مدرين المكتومية

كشفت الساعات القليلة الماضية عن حجم التأثير الدبلوماسي لوطننا الحبيب سلطنة عُمان في مجريات السياسة الدولية، بعدما تصدر اسم "عُمان" عناوين الأخبار في شتى بقاع الأرض، وبمختلف لغات العالم، وذلك مع انطلاق أولى جولات المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي قادتها عُمان بحكمة منقطعة النظير.

جولة المفاوضات التي استضافتها مسقط من أجل التوصل لاتفاق عادل ومُلزم بين البلدين، لا سيما فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، لم تكن مجرد حدث عابر في سجل الدبلوماسية الدولية والإقليمية؛ بل تجلٍ جديد لدورٍ راسخ ومكانة متقدمة أحرزتها عُمان في هندسة التوازنات ونسج عرى التفاوض بين الخصوم، وترجمة عملية لميزان الحكمة الذي تحتكم إليه سياستنا الخارجية المُتفرِّدة، التي ترتكز على الحياد الإيجابي والحوار العقلاني، بابتعاد مشهود عن الاصطفافات الحادة والمحاور المُتصارِعة.

وقد آتى هذا النهج أُكُلَه، فأصبحت عُمان اليوم مركزًا دبلوماسيًا موثوقًا للحوار، ووجهة مُفضَّلة لتفكيك الأزمات الإقليمية والدولية، ومتنفسًا سياسيًّا نادرًا حين تُسد الأبواب وتضيق السبل.

ففي تطور لافت يعكس هذه المكانة، فتحت السلطنة باب الأمل مجددًا، باستضافتها المحادثات النووية عالية المستوى؛ لتُعيد بذلك فتح نافذة الحوار وسط أجواء مشحونة وتصعيد يُهدد الأمن الإقليمي والدولي.

إن اختيار مسقط لاحتضان هذه المفاوضات في ظل تصعيدٍ غير مسبوق في لغة التهديد والوعيد، لا يُقرأ إلا بوصفه شهادة دولية متجددة على الثقة المطلقة في حكمة القيادة العُمانية، وقدرتها على توفير بيئة تفاوضية محايدة وآمنة. وليس الأمر وليد المصادفة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات المتزنة التي أثبتت فاعليتها في أكثر الملفات تعقيدًا.

وفي هذا السياق، تبرز حكمة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- كرمز للرصانة السياسية؛ إذ تمضي إدارته الحكيمة قُدُمًا في تعزيز دور عُمان كجسرٍ للسلام لا كأداة للصراع. وقد أكدت السنوات الأخيرة أن السلطنة، بقيادته -أبقاه الله- تمضي على ذات النهج القويم الذي أسّسه المغفور له السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- ولكن بنَفَس جديد يُواكب المتغيرات، ويُعزز مكانة عُمان في عالم متغير.

وتتجاوز رمزية الحدث أبعاده التفاوضية المباشرة، لتصبّ في خانة الأثر الأشمل للدور العُماني في هندسة الاستقرار الإقليمي. فعُمان لم تكن يومًا دولة طارئة في مشهد الوساطات، بل لطالما كانت حاضنة لقمم ولقاءات رفيعة بين أطراف مُتخاصمة، من لقاءات سعودية- يمنية إلى عمليات تبادل وإفراج عن محتجزين، لعبت فيها السلطنة دور المفاوض الأمين، والوسيط الصادق.

كما لا يُمكن إغفال الأثر التراكمي لهذا الدور، والذي أكسب السلطنة مصداقية استثنائية لدى القوى الدولية، وأطراف النزاعات على حد سواء؛ فهي الدولة التي تملك القدرة على أن تُنصت لكل طرف دون أن تُدين أحدًا، وأن تُقنع الجميع دون أن تُملي على أحد، وهذه ميزة لا تُمنح إلا لمن رسّخ تاريخه في النزاهة والاحترام المتبادل.

لقد أدركت الأطراف الدولية والإقليمية أن عُمان، بخبرتها المُتراكمة ورؤيتها البعيدة عن التشنج، تملك من أدوات الإقناع ومفاتيح الاتصال ما لا يتوافر لغيرها. وما كان لهذا الدور أن يترسخ لولا انضباط السياسات العُمانية وثباتها على مبادئها رغم عواصف المنطقة.

إنًّ العالم، في لحظاته المأزومة، يحتاج إلى أصوات تتحدث بلغة العقل، لا لغة الرصاص. وعُمان، وهي تحتضن اليوم هذا المسعى الدبلوماسي الجديد، تؤكد مجددًا أنها دولة رسالية تحمل مشعل التهدئة في زمن الصَّخب، وتمدّ يد البناء في عالم تكثر فيه معاول الهدم.

وهذه الجولة الاستهلالية من المفاوضات بلا شك، تبقى شاهدًا جديدًا على أن مسقط لم تخرج يومًا عن معادلة التأثير؛ بل إنها تسكن قلبها بثقة وهدوء بفضل حكمتها وثباتها على الموقف، وهو ما جعل الجميع يُكن لها كل التقدير والاحترام، وقبل ذلك كله الثقة في حيادية الدبلوماسية العُمانية الرصينة.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الجنائية الدولية تسقط الدعوى ضد زعيم إحدى الميليشيات في دارفور

رويترز – تاق برس – أنهى قضاة المحكمة الجنائية الدولية اليوم الخميس الإجراءات القانونية ضد الزعيم السابق لإحدى الجماعات المسلحة ​في إقليم دارفور بالسودان، بعدما سحب الادعاء التهم الموجهة إلى ‌عبد الله بندا أبكر نورين.

وقال الادعاء إن الأدلة ضد بندا، الذي كان يواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب على خلفية هجوم استهدف قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد ​الأفريقي في عام 2007، ضعفت منذ اعتماد التهم بحقه قبل ​أكثر من عقد، وتحديدا في عام 2011.

وأضاف الادعاء “لم تعد هناك ⁠أسباب جوهرية تدعو للاعتقاد بأن السيد بندا مسؤول عن الجرائم المنسوبة ​إليه”.

وقال القضاة إن سحب التهم وإنهاء القضية لا يمنعان الادعاء من رفع ​قضية مماثلة ضد بندا في وقت لاحق.

وكان بندا زعيما في حركة العدل والمساواة، إحدى الجماعتين المسلحتين الرئيسيتين في دارفور خلال الصراع الذي اندلع عام 2003 عندما حمل ​متمردون ينتمي معظمهم إلى جماعات غير عربية السلاح ضد الحكومة السودانية.

وردا ​على ذلك، حشدت الحكومة السودانية آنذاك ميليشيات عربية عرفت باسم الجنجويد لقمع التمرد، مما ‌أدى ⁠إلى موجة من أعمال العنف قالت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية إنها بمثابة إبادة جماعية.

وأحال مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2005.

وفي عام 2023، اندلعت حرب جديدة في ​دارفور وجميع أنحاء ​السودان بين الجيش ⁠وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي ينظر إليها على نطاق واسع على أنها تشكلت من رحم الجنجويد.

ولم ​تجر المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن سوى محاكمة واحدة ​بشأن الفظائع ⁠التي ارتكبت في دارفور، وحكمت على أحد قادة الجنجويد بالسجن 20 عاما بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وهناك ثلاث مذكرات توقيف صادرة عن ⁠المحكمة ​بحق مشتبه بهم مطلوبين على خلفية الصراع ​في دارفور الذي دار بين 2003 و2005، ومن بينهم الرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي ​يواجه تهم الإبادة الجماعية.

المحكمة الجنائية الدوليةجرائم دارفورعبدالله بنده

مقالات مشابهة

  • وول ستريت: ترمب يرى مواصلة ضرب إيران أفضل من المفاوضات
  • فصلٌ تاريخي جديد في العلاقات العُمانية–التنزانية
  • نوح غالي: الأزمات فرصة مصر الكبرى لبناء اقتصاد مرن ومستدام
  • ترامب يقر باعتراف تجاه إيران رغم الضربات.. ماذا عن المفاوضات؟
  • الجنائية الدولية تسقط الدعوى ضد زعيم إحدى الميليشيات في دارفور
  • مؤشر بورصة مسقط يرتفع 5 نقاط والقيمة السوقية عند 37.17 مليار ريال
  • إنهاء ملاحقة عبد الله بندة أمام الجنائية الدولية وإبطال مذكرة توقيفه
  • انطلاق الحملة التوعوية والإرشادية الكبرى لرفع مستوى الوعي المروري بالبحر الأحمر
  • شركة “AJet” التركية تعلن خصومات تصل إلى 30% على الرحلات الدولية.
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها