدها وقواعدها التنظيمية، فضلا عن مخاطبتها العقل الجمعي العربي، منها على سبيل المثال «معهد منهاج للفكر والثقافة»، الذي تم تأسيسه كمبادرة شبابية من داخل الأردن، ويهتم بنشر الأدبيات الفكرية الإخوانية بين الشباب، عن طريق دورات ثقافية وتربوية، في حال أقرب إلى الجلسات واللقاءات التنظيمية المعروفة تحت مسمى «الأسر والكتائب».

وبالتالي الجماعة تخلت عن أدواتها التقليدية للتأثير في الدوائر المجتمعية المصرية والعربية، تطبيقا لاستراتيجيتها الجديدة تجاه تنفيذ سيناريوهات «أسلمة المجتمعات» إذ لم تعد في حاجة للسيطرة على المساجد والمدارس والجامعات والنقابات المهنية، والأندية الشبابية والرياضية، لا سيما في ظل الوعي الأمني والشعبي المتعافي تجاه مخاطر جماعات الإسلامي السياسي والحركي.

وإلى أي مدى ترى أنّ الخلاف الداخلي بين قيادات الجماعة أدى إلى تراجع تأثيرها على الساحة السياسية؟

جماعة الإخوان الإرهابية تعيش أسوأ مراحلها التاريخية منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928، غالبية الأزمات التي لحقت بها تدور في فلك الصدام والصراع مع النظم السياسية، في إطار مظلومية استثمرتها في الحصول على مكاسب شعبية وسياسية واجتماعية، لكنها الآن في موضع مختلف تماما بعد أن ضربت الخلافات صفوفها الداخلية وأضحى التمرد التنظيمي بين قواعدها ثمة أساسية، نهاينا عن الارتباك الفكري، وسقوط عباءة القداسة عن القادة الفعليين.

وتجربة وصول الإخوان للحكم وسقوطها المروع ترجمة لدى القائمين على المشروع، أن الجماعة كانت تحرث في الماء على مدار 90 عاما، وأنّ جهدها وخططها في الانتشار والتغلغل داخل المجتمعات العربية تحولت إلى هباء منثور ولم تجن منها شيئًا، لا سيما أنّها خسرت قواعدها التنظيمية، وممتلكاتها ومشاريعها الاستثمارية بسهولة متناهية في إطار المصادرة القضائية، بالتوازي مع تفكك حواضنها الفكرية في عمق الشارع العربي.

وحالة السقوط المحيطة بالجماعة وعناصرها، دفعت القائمين عليها للتفكير في تمرير استراتيجية الانتقال من خانة «الهيكل التنظيمي» التي وضعها حسن البنا، إلى ساحة «التيار الفكري» الجارف، والتخلص نهائيا من عبء التنظيم، الذي يعتبر حائلا أمام التماهي مع قضايا واشكاليات المجتمع دون بناء جدار تنظيمي عازل، على غرار التيارات السلفية التي تتحرك بحرية تامة دون خسائر بشرية أو مادية.

وربما تأتي هذه الخطوة كمحاولة لتفادي الانهيار التام أو الهروب من جحيم النسيان، عن طريق تمرير سيناريو الإغراق الديني المتطرف في جنبات المجتمعات العربية، من خلال الأكاديميات والمنصات المؤدلجة، وفق مشروع إحياء تيار «الصحويون الجدد»، القائم على التمدد الفكري دون الغطاء التنظيمي، لكني في ظني أنّ هذه الخطوة لن تفلح في عودة الجماعة أو مشروعها مرة ثانية في ظل الوعي المجتمعي، فضلًا عن اعتماد الجماعة تاريخيًا على فكرة الاستقطاب والتجنيد التنظيمي، وإدارة الجماعة وفقًا لضوابط هرمية، تمكنها من التحكم المطلق في قواعدها التنظيمية.

في رأيك، ما هي الأسباب الحقيقية وراء فشل جماعة الإخوان في تحقيق أهدافها رغم مرور عقود على تأسيسها؟ 

ثمة شواهد متعددة وثقت فشل جماعة الإخوان الإرهابية في الانتقال من «فقه التنظيم» إلى «فقه الدولة»، منذ وصولهم إلى الحكم وسقوطهم المدوي في يوليو 2013، إذ اعتبروا أنّ الدولة المصرية مجرد شُعبة من شُعب الجماعة، وأنّ مقدراتها وخيراتها خاضعة لتوجهات التنظيم الدولي.

خاصة أنّه عقب وصول محمد مرسي إلى قصر الاتحادية في يونيو 2012، أدركت القوى الشعبية والسياسية، أنّ مكتب الإرشاد هو الحاكم الفعل والمسيطر على شؤون الرئاسة، والمحرك الأساسي للكثير من الأحداث التي شهدتها القاهرة، في ظل تعامل جماعة الإخوان الإرهابية مع الدولة المصرية على أنّها ملكية خاصة، وأنّها الوريث الشرعي لنظام الرئيس الأسبق مبارك.

فجماعة الإخوان لا تمتلك برنامجًا أو مشروعًا سياسيًا لكنها تسير وفق شعارات حول أسلمة الدولة، فضلًا عن أنها تتبنى توجهات فكرية تحقر من المجتمع، وتجعله في مرتبة دونية، وتعتبر الانتماء إليها بمثابة الانتماء للدين، وأنّها متحدثًا عن الله في أرضه، وهذا خلل وانحراف فكري واضح، كما أنّها تأول الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتستنطق منها ما يخدم منطلقاتها الفكرية والتنظيمية والحركية، ما يعني أنّها منفصلة عن الواقع وليس لديها ما يخدم الشأن الداخلي في ظل تعارض مرجعيتها حول مفهوم الدولة مع مفردات الدولة الوطنية والقومية.

وأزمة الأصوليين بشكل عام أنّ تجاربهم في الحكم، لم تتمتع برؤية سياسية حقيقية عن مفهوم إدارة الدولة ومشاريعها، ولم تقتصر سوى على مضامين وشعارات «أسلمة» المجتمعات دون النظر إلى الواقع المحيط بها لمحاولة فهم الطبيعة البشرية ومتطلباتها الحياتية، والدور المنوط بالسلطة دون النظر إلى انتمائها الديني، ويربطون بين مفهوم الدولة الإسلامية المرتكز في حيز الأممية والخلافة، وبين سيادة الله في الأرض، نزوحا تجاه معارضة «الدولة الوطنية» لمفاهيم «الشريعة الإسلامية» التي تمّ اختصارها في سياقات الحكم والسلطة وتطبيق الحدود، متجاهلين مفهوم إنسانية الإسلام وشموليته وعدالته في تحقيق المصالح العامة، مهما تنوعت التوجّهات الفكرية والانتماءات الدينية.

مَن يتباكون الآن على أمجاد دولة الخلافة وعدالتها، هم أول من حملوا السلاح واستباحوا دماء أبناء أوطانهم، وفجّروا مؤسساتها، وانتهكوا محرماتها، واستقووا عليها بأغيارها وأعدائها، فكيف لهم أن يقيموا الحق والعدالة، ويحققوا لها أي تنمية أو استقرار، في حال وصولهم إلى الحكم، رغم أنّ التجارب المعاصرة للأصوليين في السلطة لم يتمخض عنها سوى السقوط في مستنقع الحروب الأهلية الداخلية.

هل شهدت جماعة الإخوان مؤخرا أي تحولات فكرية يمكن وصفها بأنها مراجعات أم أنهم متمسكون بنفس الأفكار المتطرفة؟

الحديث عن قيام جماعة الإخوان بمراجعات فكرية أو حتى سياسية محض خيال، لأسباب متعددة، أنّها لا تعترف بأخطائها، كما أنّها تقلق فشلها على فكرة «المظلومية» والتآمر على قياداتها ومشروعها، وثالثها أنّ الجماعة امتزجت وتوحدت مع الإسلام كدين، وبالتالي تعتبر نفسها أنّها تمثل الإسلام شكلا ومضمونا، وما يصدر عن قياداتها وعناصرها من سلوك حركي وفكري وتنظيمي، لا يمكن انتقاده أو الطعن عليه أو مراجعته، والدليل على ذلك أنّ الجماعة على مدار 90 عامًا تقريبًا لم تجر مراجعة واحدة أو تعترف بأخطائها، وفي مقدمتها أفكار سيد قطب التي تعتبره جزءا أصيلا من منهجها وتوجهاتها، وترى أنّ النخب والعوام لم يدركوا حقيقة هذه الأفكار وحمولها ما لم تحتمل وأنّ قطب كان سابقا لزمانه متأثرا بنهجه البلاغي والأدبي، رغم أن أفكار سيد قطب تمثل منهلا ودستورا لمختلف جماعات العنف المسلح.

حتى كتاب «دعاة لا قضاة» في حقيقته لكم يصدر عن مرجعية أو قيادة تنظيمية أو حركية من داخل الجماعة، ونسب زورًا إلى مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، لكنه في الحقيقة من تأليف الشيخ علي إسماعيل، الذي أراد أن يغسل سمعته ويديه من فكر التكفير، وفقًا للكثير من الأدلة، إذ إنّ صياغته فقهية شرعية، تتفق مع توجهات علماء الأزهر الشريف، وهو ما لم يتناسب مع وضع حسن الهضيبي وفكره إطلاقًا، وتم ذلك بترتيبات مع الأجهزة الأمنية حينها، لوأد انتشار فكر التكفير داخل المجتمع على يد سيد قطب وجماعة الإخوان. ما يعني أنّ الجماعة لم تراجع نفسها ولم تنتفض ضد التكفير والعنف، والدليل على ذلك أنّها ما زالت ترى قدسية أفكار سيد قطب وتدرسها لقواعدها داخل التنظيم.

كما أنّ الحديث عن محاولات دمج تيارات الإسلام السياسي في مشروع الدولة القومية الحديثة، بدلا من مناهضتها، لا يمت إلى الواقع بصلة، في ظل تبنيها استراتيجية الوصول إلى السلطة بوسائلها المختلفة، سواء من أعلى بصدامها مع رأس الدولة وإطاحته، أم من أسفل بالتغلغل في أركان الدولة ومؤسساتها الحيوية والتنفيذية، تمهيدا لمرحلة التمكين خاصة أنّ كل مبادرات الإخوان مجرد كلام في الهواء، ما لم تعلن الجماعة إعلاء قيمة الوطن والمواطنة، والتخلي عن العنف، والتباعد عن العمل السياسي، والتنازل عن مطامعها في الوصول إلى السلطة، والاعتراف بمسؤوليتها عن الدماء التي سالت على الأراضي المصرية منذ يونيو 2013، والاعتراف بمسؤوليتها عن النزعة التكفيرية التي انتابت العقل والمرجعية العربية، والاعتراف بأنّها السبب الرئيسي في إنتاج العشرات من تنظيمات التطرف المسلحة، نتيجة الانحرافات الفكرية والعقائدية التي أسس لها وصاغها كل من سيد قطب وحسن البنا ومنظروها الآخرون.

وعليها كذلك أن تعلن حل كيانها التنظيمي، وتجميد نشاطها، والانصهار في المجتمع المصري من دون أي مشاريع دعوية أو سياسية أو اجتماعية، والانصياع لمؤسسات الدولة ودستورها وقوانينها، وأن تعلن فك التنظيم الدولي تماماً، والتخلي عن مشروع «دولة الخلافة» بناءً على قناعات فكرية وعقائدية وسياسية وقومية.

كيف أثرت التحولات الدولية والإقليمية على وضع الجماعة وأفكارها؟ 

جماعة الإخوان كيان وظيفي يتم استخدامه بما يتوافق مع الأجندات الغربية الاستعمارية التي تعمل على الهيمنة على المجتمعات العربية، لا سيما أنّ ثقافة الاستعمار اختلفت عما كانت عليه، فلم تعد التحركات العسكرية تمثل الباب الرئيسي في السيطرة على الشعوب ومقدراتها، وإنّما التأثير في الهوية الثقافية والفكرية والحضارية، بما يضمن تدمير الشعوب من داخلها وليس من خارجها، وتحقيق الهدف المطلوب وفق أجندة صراع الحضارات التي وضعها صموئيل هنتنجتون، والتي رسم خلالها معارك أمريكا السياسية والفكرية، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، معتبرا أنّ الصراعات لن تكون بين الدول القومية لعوامل سياسية أو اقتصادية أو ايديولوجية، لكن تتمحور حول المواجهات الحضاريّة القائمة على أسس دينيّة وثقافيّة، جاعلا من الإسلام، مصدر التهديد الأول للحضارة الغربية. 

هل تتوقع ظهور جماعات جديدة من رحم الإخوان تحمل نفس الأيديولوجيا ولكن بأساليب مختلفة؟

الإسلام السياسي لم ينته بعد وجماعة الإخوان أحد وأهم روافده على مدار الـ90 عام الأخيرة، وتم استنساخ العشرات من التنظيمات الأصولية المسلحة من رحم جماعة الإخوان، والتي رفعت شعار المواجهة من أعلى وليس من أسفل، أي النيل من رأس الدولة، وليس التغيير من أسفل، أي من داخل طبقات المجتمع لتحقيق الهدف تدريجيا، وظهور كيان حركي جديد يحمل نفس التوجهات ليس مستبعدا، في ظل التعبئة بفكرة المؤامرة على الإسلام وتقديم الانتماء الديني على الوطني، والتركيز على هدم الدولة القومية الوطنية، خاصة أنّ المرحلة الراهنة تمثل مرحلة الانتقال إلى الدويلات، وفقًا لمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي يضمن بقاء إسرائيل الكبرى، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وفق ما نشرته الكثير من وسائل الإعلام ومراكز الفكر الغربي.

معركة الإخوان مع الأنظمة السياسية، والنيل من سمعة ممثليها ورموزها، لم تنتهِ ولن تنتهي في ظل اعتبارهم الصخرة التي تحطّمت عليها أحلام الإخوان في السيطرة على المجتمعات العربية، وقطع الطريق أمامهم في الوصول إلى السلطة، ووضعهم في خانة «الفئة الممتنعة» عن تطبيق الشريعة، وفق ما أرساه منظّروهم الأوائل، أمثال حسن البنا وسيد قطب، ومن حذا خطاهم.

المصدر

المصدر: الوطن

كلمات دلالية: الإخوان جماعة الإخوان تاريخ الإخوان جماعة الإخوان الإرهابية الجماعات الأصولية جماعة الإخوان الإرهابیة المجتمعات العربیة الدولة المصریة حسن البنا سید قطب من داخل

إقرأ أيضاً:

تقني المعرفة أو المثقف الوظيفي وعقدة الإخوان

 رغم دورهم المؤكد في خروج الأغلب الأعم من الحركات ذات المرجعية "الإخوانية" من السلطة بقوة الانقلابات لا بصناديق الاقتراع، ورغم تقاطع مواقفهم السلبية من "الإخوان" مع مواقف ورثة منظومات الاستعمار الداخلي ومحور الثورات المضادة ومِن ورائهم ما يسمونه بالقوى الامبريالية والصهيونية العالمية، فإن الكثير من رموز الثقافة "الحداثية" في تونس مازالوا يُصرون على إنتاج خطاباتهم وشرعنتها من موقع "الديمقراطي الأخير"، بل من موقع الحصن الأخير للمدنية والتنوير والعقلانية ضد التطرف والإرهاب والاستبداد "الديني" المهدد للدولة المدنية، ومازالوا يختزلون أزمات البلاد في وجود "الإخوان" ويرون الخلاص الجماعي في تصنيف هذه الحركة حركةً إرهابيةً لا مكان لها سواء في السلطة أو المعارضة القانونية، ولا تعامل معها إلا باعتبارها ملفا أمنيا-قضائيا لا ملفّا سياسيا.

سنحاول في هذا المقال أن نفكّك البنية الحجاجية لهذا المنطق المعمّم داخل أغلب مكونات "العائلة الديمقراطية" و"القوى الحداثية" التونسية سواء في الحقل السياسي أو في العمل النقابي أو في النشاط المدني انطلاقا من محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: هل إنّ من يشيطن الحركات ذات المرجعية الدينية بصفة عامة ـ وخاصة منها الحركات الإخوانية ـ يؤسس كلامه على معرفة موضوعية أم على صور نمطية وانحيازات توكيدية لا علاقة لها نظريا بدور "المثقف" ولا قيمة لها واقعيا إلا في تثبيت هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي والدفاع عن "الكيان الوظيفي" الذي يسمى مجازا "دولة حرة مستقلة ذات سيادة"؟

لماذا يصرّ "الحداثي" على تضخيم التقابل المرجعي بين "الدولة المدنية" و"الدولة الدينية" ويخفي/يُهمش التقابل الواقعي بين الدولة ـ الأمة وبين الدولة المدنية من جهة آليات الحكم وركائز شرعيته؟هل يعي "تقني المعرفة" الذي يعامل "إعلاميا" معاملة "المثقف" أن موقفه هو مجرد "تَونسة" لموقف أصلي يجد مصدره في موقف الكيان الصهيوني من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومن الحركات الإخوانية داخل دول الطوق (مصر، الأردن، سوريا) باعتبارها الخطر الوجودي الأعظم على الكيان المحتل؟

إذا كانت الحركات الإسلامية لا تقبل التحول إلى حركات "ديمقراطية" بحكم مرجعيتها الدينية، فهل يوجد في تاريخ السرديات الكبرى وأدبياتها ومواقفها قبل الثورة وبعدها ما يبرهن على "ديمقراطية" أصحاب السرديات اليسارية والقومية والليبرالية؟

لماذا يصرّ "الحداثي" على تضخيم التقابل المرجعي بين "الدولة المدنية" و"الدولة الدينية" ويخفي/يُهمش التقابل الواقعي بين الدولة ـ الأمة وبين الدولة المدنية من جهة آليات الحكم وركائز شرعيته؟

لماذا يرفض "الحداثي" مغامرة الشراكة مع "الإخواني" الذي خرج من منطق البديل إلى منطق الشريك ويقبل أن يكون مجرد "كلب حراسة إيديولوجية" لمصالح منظومة الاستعمار الداخلي ورعاتها الإقليميين والدوليين؟

هل يمكن لتقني المعرفة المرتبط وظيفيا بإيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي أن يكون طرفا في بناء أي مشروع للتحرير الوطني أو لبناء مشترك مواطني يتجاوز الأساطير المؤسسة لمنظومة الاستعمار الجديد؟

مهما اختلفت تعريفات "المثقف"، فإنها تتفق كلها على أن من يستحق هذه الصفة ليس بالضرورة ذلك "المتعلّم" الحاصل على أرقى الشهادات الجامعية، بل هو كل شخص يضع معرفته في خدمة المجتمع وليس في خدمة السلطة.

وإذا ما استقرأنا واقع استعمال هذه الصفة في تونس قبل الثورة وبعدها فإنها عادة ما تضاف إلى نوع من "تقنيي المعرفة" (على حد تعبير ميشال فوكو) أي أولئك المتعلمين أو الأكاديميين الذين يضعون وجاهتهم المعرفية في خدمة إيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي وأجسامها الوظيفية.

وهؤلاء لا علاقة لهم بالمحدد المعرفي للمثقف (الانحياز للحقيقة) ولا بما يحدده اجتماعيا (الانحياز لمن هم أسفل) ولذلك لا نرى في الغالب أي أثر للضوابط المعرفية "الأكاديمية" في مساهماتهم المتعلقة بالشأن العام وهو ما يحوّلهم إلى مجرد امتداد للوعي الشعبي أو مجرد انعكاس له لكن بصيغة "متعالمة" مغالطية (سفسطائية). فتقني المعرفة لا يأتي بالجامعة لإصلاح السجال العمومي، بل يستعمل وجاهته المعرفية لخدمة انحيازات إيديولوجية ومصالح مادية ورمزية لا تنفصل عن منظومة الاستعمار الداخلي وعن مصالح محور الثورات المضادة والتطبيع بمكوّناته المعروفة.

رغم نجاحهم في إخفاء المقدمات الكبرى لمواقفهم من "الحركات الدينية" أو "الإسلام السياسي" كما يسمونه اقتداء بمراكز إنتاج المعنى الغربية (وكأنه يوجد إسلام غير سياسي حتى داخل إيديولوجيا السلطة "اللائكية" منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا)، فإن الباحث يستطيع أن يعتبر أنّ مقولة "الاستثناء الإسلامي" هي المقولة الناظمة لكل المواقف الجزئية من "الإسلاميين" ومن دورهم في بناء أي مشروع ديمقراطي. ف"الاستثناء الإسلامي" يعني أن الإسلام في ذاته لا يقبل أن يتعايش مع المرجعية الفلسفية العلمانية للدولة "الحديثة".  ولذلك فإن الموقف من "الإسلاميين" هو في الحقيقة موقف مشتق من الإسلام في ذاته.

 ولا شك عندنا في أن "تقني المعرفة" الذي لا يقبل التفكير من خارج النموذج اللائكي الفرنسي سيجد صعوبة كبيرة في تخيل واقع لا يحكمه شعار "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، كما لا نشك في أن هذا "المثقف الوظيفي" (أي "المتعلم" الذي تمنحه منظومة الاستعمار الداخلي لقب "المثقف" مقابل خدماته الإيديولوجية) لن يتساءل عن الفلسفة السياسية التي تحكم النماذج العلمانية غير اللائكية (مثل النموذج الأنغلو-ساكسوني) وعن إمكانية توظيفها في بناء نموذج سياسي تونس لا يقوم على الإقصاء على أساس الهوية الإيديولوجية.

كثيرا ما ينافح "المثقف الوظيفي" عن أطروحة إقصاء الإسلاميين بكون هؤلاء لا يعترفون بالدولة الوطنية لأن مشروعهم هو مشروع سياسي يتحرك في أفق الأمة، وهو اعتراض صحيح ولكنه مخاتل ولا يدفع به إلى نهاياته المنطقية عند التعامل مع باقي السرديات الكبرى. فباستثناء "البورقيبية" باعتبارها إيديولوجيا الدولة ـ الأمة ـ أي إيديولوجيا الكيان الوظيفي ومنظومة الاستعمار الجديد ـ ، فإن باقي السرديات الكبرى لا تخفي طابعها ما فوق القُطري، ولم تتخلص من هذا الطابع في مواقفها من الواقعين الإقليمي والدولي.

إذا كانت الحركات الإسلامية لا تقبل التحول إلى حركات "ديمقراطية" بحكم مرجعيتها الدينية، فهل يوجد في تاريخ السرديات الكبرى وأدبياتها ومواقفها قبل الثورة وبعدها ما يبرهن على "ديمقراطية" أصحاب السرديات اليسارية والقومية والليبرالية؟فماذا يبقى من هوية اليساري الماركسي أو اليساري القومي إذا ما تخلّصا من المقولات الصلبة للقومية وللماركسية غير خدمة منظومة الاستعمار الداخلي من مواقع نقابية وحقوقية وسياسية؟ وكيف يمكن لوم الإسلامي على بناء مواقفه السياسي على أساس العدو/ الصديق الإيديولوجي ـ رغم أن صديق الإسلاميين في الأغلب هو الضحية والمستهدف بالعنف النسقي من منظومات الحكم "المدنية" ـ، في حين يباح ذلك للماركسي والقومي ـ رغم أن صديقهما هو ممثل منظومة الاستعمار الداخلي والأقليات الطائفية والعسكرية والإيديولوجية وأصحاب الجرائم الممنهجة ضد المواطنين على أساس الهوية-؟

وهل إن "الدولة ـ الأمة" بالمعنى الوستفالي هي "مقدّس" لا يجب التفكير ضده والبحث عن انتظام سياسي مختلف سواء من منظور قومي أو إسلامي أو يساري؟ ولماذا يكون طرح المشروع القومي أو المشروع الأممي غير طاعن في وطنية القائلين بهما في حين يقابل طرح أي انتظام سياسي مختلف من منظور إسلامي بخطابات "التكفير المعلمن" والشيطنة والتحريض على المقاربة الأمنية-القضائية؟

مهما اختلفت المرجعيات الإيديولوجية لـ "تقنيي المعرفة" أو "المثقفين الوظيفيين"، فإنهم يشتركون جميعا في الإعراض عن آخر الأطروحات السياسية خارج الفضاء الفرنكفوني، كما يشتركون في رفض الأطروحات ما بعد الاستعمارية وفي عدم توظيف مفاهيمها التحليلية. فأفضل "تقني معرفة" هو ذلك التلميذ الجيد للمدارس الاستشراقية من الناحية المعرفية، وهو أيضا ذلك الحليف الموضوعي للأطروحات المتصهينة من الناحية السياسية. وهي معطيات تجعله يكثف نقده للحركات الإخوانية ويدعو إلى تصنيفها حركات إرهابية، بينما لا يجرؤ ـ بحكم ارتباطه بمحور الثورات المضادة ـ على مثل هذه الدعوة فيما يخص الحركات ذات المرجعية الوهابية.

فالمال السعودي من جهة، ودور هذه الحركات في تخريب الربيع العربي وارتباطاتها الاستخباراتية المشبوهة من جهة ثانية يمنعانه من ذلك. وبناء على ما تقدم فإنه ينتقد الحركات التكفيرية أو "الجهادية" ولكنه لا يهتم بمرجعيتها العقدية والفقهية ولا يجرؤ على مهاجمة حاضنتها الأصلية(السعودية) أو الدعوة إلى اتخاذ مسافة ديبلوماسية منها على خلاف دعواته المتكررة إلى محاربة مصالح المحور القطري-التركي في تونس. أما "إرهاب الدولة" وتجلياته المختلفة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا فإنه لا يدخل دائرة المفكر فيه عند "تقني المعرفة" إلا في "الفاصلة الديمقراطية" التي كانت النهضة جزءا من منظومة الحكم فيها.

ختاما، لو سلمنا جدلا أو اعتباطا للمثقف الوظيفي بأن الدولة المدنية تتعارض جوهريا مع مشاركة "المسلم الديمقراطي" فيها، فإن عليه أن يبرهن لنا على وجود هذه الدولة المدنية منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا خارج "المتخيل اللائكي" الذي لا مصداق له، أي في تلك المراحل التي عرفت تجانسا إيديولوجيا بين النخب "الحداثية" الحاكمة، وعليه بعد ذلك أن يعطينا محصول هذه الدولة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وقيميا وأن يثبت لنا أننا أمام دولة حرة مستقلة ذات سيادة وليس في حضرة كيان وظيفي مفترق لكل ما بنى عليه سرديته التحديثية، أي عليه أن يقدم لنا معطيات قابلة للضبط الإحصائي كي ندافع معه عن هذه "الدولة المدنية" أمام المخاطر التي تهددها خاصة من "الإخوان" الذين لا ذنب لهم في الحقيقة إلا تأكيد حقيقة أن "الأقليات الإيديولوجية" لا قيمة لها إلا في علاقة التعامد الوظيفي التي تربطها بمنظومة الاستعمار الداخلي، ولا شرعية لها إلا بالاستقواء بأجهزة الدولة الصلبة وبمحور الثورات المضادة.

أما "الديمقراطية" و"الحداثة" و"التنوير" وكل تلك الكلمات الكبيرة التي تدور على ألسنتهم للدفاع عن "النمط المجتمعي التونسي" فليست إلا ترسانة بلاغية متناقضة نظريا وغير متحققة واقعيا، ولا غاية لها إلا تأبيد واقع التبعية والتخلف في منظومة الاستعمار الداخلي، أو ما أسميناه بمنظومة الإذلال المزدوج منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا: إذلال الخارج لمنظومة الحكم غير الشرعية وغير الوطنية، وإذلال هذه المنظومة لعموم المواطنين دفاعا عن مصالح الأقليات الحاكمة وعن خياراتهم الكبرى المتناقضة جوهريا مع الإرادة الشعبية ومع المصالح الوطنية العليا التي يحتكرون الحديث باسمها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • زلزال سياسي في تركيا.. 91 نائباً يغادرون حزب الشعب الجمهوري
  • تقني المعرفة أو المثقف الوظيفي وعقدة الإخوان
  • من دمشق إلى بغداد وبيروت... هل يرسم ترامب طوقًا سياسيًا حول إيران؟
  • محلل سياسي: حالة من التشرذم داخل النظام الإيراني
  • واشنطن تفرض عقوبات على قيادي في الإخوان وكيانات بدعوى تمويل حماس
  • اللواء فؤاد علام: جماعة الإخوان لم تكن تملك قيادات سياسية مؤهلة لإدارة دولة بحجم مصر
  • الخارجية الأمريكية تضع قياديا إخوانيا و 6 أفراد وكيانات إخوانية على قوائم الإرهاب
  • الخارجية الأمريكية: جماعة الإخوان تدير منظمات لدعم الإرهاب
  • واشنطن تفرض عقوبات على مسؤول كبير في جماعة الإخوان الإرهابية
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”