لا تعهِدوا بقصص حياتكم للذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر: 25th, March 2025 GMT
بينما كنت أقوم بتصحيح واجبات الطلبة الجامعيين في مادة الكتابة الإبداعية، مررت بأزمة إيمان عنيفة فيما يتعلق بالمستقبل، أعني مستقبل الدراسة الأكاديمية، ومستقبل الكتابة، ومستقبل التفكير. كنت قد كلفت الطلبة بأن يكتبوا عن هاجس مسيطر عليهم، أو أن يكتبوا قصة حياتهم من منظور أحد الهواجس المسيطرة على الثقافة الجماهيرية.
كشفت شركة (أوبن آيه آي) [OpenAI] في وقت سابق من الشهر الحالي عن نسخة جديدة من إصدار تدريبي يعد -على حد قول رئيس الشركة التنفيذي سام آلتمان على الأقل- «بارعا في الكتابة الإبداعية». ومن غير الواضح بعد متى سوف يتم إطلاق هذه النسخة، لكن بوصفي مدرسًا قديمًا للتأليف لطلبة السنة الأولى فإنني أعرف تمام المعرفة خطورة الغش من خلال الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في فصول تدريس الكتابة بشتى أنواعها. ويمكنني أن أتعاطف معهم ـ بقدر ما. فالطلبة يجدون أنفسهم غارقين، ويدفعهم الذعر إلى اللجوء إلى آلات الانتحال الأدبي. هؤلاء الطلبة أنفسهم أغرقتهم دعايات الذكاء الاصطناعي، وصادفوا بلا شك تغطيات إخبارية شديدة السذاجة مليئة بالمزاعم المضللة عن مدى إعجازية أدوات الذكاء الاصطناعي.ولكن، هل لطالب يدرس الكتابة الإبداعية أن يستعمل الذكاء الاصطناعي؟ وفي فصل مخصص لدراسة كتابة السيرة الذاتية؟ ترى ما الذي يمكن أن تقوله عن حياتك وأنت لا تريد أن تكبد نفسك مجرد عناء التفكير فيها؟
أعرف شخصيا، وقد كتبت عملين سيريّين، التحديات والمسرات الكامنة في هذا العمل، وأود أن يمر طلبتي بتجربتهم مع هذه التحديات هم الآخرون، ففعل كتابة السيرة الذاتية لا يتعلق بمحض قولك «انظروا إليَّ»، إنما هو يتعلق بالأحرى بتقويتك لنفسك وتعريفك لماهيتك، فذلك يجري جزئيا بمعاودة الرجوع إلى التجارب المنهكة بصفة خاصة، وتحليلها من جميع الزوايا، ورؤيتها في صورتها المعقدة، وإعادة سردها. وهذه العملية -ولا أقول هذا بأي قدر من الاستخفاف- تجعل الكاتب يشعر أنه أكثر امتلاء بحياته.
وإيكال أمر هذه المهمة، دون كل مهام الدنيا، إلى آلة عمل محبط إلى أبعد الحدود. والأدهى من ذلك أن يعهد بها إلى آلة تجوب الإنترنت جمعًا لنسخ مزيفة من نفسك، فذلك ليس خيانة للأمانة الأكاديمية وحسب، وإنما هو امتهان لذكرياتنا وإنسانيتنا. ومما يحبط المرء أن يفكر في أولئك الشباب الموهوبين إذ يعهدون لا بعملهم المهني وحده وإنما بقصص حياتهم ذاتها إلى حاسوب.
وليس الطلبة أكثر ما يعنيني. فإغواء استعمال طريق الذكاء الاصطناعي المختصر يمثل عرضا من أعراض ثقافة امتهنت كثيرا قيمة الكتابة وقيمة القراءة على السواء، إلى حد أن يبدو للبعض من طلابي أن الخيار العقلاني حقا هو النأي بأنفسهم عن كليهما.
في أيامنا هذه يزداد كثيرا امتهان الخبرة وتقدير ما يسمَّى بالكفاءة على جميع ما عداها. لكن ماذا لو أن كمال تكوين المرء -وهذا ما أنا مقتنع به تمام الاقتناع- لا يتعلق بتعظيم إنتاجيته وإنما بفهم جوانب عدم الكفاءة والفوضى في الحياة، بل وباحتضانها؟ فكل التعلم في برامج الكتابة إنما يحدث في هذه اللحظات الكفاحية. وهذه المهارات التي يتعلمها الطالب في هذا البرنامج هي المهارات الحيوية، لأن معرفة الظرف الإنساني وفهمه سوف يظلان أمرا جوهريا بعد أن يذوي الذكاء الاصطناعي بزمن طويل.
قد تبدو هذه معركة عبثية، فالسؤال الذي يواجهني أكثر مما سواه في عملي ممن لا علاقة لهم به هو ما إذا كان الطلبة يكتبون أي شيء حقا، والحق أن أغلبهم في حدود ما أرى يكتبون: يكتبون مسوَّدات، وينقحونها، ويتعثرون، ويسهرون الليل ويصابون بالإحباط ويقدمون لي أفضل ما في وسعهم عمله، وهم يفهمون أن سحر السيرة الذاتية إنما يتحقق حينما يتفاعل قارئ مع الوعي الفريد الواقع في الجانب الآخر من الصفحة.
وقد تتعلم أداة الذكاء الاصطناعي كيف تحاكي بالاصطناع المنتج الكتابي النهائي، ولكنها لن تحاكي أبدا روح كاتب أو طريقة إنتاجه لكتابة ذات معنى، فالعملية التي يحل بها عقل فردي متفرد مشكلة ما هي التي تمنح القراء قدرة على التواصل مع ذات شخص آخر، شخص فعلي، وهذه العملية هي التي تشكل جوهر حياة الكتابة والحكي وهي شريان الحياة لكليهما.
أعرف أن مشكلة الذكاء الاصطناعي سوف تتفاقم على مدى السنوات القادمة، في ظل تبني مؤسساتنا للتكنولوجيا لم تثبت جدواها تمام الثبوت، فها هي إدارات الجامعات تعلن دوريا عن شراكات جديدة مع شركات مبتدئة في مجال الذكاء الاصطناعي، وها هم أساتذة يعمدون بنية حسنة -فلعلهم يتخيلون طالبا مثاليا في عالم مثالي، أو أن الأمر لا يعدو أنهم يشعرون أن عليهم أن يجاروا الحداثة- إلى دمج هذه الأدوات في فصولهم، حتى لو أن الطلاب يرون هذه الأدوات محض طرق مختصرة يسيرة.
وليس من شيء تحت سيطرتي حقا بوصفي معلمًا إلا ما أعمله في فصلي. فسوف أظل أدرّس للطلبة، سواء أكتبوا سيرة ذاتية تصبح من أكثر الكتب رواجًا ومبيعًا أم اقتصر أمرهم على الخربشة في دفاتر يومياتهم بين الحين والحين، سأظل أعلمهم أننا قادرون على أن ننجز العمل بأمانة وبجدية قدر استطاعتنا، واضعين أنفسنا وهواجسنا على الصفحة.
ففعل الكتابة نفسه قد يكون فعل حفاظ على الذات، بل وفعل عصيان، وما شرارة الثورة هذه إلا أعظم نقاط قوتنا، وما لهذه الشرارة من وجود إلا في أنفسنا.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
بيتكوين تحافظ على تداولها قرب 65 ألف دولار رغم تبخر 800 مليار دولار من أسهم الذكاء الاصطناعي
حافظت عملة "بيتكوين" الرقمية المشفرة على تداولها بالقرب من مستوى 65 ألف دولار خلال التعاملات الصباحية في آسيا اليوم الجمعة، دون تغير يُذكر.
وتأتي الخطوة في الوقت تبخر فيه نحو 800 مليار دولار من القيمة السوقية لأكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية، في خطوة نادرة أظهرت استقلالًا نسبيًا للعملة المشفرة عن موجة بيع أسهم الذكاء الاصطناعي، بعدما كانت تتحرك بالتوازي معها طوال الشهر، وفقا لمنصة "كوين ديسك" المتخصصة في العملات الرقمية المشفرة.
وجرى تداول "بيتكوين" أكبر عملة مشفرة في العالم عند حوالي 65 ألفا و400 دولار، منخفضة بأقل من 1% خلال اليوم، لكنها مرتفعة بنحو 3% على أساس أسبوعي.
في المقابل، تراجعت عملة "إيثريوم" بنسبة 3% إلى 1879 دولارًا، بينما سجلت معظم العملات الرقمية الرئيسية خسائر، وكانت عملة "دوجكوين" الأسوأ أداءً، إذ هبطت بنسبة 5% خلال اليوم إلى 0.069 دولار، وبنسبة 4% خلال الأسبوع، كما تراجعت عملة "إكس آر بي" بنسبة 2% إلى 1.11 دولار، وانخفضت سولانا بنسبة 3% إلى 76 دولارًا، فيما هبطت عملة هايبر ليكويد إلى 58 دولارًا، منخفضة بنحو 4% خلال سبع جلسات تداول.
ورغم هذه التراجعات، فإنها ظلت محدودة مقارنة بالخسائر الكبيرة التي شهدتها أسواق الأسهم.
وتراجعت أسهم مجموعة السبعة العظماء - الاسم الذي يُطلق على أكبر سبع شركات أمريكية عملاقة من حيث القيمة السوقية والتي قادت صعود الأسهم الأمريكية خلال السنوات الثلاث الماضية - بنسبة 4.8% أمس الخميس، لتفقد نحو 797 مليار دولار من قيمتها السوقية، في أسوأ جلسة لها منذ موجة البيع التي أعقبت الرسوم الجمركية في أبريل 2025، وفقًا لتقارير إعلامية.
وأدى هذا التراجع في البورصة الأمريكية إلى انخفاض مؤشر إس آند بي 500 بنسبة 1.2%، بينما هبط مؤشر ناسداك 100 بنسبة 1.9%، لتصبح المجموعة أقل بنحو 11% من أعلى مستوياتها القياسية المسجلة في أواخر شهر مايو الماضي، مع تبخر نحو تريليوني دولار من قيمتها السوقية.
وكان أحد أبرز أسباب هذا الهبوط هو تصاعد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان تماسك عملة بيتكوين في هذه الجلسة يمثل بداية انفصال حقيقي عن أسهم الذكاء الاصطناعي، أم أنه مجرد تحرك مؤقت.