حكومة ميقاتي.. ما لها وما عليها اقتصادياً ومالياً
تاريخ النشر: 8th, February 2025 GMT
كتبت سلوى بعلبكي في"النهار": حكومة ميقاتي، والحق يقال، قامت بما استطاعت من أمور إيجابية، برغم تقصيرها في إنجاز بعض الأساسيات.
لم تأت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بالحلول الجذرية للمشاكل المزمنة والمستجدة التي يعانيها اللبنانيون، إلا أنها برغم التلكؤ في معالجة بعضها، استطاعت الإمساك بالبلاد وقيادة دفتها، على رغم الشغور الرئاسي وحرب "الإسناد" التي شلت الوضع الاقتصادي كليا وخلّفت خرابا ودمارا وتشريدا لربع الشعب اللبناني من بيوتهم وقراهم.
وبالإضافة إلى المعاناة السياسية الداخلية التي أنتجت مقاطعة لجلسات مجلس الوزراء، بقي ابتعاد الدعم العربي والدولي عن مساندة لبنان فعليا والحظر السياسي يقبضان على المساعدات المالية والاقتصادية، باستثناء الإغاثية منها.
بيد أن حكومة ميقاتي، والحق يقال، قامت بما استطاعت من أمور إيجابية، برغم تقصيرها في إنجاز بعض الأساسيات. وأبرز ما أنجزته في الأشهر الأولى لتسلمها مهماتها، هو إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، بما يعطيها الحق في التفاخر بأنها أنجزت الاستحقاق بالحد الأدنى من الانتقادات والشكاوى التي تصاحب عادة أي استحقاق نيابي. واستطاعت الحكومة أيضا استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ونجحت تدريجا في تحقيق استقرار سعر الصرف ومكافحة التضخم المفرط ووقف طباعة الليرة، وتحقيق وفر مالي للخزينة، واستعادة ثقة المجتمع الدولي بالحد الأدنى، على الرغم من عدم تطبيق خطة واضحة للتعافي المالي والاقتصادي.
في المقابل، لم تفلح الحكومة في تحقيق مهمة أساسية ألقيت على عاتقها هي وضع قانون "كابيتال كونترول" وإعادة أموال المودعين بوتيرة سريعة، رغم المجهود الذي بذلته الحكومة لمحاولة التوصل إلى قانون يضمن الحد الأدنى من حقوق المودعين، ولا سيما الصغار منهم، وقد ذكر ميقاتي أن مشروع القانون الذي أعدته الحكومة يشمل إعادة أموال 97% من المودعين. ويتيح القانون المقترح لمن لديه وديعة بـ500 ألف دولار وما دون استعادة 86% من قيمتها تدريجا، وقد تعرّض مشروع القانون للانتقادات وخصوصا من جمعيات المودعين وبعض النواب.
وفي ملف الكهرباء، كان لافتا تحسن الجباية تدريجا، توازيا مع تحسن ساعات التغذية أخيرا، ولكن تبقى مؤسسة كهرباء لبنان في حالة عجز ولديها التزامات يجب تأمينها، وفي مقدمها ثمن النفط العراقي. كذلك فشلت الحكومة في تعيين هيئة ناظمة للكهرباء، وفي توقيع الاتفاق مع مصر والأردن لاستجرار الطاقة بسبب "قانون قيصر" الأميركي.
والواقع أن الكهرباء كانت السبب الأساسي للعجز الكبير في المالية العامة، حيث تم إنفاق نحو 25 مليار دولار على قطاع الطاقة، منها 20 مليارا لمصلحة كهرباء لبنان حصرا، بين عامي 2010 و2021، وفق تقرير التدقيق الجنائي لشركة "الفاريز"، الذي أوضح أن الدولة اللبنانية حصلت على 50 مليار دولار من مصرف لبنان (أي فعليا من الاحتياط الإلزامي للمصارف وأموال المودعين) ذهب نصفها للكهرباء والطاقة منذ 2010 إلى 2021.
وبالعودة إلى الأمور المالية، ووفق الأرقام الرسمية، يتبين أنه عندما تسلمت حكومة ميقاتي مهماتها في 10 أيلول 2021، كان رصيد الخزينة لدى مصرف لبنان حينها قليلا، والعجز كبيرا، وإيرادات الخزينة ضئيلة ويتم استيفاؤها على سعر 1500 ليرة لكل دولار. وكان مصرف لبنان يقوم مرغما بتمويل العجز والدعم وتغطية النفقات عبر طباعة العملة أو استخدام احتياط مصرف لبنان بالعملات الأجنبية لتمويل نفقات الدولة ورواتب القطاع العام، وهو ما تسبب بارتفاع التضخم إلى نسب غير مسبوقة، وتراجع في احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. ومعلوم أن الدعم الذي كان قائما للمحروقات والأدوية والقمح والمواد الغذائية بقرار سياسي من حكومة الرئيس حسان دياب ورئاسة الجمهورية، تم فرضه بالضغط على حاكمية مصرف لبنان. توقف الدعم تدريجا بعد تأليف حكومة ميقاتي، وتحسنت الإيرادات والجباية، فيما تحول العجز في حسابات الخزينة بالتدرج إلى فائض متراكم، بلغ مجموعه في نهاية 2024 نحو ملياري دولار "فريش"، وهذا الفائض هو الأول في تاريخ الحكومات في العقود الثلاثة الماضية. وتاليا استطاعت الحكومة، رغم الظروف الصعبة والعدوان، تحقيق فائض في حسابات الخزينة خلال 3 أعوام يوازي نحو ملياري دولار نقدي، وهو متوافر حاليا في حسابات الخزينة في مصرف لبنان، وقد لقي ترحيبا وإشادة من المؤسسات الدولية، وتاليا تستطيع الحكومة الجديدة أن تباشر عملها ولديها رصيد جيد في مصرف لبنان، تقابله التزامات متعددة.
تحقيق هذا الفائض على عهد ميقاتي، ناتج من إجراءات اتخذتها حكومته وترجمت بالموازنات المدروسة التي تم إقرارها والعمل بموجبها، فتحسّنت الإيرادات والجباية وضُبط الإنفاق، ولكن دون التقصير في الأمور الصحية والتربوية والتقديمات الاجتماعية، بدليل رفع التقديمات المدرسية والتغطية الصحية للموظفين على نحو ملحوظ. كذلك رُفعت الرواتب والأجور في شكل تدريجي ومدروس، والأهم أن هذه الزيادات لم تؤثر على التضخم، وظل سعر الصرف مستقرا منذ عامين، وضُبط التضخم وتم التركيز على استعادة الثقة وتأمين الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وقد بلغ مجموع إيرادات الخزينة عام 2024 ما يوازي 4.1 مليارات دولار، قابلتها نفقات عن العام عينه توازي 3.5 مليارات دولار (من دون احتساب سندات الخزينة المستحقة)، فيما بلغ الفائض المحقق أكثر من 550 مليون دولار نقدي. وكان متوقعا أن يرتفع الفائض أكثر لولا العدوان الإسرائيلي الذي تسبب بخسائر كبيرة أثرت سلبا على الاقتصاد اللبناني، فانعكست انخفاضا في الإيرادات وارتفاعا في النفقات، ولا سيما ما تعلق منها بإغاثة النازحين وإيوائهم.
يشار إلى أن إجراءات المالية العامة التي اتخذتها الحكومة جعلت السيطرة على سعر الصرف واستقراره ممكنة. وقد مكّنت إجراءات الحكومة المالية بالتعاون الوثيق مع مصرف لبنان من تعزيز الاحتياط بالعملات الأجنبية لديه التي ارتفعت من 8 مليارات دولار إلى أكثر من 10 مليارات دولار نقدي خلال أقل من عامين، وعززت إمكانات المصرف المركزي لتحسين الدفعات الشهرية للمودعين، ولو في شكل محدود.
إلى ذلك، نجحت الحكومة في إدارة الأزمات وآخرها العدوان الإسرائيلي المدمر، وذلك ضمن الإمكانات المتاحة، ونجحت نسبيا في المحافظة على مرجعية الدولة وكيانيتها، رغم التأخر الكبير في انتخاب رئيس للجمهورية. كذلك نجحت في وضع المالية العامة على السكة الصحيحة. إلا أن الحكومة لم تبادر، وفي أوقات متفاوتة لم تستطع القيام بالإصلاحات المالية المطلوبة، ولا سيما ما يتعلق منها بالمودعين، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي و"الكابيتال كونترول". وكان لتحقيق الفائض في الموازنة انعكاسات سلبية، ومنها تخفيف الإنفاق على المشاريع الإنمائية والبنى التحتية.
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: ملیارات دولار حکومة میقاتی مصرف لبنان
إقرأ أيضاً:
رهان حكومي على استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية
في خطوة تؤكد الإصرار الرسمي على قرار استئناف تصدير النفط، ترأس رئيس الحكومة شائع الزنداني، الثلاثاء، بالعاصمة عدن، اجتماعًا للجنة العليا لتسويق النفط الخام.
ووفق الإعلام الرسمي، فقد كُرّس الاجتماع لمناقشة الإجراءات التنفيذية للعمل على استئناف تصدير النفط، تنفيذًا للقرار الذي اتخذه مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه الأخير.
واستعرضت اللجنة، بمشاركة محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، الخطوات الفنية والإدارية واللوجستية اللازمة لاستئناف عمليات التصدير، وآليات التنسيق بين مختلف الجهات المختصة، بما يضمن التنفيذ الفاعل والسريع للإجراءات.
رئيس الوزراء أكد بأن الحكومة تتحرك وفق رؤية واضحة لتحويل توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى إجراءات تنفيذية، لضمان استئناف تصدير النفط بكل الوسائل الممكنة، باعتباره استحقاقًا وطنيًا وسياديًا لا يحتمل التأجيل، وحقًا أصيلًا للشعب اليمني في الاستفادة من ثرواته.
وشدد الزنداني على أن عائدات النفط ستوجه لخدمة المواطنين في جميع أنحاء اليمن، وفي مقدمة ذلك الإيفاء بالالتزامات الأساسية للحكومة، وصرف المرتبات، وتحسين الخدمات، ودعم الاستقرار الاقتصادي.
ووجه رئيس الوزراء اللجنة العليا لتسويق النفط والجهات المختصة بسرعة استكمال الإجراءات التنفيذية والفنية، ورفع التقارير الدورية حول مستوى الإنجاز، والعمل بروح الفريق الواحد لتجاوز التحديات، بما يضمن استئناف عمليات التصدير وفق أعلى معايير الكفاءة وحماية المصالح الوطنية.
وشددت مناقشات اللجنة على أن استئناف تصدير النفط يمثل أولوية وطنية وحكومية في هذه المرحلة، باعتباره المدخل الرئيس لتعزيز الموارد العامة، واستعادة التعافي الاقتصادي، وتمكين الدولة من القيام بواجباتها تجاه المواطنين.
مؤكدين الحرص على المواءمة بين التصدير وتلبية احتياجات السوق المحلية ومحطات الكهرباء من المشتقات النفطية، وفق خطط ورؤية واضحة.
وتراهن الحكومة على النجاح في خطوة استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها منذ توقف التصدير جراء هجمات مليشيا الحوثي على موانئ التصدير في أكتوبر من عام 2022م.
وتجلت هذه الأزمة في البيانات التي أوردها التقرير الحديث الصادر عن البنك المركزي اليمني بالعاصمة عدن، حول العام المالي 2025م، وكشف عن تسجيل الموازنة العامة للحكومة عجزًا بنحو 50%.
>> عجز بنحو 50% في موازنة الحكومة للعام الماضي 2025م
وبحسب التقرير، فقد سجلت الإيرادات العامة خلال العام الماضي 1,435 مليار ريال، مقابل نفقات بـ2,773 مليار ريال، وبعجز نقدي قدره 48.2%.
ويعود العجز إلى تدني الإيرادات العامة مع تسجيل صفر إيرادات نفطية للعام الثالث على التوالي، جراء استمرار عملية تصدير النفط، والذي تؤكد الحكومة بأن عائداته كانت تمثل 70% من الإيرادات.
ومع غياب الأرقام الرسمية حول حجم الإنتاج والتصدير النفطي خلال سنوات التصدير السابقة، إلا أن تصريحات تلفزيونية حديثة لوزير النفط محمد بامقاء تقدم أرقامًا تقريبية لذلك.
حيث أشار الوزير في تصريحاته إلى إمكانية إنتاج حالية من حقول شبوة وحضرموت ومأرب تتراوح ما بين 51 ألفًا إلى 63 ألف برميل يوميًا، مع وجود كميات مخزنة في منشأة الضبة النفطية تُقدّر بنحو 1.7 مليون برميل جاهزة للتصدير.
وزير النفط أشار إلى إمكانية زيادة في كميات الإنتاج من الحقول النفطية بنحو 25 إلى 30% في حالة نجاح الحكومة في استئناف تصدير النفط، الذي أكد بأنه تسبب في مشاكل وتحديات فنية بالإنتاج.
ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا جراء التصعيد الأخير في المنطقة، تُراهن الحكومة على حل الأزمة المالية التي تعاني منها باستئناف عملية تصدير النفط، بتحصيل إيرادات أكبر مما كان عليه الوضع قبل وقف التصدير.
ففي حين كان متوسط سعر البرميل قبل وقف التصدير يبلغ 60 دولارًا، يتراوح المتوسط حاليًا عند سقف 80 دولارًا، وهو ما يعني إيرادات سنوية للحكومة من تصدير النفط قد تصل إلى نحو 1.7 مليار دولار، وفق أرقام الإنتاج التي قدمها وزير النفط.