مع اقتراب الحرب السودانية من نهاياتها وتعقّيدات المشهد السياسي، برزت دعوة منظمة “بروميدييشن” الأوروبية للإسلاميين السودانيين، بمختلف أطيافهم، للمشاركة في حوار سياسي بالدوحة من 11 إلى 13 أبريل الجاري. ورغم أن الدعوة يكتنفها الغموض، فإنها سرعان ما تحولت إلى ساحة لاختبار مواقف الإسلاميين الذين ما زالوا يعيشون حالة من الانقسام الداخلي منذ سقوط نظام البشير عام 2019.

وبين موضوعية الدوافع وتباين الاستجابات داخل المؤتمر الوطني، تتبدى أسئلة جوهرية حول مغزى التوقيت ومآلات هذا المسار، وهي ما نحاول استكشافه في هذا المقال.

اللافت أن الدعوة تزامنت مع تصاعد الدور الميداني للجيش السوداني في التصدي للهجمات التي تشنها مليشيا الدعم السريع، وسط اتهامات مباشرة لدول مثل الإمارات بتوفير الدعم اللوجستي والسياسي لهذا العدوان، وهو ما جعل توقيت المبادرة موضع تساؤل. في هذا السياق بدأ أن تنظيم حوار سياسي في الخارج بينما البلاد تخوض معركة وجودية، يمكن تفسيره كتشتيت للجهود الوطنية، إن لم يكن محاولة لإعادة رسم المشهد على أسس خارجية.

في عمق هذه الديناميكية، جاء الرفض القاطع من قيادة حزب المؤتمر الوطني – التي يمثلها أحمد هارون – للمشاركة في مشاورات الدوحة. الرفض لم يكن انفعاليًا، بل استند إلى جملة من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية، أبرزها أن الحوار وإن كان مطلوبًا، يجب أن يُبنى على أسس وطنية خالصة، وأن يُعقد داخل السودان، بعد إنهاء الحرب واستعادة السيادة الوطنية كاملة. الحزب يرى أن أي حوار قبل نهاية المعركة الحالية سيكون بمثابة اعتراف ضمني بشرعية أمر واقع تصنعه المليشيا وسندها الخارجي.

في المقابل، قبل تيار آخر من الإسلاميين – بقيادة إبراهيم محمود – الدعوة، وسمي ممثلين للمشاركة ما يعكس انقسامًا تكتيكيًا لا فكريًا بالضرورة، إذ أن الطرفين يتبنيان ذات المرجعية الإسلامية، لكنهما يختلفان في تقدير أولويات المرحلة. هذا الانقسام يعيد للأذهان التجربة السورية، حيث تم احتواء الإسلاميين تدريجيًا ضمن ترتيبات دولية، بعد أن جرى عزلهم في بداية الثورة، فهل تسعى القوى الدولية لتكرار هذا النموذج في السودان؟

لغة بيان المؤتمر الوطني نفسه جاءت متماسكة واحترافية، متوازنة بين الشكر لقطر كدولة استضافة، ورفض المشاركة لأسباب موضوعية تتعلق بالزمان والمكان والمضمون. وقد ركّز البيان على أن الدعوة، بصيغتها التي اختزلت الأطراف في “الإسلاميين”، تُساهم في تعميق الاستقطاب، وتطرح الدين كعامل فرز سياسي في بلد متنوع الأديان والثقافات، بينما الأصل – كما يقول الحزب – أن يكون الحوار وطنيًا شاملاً يقوم على المواطنة لا الأيديولوجيا.

الأهم من ذلك، أن الحزب قد طرح في وقت سابق رؤيته لمستقبل السودان عبر “أجندة المستقبل”، التي تدعو لحوار سوداني-سوداني بعد انتهاء الحرب، بما يعكس موقفًا مبدئيًا وليس ظرفيًا من مسألة الحوار. من هنا يمكن فهم موقفه الرافض للدعوة على أنه استمرار في منهجية رافضة لأي تدخل خارجي في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب.

في المجمل فإن دعوة “بروميدييشن” تمثل محاولة لاختبار قابلية التيار الإسلامي للانخراط في هندسة سياسية جديدة في السودان، وهي خطوة، وإن قُرأت في ظاهرها كتحرك نحو السلام، إلا أنها في باطنها تعكس سعيًا لإعادة تموضع القوى الدولية في السودان تحت غطاء الحوار.

من جهة أخرى، فإن منظمة “بروميدييشن” التي تنشط في القارة الإفريقية منذ سنوات، تبدو في نظر بعض المحللين السودانيين أنها تعمل على إتاحة موطئ قدم للقوى الأوروبية – وعلى رأسها فرنسا – في ملفات ما بعد الحرب، عبر بوابة الحوار السياسي. وهذا ما يجعل بعض الأصوات تعتبر المنظمة كتابًا مفتوحًا الأهداف، لا يجهل السودانيون خلفياته.

تُعد منظمة بروميدييشن (Promediation) الفرنسية من الجهات النشطة في مجال الوساطة والحوار المدني في مناطق النزاع، وسبق أن أبدت اهتمامًا ملحوظًا بالشأن السوداني، خاصة بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023. وقد تبنّت المنظمة في مناسبات عدة دعوات لورش عمل ومنتديات سياسية هدفت إلى جمع الأطراف السودانية المتنازعة على طاولة الحوار.

ففي أبريل 2024، رعت المنظمة بالتعاون مع الخارجية السويسرية ورشة في جنيف ناقشت سبل تحقيق وقف إطلاق النار والإنتقال للحكم المدني . كما نظّمت في يناير من نفس العام ورشة بالقاهرة جمعت حركات دارفور برعاية فرنسية-مصرية، لبحث فرص التهدئة في الإقليم. هذا النشاط المتواصل يعكس سعي المنظمة للعب دور الوسيط المحايد أو ربما المنحاز لمجموعة تنسيقية القوى المدنية “تقدم” ، بالنظر لتعقيدات المشهد السوداني السياسي.

دعوة بروميدييشن للإسلاميين السودانيين إلى حوار الدوحة، في هذا التوقيت الحرج، بحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة لا تبدو بريئة ولا معزولة عن السياق الدولي لإعادة تشكيل الخرائط السياسية في دول ما بعد الحرب. وحين تكون الجهة الداعية “ذراعًا ناعمة” للنفوذ الغربي، فإن استدعاء الإسلاميين إلى الطاولة لا يُقرأ باعتباره انفتاحًا عفويًا، بل خطوة محسوبة لاختبار الاستجابات وتشكيل البدائل. فهل هي مجرد صالونات استماع؟ أم بداية إدماج مشروط على الطريقة السورية؟ السؤال الأهم لا يزال معلقًا: لماذا الآن ؟ ولمصلحة من يُعاد ترتيب الأوراق؟
دمتم بخير وعافية.

الأحد 6 أبريل 2025 م Shglawi55@gmail.com

الوان

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال إبراهيم ضيف، نائب رئيس حزب إرادة جيل، إن الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو يمثل مناسبة وطنية لاستحضار واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث، والتي نجحت في إقامة الجمهورية، وإعادة صياغة مفهوم الدولة الوطنية القائمة على الاستقلال والكرامة والعدالة.

وهنأ ضيف، خلال تصريحات، الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصري بهذه المناسبة الوطنية، مؤكدًا أن مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية، وهو ما يتجدد اليوم في ظل مسيرة البناء والتنمية.

وأضاف أن كلمة الرئيس السيسي بمناسبة ذكرى الثورة حملت رسائل مهمة تؤكد استمرار الدولة في تحقيق التنمية الشاملة، والحفاظ على مقدرات الوطن، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن القيادة السياسية تواصل العمل من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

وأوضح أن ثورة 30 يونيو جاءت امتدادًا طبيعيًا لروح ثورة يوليو، إذ استجابت لإرادة الشعب المصري عندما خرج بالملايين مطالبًا باستعادة الدولة الوطنية، تمامًا كما جاءت ثورة يوليو استجابة لطموحات المصريين في التحرر وبناء الجمهورية.

وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب من جميع أبناء الوطن مواصلة التكاتف والاصطفاف خلف القيادة السياسية، لاستكمال مسيرة بناء الجمهورية الجديدة، حتى يجني الأبناء والأجيال القادمة ثمار ما يُنفذ اليوم من مشروعات قومية وتنموية كبرى، بما ينعكس على تحسين جودة حياة المواطنين، وتعزيز فرص العمل، والارتقاء بمستوى الخدمات، وتحقيق مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا لكل المصريين.

مقالات مشابهة

  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • السودان يطلق مبادرة لتوسيع المظلة الضريبية.. و60% من النشاط الاقتصادي خارجها
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية