خبراء لـ"يورونيوز" حول المجمع المقدس: هناك حرب ثقافية دائرة في الفاتيكان
تاريخ النشر: 7th, May 2025 GMT
في 7 أيار/مايو، يبدأ المجمع الكنسي المغلق، وهو عملية انتخاب الكرادلة لخليفة البابا فرنسيس. يُعقد قبله مجمعان للكرادلة الذين سيجتمعون داخل كنيسة سيستين ليقرروا من سيتولى قيادة الكنيسة الكاثوليكية. اعلان
في أجواء مفعمة بالرمزية، ودّعت الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس، الذي توفي يوم عيد الفصح عن عمر ناهز 88 عامًا، ووري الثرى يوم السبت 26 نيسان/أبريل في بازيليك "السيدة العذراء الكبرى" في روما، عقب جنازة مهيبة في الفاتيكان شارك فيها قادة من مختلف أنحاء العالم وحشود غفيرة من المؤمنين.
ومع اقتراب انطلاق المجمع الكنسي لاختيار الحبر الأعظم الجديد، تطرح يورونيوز تساؤلات حول هوية البابا المقبل، وسط مؤشرات تفيد بأن القرار لن يكون محصورًا بالاعتبارات الروحية وحدها، بل سيتأثر بما وصفه بعض المتابعين بـ"الحرب الثقافية" الدائرة في قلب الفاتيكان.
البروفيسور أركاديوش ستيمبين، المؤرخ المتخصص في شؤون الكرسي الرسولي، يرى أن الكنيسة الكاثوليكية منخرطة اليوم في صراع داخلي بين تيارين متضادين: الأول يناصر الديمقراطية الليبرالية، والثاني يميل إلى الشعبوية ويجاهر بتوجهات سلطوية. ويرى ستيمبين أن هذا التوتر سينعكس بالضرورة على مداولات المجمع واختياراته، إذ قال: "ما نشهده هو حرب مصغّرة داخل الفاتيكان، بين رؤيتين متنافستين للعالم والكنيسة، وستُترجم هذه المواجهة في قرار انتخاب البابا".
وفي تحليل لموازين القوى داخل المجمع، يشير ستيمبين إلى أن تعيينات البابا فرنسيس السابقة من الكرادلة أسهمت في تشكيل كتلة وازنة ذات طابع وسطي – ليبرالي، ما يجعل من غير المرجح أن ينجح الجناح المحافظ المتشدد في فرض مرشحه. وقال في هذا السياق: "الحسابات العددية تُظهر بوضوح أن الفصيل المحافظ، الذي يمثل امتدادًا للقوى الشعبوية في العالم، لا يمتلك القدرة على تمرير مرشح يحظى بقبول الأغلبية الوسطية".
وأضاف: "من المستبعد تمامًا انتخاب شخصيات مثل الكاردينال روبرت سارة أو لودفيغ مولر أو ريموند ليو بورك، لأنهم يجسّدون الخط التقليدي الصارم الذي فقد الكثير من الزخم داخل الكنيسة في عهد فرنسيس".
"التوق إلى حبريّة منظّمة"في خضم المشهد المعقّد الذي يسبق انعقاد المجمع المقدّس، يبرز توجه داخلي واضح في أروقة الفاتيكان نحو مرشح يجسّد الاعتدال ويملك القدرة على مدّ الجسور بين التيارات المتنافسة داخل الكنيسة. فبحسب ستيمبين، يبدو أن الكرسي الرسولي يميل نحو اختيار كاردينال يمثّل "الطريق الوسط"، قادر على مواصلة الإرث الرعوي والانفتاحي الذي طبع عهد البابا فرنسيس، دون أن يصطدم مباشرةً بتطلعات التيار المحافظ.
ويشير ستيمبين إلى أن هذه المقاربة تعزز فرص شخصيات بارزة ذات توجه وسطي، تحظى بثقة الكرادلة الليبراليين، لكنها في الوقت ذاته لا تثير قلق المحافظين. ومن بين الأسماء التي تكتسب زخماً في هذا السياق، يبرز الكاردينال بييترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان، بوصفه مرشحاً يعكس رغبة ضمنية لدى كثيرين في العودة إلى حبرية أكثر تنظيمًا وتماسكًا، بعيدًا عن الطابع غير التقليدي والعفوي الذي اتسمت به مرحلة فرنسيس.
ويضيف ستيمبين أن هذا "الحنين إلى الاتساق" يمنح الأوروبيين، ولا سيما الإيطاليين، أفضلية واضحة في المشهد الانتخابي الحالي، إذ يعتبرون أكثر قدرة على إدارة المؤسسة البابوية بهيكلية كلاسيكية ومقاربات مألوفة.
ويلفت الكاتب المختص بشؤون الفاتيكان إلى أن الكاردينال بارولين، إلى جانب الكاردينال المالطي ماريو غريتش، يدخلان المجمع المقدّس بحظوظ قوية، حيث يُتوسّم فيهما تقديم صيغة جامعة توازن بين الرؤية الإصلاحية لفرنسيس وبين مقتضيات الاستقرار البنيوي الذي يتوق إليه جزء كبير من المؤسسة الكنسية.
"ابتعاد الكنيسة عن المركزية"في تحليله لمرحلة ما بعد البابا فرنسيس، يسلط البروفيسور ستيمبين الضوء على التحوّل البنيوي العميق الذي رسّخه البابا الراحل، والمتمثل في الابتعاد عن المركزية الصارمة داخل الكنيسة الكاثوليكية، لصالح مزيد من الاستقلالية للأقاليم الكنسية حول العالم. ويرى ستيمبين أن هذا التحول لن يكون مجرد خيار رعوي، بل عاملاً حاسماً في تحديد هوية المجموعة التي سينبثق منها البابا الجديد.
Relatedحتى بعد رحيله... سيارة البابا فرنسيس في خدمة أطفال غزةما حقيقة غلاف "شارلي إيبدو" الساخر من زيلينسكي والبابا؟الكرادلة يدخلون مرحلة الصمت الانتخابي قبيل انعقاد المجمع المغلق لاختيار البابا الجديدويشرح ذلك بالقول: "لقد أصبحت الأقاليم اليوم أكثر قدرة على تقرير شؤونها بنفسها: أوروبا لأوروبا، بولندا لبولندا، إسبانيا لأسبانيا، ألمانيا لألمانيا، والأمازون للأمازون. وهذا التوجه ليس محل ترحيب لدى التيارات المحافظة المتشددة، إذ يرونه تهديداً للوحدة العقائدية والانضباط الكنسي المركزي".
رغم ذلك، يقر ستيمبين بأن الإرث "البيرغولي"، في إشارة لخورخي ماريو بيرغوليو وهو الاسم الأصلي للبابا فرنسيس، لا يخلو من الثغرات. ويشير إلى أن كثيراً من الملفات التي أطلقها الراحل لم تُستكمل، وعلى رأسها فشل الكنيسة في استعادة حضورها الفعّال في أوروبا الغربية، حيث لا تزال الكنائس فارغة رغم الطابع الإصلاحي المنفتح لحبرية فرنسيس، وهو ما يستند إليه خصومه المحافظون في انتقاداتهم.
ويضيف ستيمبين أن مسؤولية البابا الجديد لن تقتصر على تبني نهج جديد، بل ستشمل أيضاً استيعاب ضرورة استمرارية المؤسسة، مع إدراك أن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن يكتمل في عهد بابوي واحد. ويستحضر في هذا الإطار مثالاً تاريخياً قائلاً: "قبل خمسين عاماً، كان يوحنا الثالث والعشرون بابا تقدمياً دشن المجمع الفاتيكاني الثاني، لكن الذي أكمله وثبّت نتائجه كان بولس السادس، المعروف بحذره النسبي. وهذا النموذج قد يتكرر اليوم".
ويختم بالقول: "كل عملية إصلاحية تحتاج إلى أكثر من رجل واحد. ما بدأه فرنسيس، سيبقى مفتوحاً، وتقع مسؤوليته مواصلته وتثبيته على من سيُنتخب بعده".
"الأهم أن يضمن المرشح وحدة الكنيسة"وفي حديث ليورونيوز، قدّم الأب ستانيسلاو تاسيمسكي، الكاهن الدومينيكاني ومترجم النصوص البابوية ونائب رئيس وكالة الأنباء الكاثوليكية، إضاءة على مسار المجمع الكنسي الذي سيُنتخب خلاله خليفة للبابا فرنسيس، متناولًا في الوقت نفسه مواقف الكنيسة البولندية وتحديات المرحلة الراهنة داخل المؤسسة الكاثوليكية.
وأوضح تاسيمسكي أن عملية الاقتراع منظمة بدقة، تبدأ بجلسة أولى تنتهي عادة عند الساعة السابعة مساءً، تليها ثلاث جولات يومية من التصويت تمتد لثلاثة أيام، ثم يوم استراحة يليه مؤتمر، وثلاثة أيام إضافية من التصويت ثم استراحة أخرى، مما يمنح المشاركين فسحة من الوقت للتفكير والتشاور والوصول إلى توافق.
وأشار إلى أن 133 كاردينالًا يُتوقّع أن يشاركوا في انتخاب البابا الجديد، رغم احتمال تغيّر هذا الرقم، إذ بلغ بعض الكرادلة السنّ القصوى المسموح بها للمشاركة (80 عامًا)، في حين انسحب آخرون لأسباب صحية. ومن أبرز المنسحبين، الكاردينال أنجيو بيشيو، الذي قرر عدم المشاركة بعد إدانته بتهمة الاختلاس من قبل محكمة الفاتيكان الابتدائية عام 2023، وهو ما أثار جدلاً واسعاً.
Relatedكرادلة الفاتيكان يجتمعون قبل انعقاد المجمع المقدّس لانتخاب خليفة للبابا فرنسيسمئات المؤمنين يبيتون في الشوارع استعدادًا لجنازة البابا فرنسيس في الفاتيكانالفاتيكان يغلق كنيسة سيستين استعدادًا لانتخاب بابا جديد بعد وفاة فرنسيسوفي ما يتعلق بموقف الكنيسة البولندية، المعروفة بميلها إلى المحافظة العقائدية، شدّد تاسيمسكي على أن الأولوية الكبرى من منظورها هي الحفاظ على وحدة الكنيسة. وقال: "الكنيسة في بولندا تفكر من منظور كوني، لا محلي. الكاردينالان البولنديان المشاركان في المجمع، ريش ونيتش، يمضيان معظم وقتهما في الكوريا الرومانية، ما يمنحهما إلمامًا واسعًا بتعقيدات الكنيسة الجامعة".
وأضاف: "الرهان الأساسي من وجهة نظر بولندية يتمثل في انتخاب بابا قادر على حماية وحدة الكنيسة، خصوصًا في ظل الضغوط المتزايدة من جهات متباينة داخلها: فهناك مطالب إصلاحية متقدمة في ألمانيا، تقابلها تحفظات شديدة في إفريقيا، وإذا لم تتم إدارة هذه التباينات بحكمة، فهناك خطر حقيقي بوقوع انقسام. الكنيسة البولندية لا تقبل بهذا السيناريو، وترى أن الحفاظ على وحدة الكنيسة هو التحدي الأكبر".
وحين طُرح على الأب تاسيمسكي سؤال عمن هو المرشح الأكثر حظًا لتولّي السدة البابوية، كانت إجابته قاطعة في تواضعها: "لا يوجد شيء مؤكد". فحتى مَن يعرفون دهاليز الكوريا الرومانية عن كثب، قد يخطئون في قراءتهم لتوازنات المجمع، كما حدث مع البابا بنديكتوس السادس عشر، الذي، رغم قضائه ثلاثة عقود فيقلب الإدارة الفاتيكانية، لم يُنتخب أي من خلفائه المتوقعين بعد استقالته.
ويضيف تاسيمسكي ملمحًا إلى البعد الروحي العميق لهذا الحدث التاريخي: "طلب الكرادلة الصلاة اليوم، وهو نداء موجه إلى الكنيسة جمعاء. فهم يشعرون، في غياب هذه الصلاة، وكأنهم حجاج يسيرون نحو النور دون دليل".
في نظره، فإن ما يصنع الكاثوليكية الحقيقية ليس فقط شخص البابا، بل لحظة الالتفاف الروحي حوله بوصفه خليفة بطرس، وقائدًا للإيمان في زمن بالغ الحساسية. هذا الجوهر، كما يؤكد، هو جوهر الكنيسة الجامعة، وهو ما يجب أن يبقى حاضرًا في قلب كل من يترقب الحدث: الكنيسة ليست مجرد مؤسسة تنتخب زعيمًا، بل جسد حي يسير نحو الوضوح والإيمان وسط عتمة العالم.
"الأمر يعتمد على أولويات الكرادلة"يستعرض الأب تاسيمسكي جملة من العوامل التي قد تُؤثّر في اختيار البابا المقبل، مشيرًا إلى أن القرار لا يُبنى على الاعتبارات العقائدية فقط، بل يتأثر بمزيج من التحديات المعاصرة والانتماءات الثقافية والمرجعيات الجغرافية.
فإذا رأى الكرادلة أن الكنيسة بحاجة إلى دفع قوي في مجال التبشير، فقد تبرز حظوظ الكاردينال لويس أنطونيو تاغلي، الذي يتمتع بخبرة واسعة في قيادة العمل الرسولي، خصوصًا في آسيا. أما إذا كان التركيز على مواجهة تزايد التيارات العلمانية في الغرب، فقد يُختار كاردينال عاش تجربة الإيمان في قلب مجتمعات علمانية، ويعرف كيف توازن الكنيسة بين مبادئها وتحديات العصر.
ولا يُستبعد أيضًا، بحسب تاسيمسكي، أن تدخل الهوية الجغرافية في معادلة الانتخاب، إذ يُتداول اسم الكاردينال فريدولين أمبونغو من جمهورية الكونغو الديمقراطية، كوجه أفريقي يتمتع بقبول واسع، كما تُطرح أسماء أخرى مثل الكاردينال الإيطالي بييرباتيستا بيتسابالا، حارس الأراضي المقدسة، بوصفه خيارًا يعكس تواصلاً مع الشرق المسيحي ومع رمزية الأرض المقدّسة.
ويفتح تاسيمسكي الباب أمام فرضية غير تقليدية، وهي انتخاب كاردينال تجاوز سن الثمانين، رغم أن هذا الاحتمال يبقى استثنائيًا في أعراف المجمع. إلا أن الحوارات الجارية والتقارير الداخلية، كما يقول، تمنح الكاردينال بييترو بارولين –أمين سر دولة الفاتيكان– حضورًا قويًا في بورصة التوقعات، بالنظر إلى مكانته الإدارية والدبلوماسية داخل الكرسي الرسولي.
انتقل إلى اختصارات الوصولشارك هذا المقالمحادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إسرائيل دونالد ترامب حركة حماس غزة الضفة الغربية هجمات عسكرية إسرائيل دونالد ترامب حركة حماس غزة الضفة الغربية هجمات عسكرية البابا فرنسيس الفاتيكان إسرائيل دونالد ترامب حركة حماس غزة الضفة الغربية هجمات عسكرية الرسوم الجمركية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قطاع غزة برلين سوريا ألمانيا الکنیسة الکاثولیکیة البابا الجدید البابا فرنسیس للبابا فرنسیس فی الفاتیکان وحدة الکنیسة الکنیسة ا إلى أن أن هذا
إقرأ أيضاً:
مواكبة لتطويب البطريرك الحويك احتفالية ثقافية في البترون.. باسيل: أسس لرسالة وطنية تقوم على الشراكة
أقامت "بترونيات" احتفالية فنية وثقافية بعنوان "الكبير"، لمواكبة تطويب البطريرك الياس الحويك، حملت رسائل وطنية ركزت على التمسك بلبنان الكبير وقيم الحرية والتنوع والانفتاح.وقال النائب جبران باسيل في كلمته إن إعلان الحويك طوباويا ليس تكريما لشخص أو لطائفة، بل لمشروع آمن به شعب وقاده رجل، مشيرا إلى أن البطريرك لم يكتف برسم حدود جغرافية، بل أسس لرسالة وطنية تقوم على الشراكة.
ولفت الى أن "هذه الارض بالذات هي أرض راهبات العائلة المقدسة"، وقال: "اعتدنا أن نعرف عنه بمؤسس لبنان الكبير وهذا الامر صحيح، ولكن الحويك لم يرسم حدود الجغرافيا، بل رسم حدود الرسالة ولم يطلب دولة للمسيحيين بل طلب دولة يطمئن فيها المسيحيون وتحرسها الحياة الوطنية المشتركة".
أضاف: "كان يستطيع أن يختار الطريق الاسهل ويطالب بكيان متجانس أكثر وأكثر أمانا للمسيحيين في ذاك الزمن، لكنه اختار الطريق الاصعب، اختار وطناً يقوم على الشراكة وليس على العزلة، على اللقاء وليس على الخوف وعلى الثقة وليس على الغلبة. اختار لبنان الكبير ليس بهدف التوسع الجغرافي انما ليوسع رسالة لبنان وفهم ان التنوع ليس نقطة ضعف، بل مصدر غنى وان الإختلاف لا يمنع الاعتراف المتبادل أن الدولة لا تنجح عندما ينتصر بداخلها فريق على فريق آخر ولكن تنجح عندما يدرك الجميع أنهم شركاء رابحون وبهذا المعنى الحويك سبق عصره".
تابع: "قبل أن تنتشر في العالم مصطلحات التعددية والعيش المشترك والديموقراطية التوافقية، كان هو يترجم هذه المبادئ بمشروع سياسي لكيان ناجح، وآمن أن اللبنانيين يمكنهم أن يعيشوا سوياً ليس لأنهم متشابهون، بل لأنهم مختلفون وهنا عظمة الحويك فهو لم يطلب من اللبنانيين أن يتخلوا عن خصوصياتهم، ولكن طلب منهم ألا يجعلوا هذه الخصوصيات جسرا يربطهم ببعضهم وبالوطن، من هنا لبنان الكبير لم يكن انتصارا لطائفة على أخرى ولا تسوية فرضتها الظروف بل كان خيارا حضاريا يرتكز على قناعة بأن الحرية والشراكة هم الطريق لبناء وطن فريد قابل للحياة بهذا الشكل".
وقال: "عندما تعلن في ذكرى مئوية دستور لبنان الكبير حاضرة الفاتيكان أن الياس الحويك أًصبح طوباويا كيف يجوز لأي منا أن يتخلى عن هذا الارث العظيم، ومن حق اللبنانيين أن يسألوا ماذا تبقى من مشروع الياس الحويك. وجوابنا هو أن الوطن بقي وبقيت الصيغة والميثاق، أما الدولة فلا تزال تبحث عمن يحققها وهذه مسؤوليتنا جميعا وليست من مسؤولية البطريرك الحويك".
أضاف: "الى كل من يسأل عن دور المسيحيين في هذا الوطن المتزعزع وبهذا الشرق المتفجر، جوابنا هو دورهم أن يبنوا مع شركائهم بالتساوي دولة قوية بشرق مستقر، ولا يكفي أبدا أن نحافظ على لبنان الكبير، بل يجب أن نبني دولته القوية ولا يكفي أن نسميه وطن الرسالة ونعجز عن جعله وطن العدالة".
ولفت الى ان "الحويك وجيله أجابوا عن سؤال كان مصيريا في زمانه الا وهو كيف يولد لبنان".
وقال: "كانت مسؤولية من أتى من بعده أن يجيبوا عن كيفية بناء الدولة التي ستحمي لبنان، وقد مرت على لبنان الحروب والازمات والانقسامات ولكنه كان في كل مرة ينهض، لأن اللبنانيين كانوا يتمسكون بفكرة الكيان. أما اليوم فالخطر الاكبر ليس الاحتلالات او الازمات الاقتصادية ولا حتى الإنقسام السياسي، بل الخطر الحقيقي هو أن يفقد اللبنانيون ثقتهم بالعيش معاً داخل دولة أخرى، والخطر أن تبدأ كل مجموعة البحث عن ضمانات لها خارج الدولة. وعندما تضعف الثقة بالدولة يقوى كل شيء على حسابها، وتصبح الولاءات الخارجية أقوى من الجمهورية، وهذا هو الفرق بين ما أراده الحويك وما وصلنا اليه اليوم، كان يريد شراكة تنتج دولة ولكن الدولة أًصبحت رهينة الخلافات بين الشركاء، هو آمن بالخيار اللبناني وبهذا المعنى نحن ابناؤه، وكثر ممن تسلموا بعده سلكوا درب الرهانات وقد راهن البعض على الشرق والبعض الاخر على الغرب، وراهن غيرهم على موازين القوى الاقليمية والدولية ولكن الرهانات لا تبني وطناً بل الخيارات".
ورأى أن "الوفاء الحقيقي لمشروع الحويك الحقيقي يكمن في تحقيق الغاية التي سعى اليها، الحويك خرج من رحم تجربة المجاعة والامراض والهجرة التي حصدت مئات الالاف من ابناء جبل لبنان، وقد كان شاهدا على الوجع وعلى الالم وكان يعرف أن قيمة الدولة تقاس بقدرتها على صون حياة مواطنيها، وأن حياة المواطنين لا تتوقف على طائفته بل على عدالة الدولة تجاهها. كان لبنان يسكن ضميره وهو الذي قال أنا بطريرك الموارنة وطائفتي لبنان، بهذا المعنى كان البطريرك الياس الحويك بطريرك المسلمين، بقدر ما كان الإمام موسى الصدر إماماً للمسيحيين، وبهذا المعنى هو امتداد لفخر الدين ولميثاق بشارة الخوري ورياض الصلح ".
وأشار الى أنه "بعد اكثر من مئة عام من المؤلم أن نرى الكثير من المخاطر التي واجهها جيل الحويك تلاحق شبابنا اليوم".
وأوضح انه "من هنا لا يحتاج لبنان الكبير لتبديل هويته ولا لهدم ميثاقه بل لتطوير دولته، والميثاق لم يكن في أي يوم كان دعوة للشلل، بل للشراكة وتطوير النظام اللبناني لا يعني التخلي عن الشراكة بل يعني تحريرها من كل شيء عطلها".
وشدد باسيل على ان "لبنان يحتاج الى دولة قوية والدولة الضعيفة لا تستطيع لا حماية الوجود ولا التنوع الذي قام عليه الوطن ".
اضاف: "صحيح أن لبنان يحتاج الى اقتصاد منتج وعدالة اجتماعية ويعيد الاعتبار للعمل لأن الحرية السياسية التي ننادي بها لا تعيش على الريع وعلى السمسمرة وعلى الاعتماد الدائم على الخارج. واليوم نجدد التزامنا بلبنان الحويك الذي اراد أن تكون الدولة مساحة مشتركة بين اللبنانيين، ومسؤوليتنا أن نترك أبناءنا يؤمنون بلبنان الكبير كما آمن به اباؤنا هو الذي قال من لا يحب وطنه فهو عدو اجداده".
وشدد على أن "مقياس نجاح الدولة هو قدرتها على استعادة الثقة وعلى حماية شعبها وصون حريته وكرامة شعبه وفتح أبواب المستقبل له".
وقال: "هكذا يبقى لبنان الكبير ويتجدد ببركة المؤسس الذي سلك طريق القديسين. ونحن في قضاء البترون أنشأنا طريق القديسين لتربط قديسي لبنان شربل ورفقا والحرديني واسطفان، وغدا ينضم اليهم الحويك الذي على اسمه كرست بلدية البترون شارعاً على جانبيه فيه مدرسة وجامعة لراهبات العائلة المقدسة التي اسسها البطريرك الحويك".
وأشار ان "مسيرة الحويك نحو طريق القداسة بدأت من حلتا ومرت بكفرحي حيث توجد هامة يوحنا مارون واستقرت بعبرين حيث دفن بمركز المقر العام لراهيات العائلة المقدسة".
ختم: "سنطور درب الحويك وهو مشاها سيرا ومرارا ونحن أولاد البترون سرناه معه وأملنا نحن أولاد التيار أن نسير خلفه درب رسالة لبنان الكبير لبنان 10452 كلم مربع، لبنان الذي لا يزول ولن نسمح لا بسقوطه ولا بزواله ولا بتجزئته ليبقى لبنان الكبير".
تضمن الإحتفال مشهدية تمثيلية للبطريرك الحويك وسيرة نضاله ونهجه الإنساني خاصة في فترة الحرب العالمية الأولى، بمشاركة الممثلين عصام أشقر ويوسف حداد.
وألقى الشاعر ابرهيم شحرور قصيدة بمعان وطنية ودينية من وحي المناسبة، وقدّم المخرج شربل خليل فيديو لحوار متخيل بين البطريرك الحويك ومجموعة من العاملين على إعادة "تصغير" لبنان مجدداً، ويؤكد فيه البطريرك أبعاد تمسكه بلبنان الكبير ومعناه في وجه محاولات الإبتلاع والتقسيم.
وكان بث لأغنية تؤديها الفنانة ليال نعمة والفنان نادر الخوري، واختُتم الإحتفال بمجموعة أغان لخوري مع فرقته الموسيقية وسط إضاءة الشموع، وقد عرّف الإحتفال الإعلامي يزبك وهبه.
مواضيع ذات صلة الإعلان عن برنامج احتفال تطويب البطريرك الياس الحويك Lebanon 24 الإعلان عن برنامج احتفال تطويب البطريرك الياس الحويك