يمر الكاتب والروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم، أحد أبرز أعلام الرواية العربية المعاصرة، بأزمة صحية حادة منذ أسابيع، أعادت إلى الواجهة تساؤلات مؤلمة عن موقع الثقافة والمثقفين في أولويات الدولة المصرية، وتثير حالته الصحية التي تتسم بالتعقيد والحرج حالة من القلق الواسع بين الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي، خاصة في ظل ما تمثله هذه القامة الفكرية من ثقل في الوجدان الأدبي والسياسي العربي.

تفاصيل الأزمة الصحية

يعاني صنع الله إبراهيم، البالغ من العمر 88 عامًا، من عدة مضاعفات صحية متداخلة، أبرزها: كسر في مفصل الحوض، نزيف في المعدة استدعى نقل دم بشكل عاجل، مشكلات في الكلى والقلب وارتفاع ضغط الدم، ارتفاع في نسبة الصديد في البول، ما يعقد من احتمالات إجراء أي تدخل جراحي.

وقد دخل إبراهيم في حالة صحية حرجة نُقل على إثرها إلى معهد ناصر بالقاهرة، حيث يُشرف على علاجه فريق طبي متخصص، وسط محاذير طبية كبيرة بسبب التقدم في السن وتشابك حالته. وتشير المصادر الطبية إلى أن التدخل الجراحي - إذا تم - سيكون بالغ الخطورة.

استجابة الدولة: محاولة للإنقاذ أم رد فعل متأخر؟

جاءت أولى الاستجابات الرسمية بعد موجة من المناشدات والمطالبات التي أطلقها مثقفون وكتاب وإعلاميون، أبرزهم الدكتور خالد منتصر، والشاعر الكبير فاروق جويدة، وفي تحرك بدا أنه جاء متأخرًا، زار وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو الكاتب في المستشفى، وأكد أن الوزارة تتابع حالته بالتنسيق مع وزارة الصحة.

كما تدخل وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار لتأمين الرعاية الطبية المناسبة، بما في ذلك توفير فصيلة دم نادرة احتاجها الكاتب أثناء النزيف الحاد، وتتابع لجنة طبية تطورات حالته يوميًا، مع دراسة مقترح لتشكيل لجنة ثلاثية من قصر العيني وعين شمس ومعهد ناصر لتقدير جدوى التدخل الجراحي.

صنع الله إبراهيم: ذاكرة وطن ومثقف مقاوم

وُلد صنع الله إبراهيم عام 1937، ويُعد واحدًا من أهم الروائيين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، تميزت أعماله بجرأة سياسية كبيرة وقدرة نادرة على توثيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر والعالم العربي.

من أشهر أعماله: اللجنة، ذات، شرف، وردة، العمامة والقبعة، يوميات الواحات.

سُجن في بداية الستينات بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، وهي تجربة دوّنها لاحقًا في روايته يوميات الواحات.

رفض جائزة الدولة التقديرية عام 2003 احتجاجًا على الوضع السياسي والثقافي، في موقف نادر يجسد نبل قناعاته.

حاز على جوائز دولية مرموقة مثل جائزة ابن رشد للفكر الحر (2004) وجائزة كفافيس للأدب (2017).

تُرجمت أعماله إلى العديد من اللغات، ويمثل صوتًا ناقدًا للسلطة، لكنه منحاز دومًا للمجتمع والتنوير.

صنع الله إبراهيم ليس مجرد روائي؛ إنه ذاكرة وطن ومثقف ملتزم، عاش حياته منحازًا للناس، ومخلصًا لقيم التنوير، إن الأزمة الصحية التي يمر بها اليوم يجب أن تكون جرس إنذار، ليس فقط لحالته، بل لحالة الثقافة في مصر، ومكانة مثقفيها في ضمير الدولة.

وبين أمل الشفاء وتقلّب الحالة الصحية، تبقى أمنية الوسط الثقافي أن يمر الكاتب الكبير من هذه الأزمة بأمان، وأن يلقى من الرعاية ما يليق برمز كبير لا يزال يشكل جزءًا حيًا من ضمير مصر المعاصر.

طباعة شارك صنع الله إبراهيم أعلام الرواية العربية موقع الثقافة والمثقفين الاستجابات الرسمية وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: صنع الله إبراهيم وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو صنع الله إبراهیم

إقرأ أيضاً:

بورسعيد بطلاً للسرد الأدبي.. أدباء وروائيون يستعرضون تجليات المدينة في الرواية والقصة بمعرض الكتاب

تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء إبراهيم أحمد أبو ليمون، محافظ بورسعيد، نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن فعاليات الدورة التاسعة من معرض بورسعيد للكتاب، ندوة ثقافية بعنوان "بورسعيد.. المدينة البطل في السرد الأدبي"، أدارها الروائي السعيد صالح، بمشاركة الروائيين والكتاب إبراهيم صالح، وصلاح عساف، ومحمد أبو النجا، والكاتبات دينا شحاتة، وسمية الألفي، ومنى الجبريني.

وأكد المشاركون أن بورسعيد لم تكن في الأعمال الأدبية مجرد خلفية للأحداث، بل تحولت إلى بطل رئيسي يصنع الشخصيات ويؤثر في مصائرها، بما تمتلكه من تاريخ وخصوصية جغرافية وثقافية وإنسانية.

في البداية أكد الروائي السعيد صالح أن السرد ليس مجرد وسيلة لحكي الأحداث، بل أداة فنية وفكرية تسهم في تشكيل الوعي والثقافة، وأن كل كاتب يحمل رسالة تتأثر ببيئته وتنعكس في أعماله، مستشهداً بتجربة الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي انطلق من الحارة المصرية ليصل إلى العالمية.


وأشار إلى أن اختيار عنوان الندوة يعكس المكانة التي احتلتها بورسعيد في الأدب المصري، بوصفها مدينة استطاعت بتاريخها ومقاومتها وتحولاتها الاجتماعية أن تصبح بطلاً حقيقياً في الرواية والقصة، وأن تلهم أجيالاً متعاقبة من المبدعين لتوثيق حكاياتها وتحويلها إلى أعمال أدبية خالدة.


واستعرض الروائي إبراهيم صالح تجربته في مجموعته القصصية "رحلة الصيد الأخيرة"، موضحاً أنها تنطلق من تجربة التهجير وأثرها في الوجدان، وترصد تفاصيل الحياة في الريف وبحيرة المنزلة وعالم الصيد، وما تركته الحرب من آثار نفسية واجتماعية على أبناء المدينة.


وأكد أن الكتابة الإبداعية تختلف عن السيرة الذاتية، لأنها لا تكتفي بتسجيل الوقائع، وإنما تسعى إلى الكشف عما وراء الأحداث والبحث عن المعاني الإنسانية الكامنة فيها، مشيراً إلى أن المرأة والبحر والطفولة والتهجير شكلت محاور رئيسية في تجربته السردية.

ومن جانبها، قالت الكاتبة دينا شحاتة إن الكتابة عن المدينة التي نشأ فيها الإنسان تعد الأصعب، لأن الكاتب يحتاج أولاً إلى تفكيك علاقته بها قبل أن يحولها إلى نص أدبي.


وأضافت أنها لم تكن معنية فقط بتاريخ بورسعيد أو مكانتها الوطنية، بل بالحياة اليومية التي تصنع روح المدينة، مثل جلسات الدومينو، ومباريات النادي المصري، والسمسمية، والمقاهي، والبحر، وطريقة حديث الناس ومواجهتهم لتفاصيل الحياة.


وأوضحت أن روايتها "انخدعنا" جعلت المدينة نفسها أحد الرواة، بوصفها كائناً يمتلك ذاكرة ووعياً، فيما جاء البناء السردي مستلهماً من لعبة الدومينو، بحيث تمثل كل جولة طبقة جديدة من الحكاية وصولاً إلى النهاية التي تعيد قراءة الأحداث من جديد، مؤكدة أن تنوع مستويات اللغة بين الفصحى والعامية جاء انعكاساً لتعدد الأصوات داخل المدينة نفسها.


وقالت الكاتبة سمية الألفي إن للمدن رائحة وإيقاعاً وذاكرة، وإن بورسعيد صنعتها رائحة البحر الممتزجة بالبضائع القادمة من أنحاء العالم، فشكلت ذاكرة مختلفة وهوية فريدة.


وأضافت أن المدينة لم تصنعها الحروب وحدها ولا التجارة وحدها، وإنما صنعها الإنسان الذي عاش التجربتين معاً، ولذلك فإن الأدب البورسعيدي لا يروي فقط حكايات البحر أو المقاومة، بل يقدم إنساناً اتسع أفقه بفعل الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، واستطاع أن يحافظ على هويته رغم التحولات المتعاقبة.

واستعرض الكاتب صلاح عساف حضور بورسعيد في القصة القصيرة والرواية، مؤكداً أن البحر وقناة السويس وبحيرة المنزلة ظلت تشكل الخلفية الأساسية لأعمال كثير من أدباء المدينة، الذين وثقوا تفاصيل الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها.


وأشار إلى إسهامات عدد كبير من مبدعي بورسعيد، من بينهم مصطفى حجاب، وقاسم عليوة، ومحمد عيد العمي، وإبراهيم صالح، والسعيد صالح، والسيد الخميسي، وسكينة فؤاد، وحنان شهيد، وسامح الجباس، وغيرهم، موضحاً أن أعمالهم تناولت موضوعات المقاومة الشعبية، والتهجير، والانفتاح الاقتصادي، وعلاقة الإنسان بالمكان، وأسهمت في ترسيخ صورة بورسعيد بوصفها مدينة ذات حضور إنساني وثقافي مميز في السرد المصري.


وقال الروائي محمد أبو النجا إن السؤال الذي واجهه أثناء كتابة روايته الأولى "الباروني" كان: هل يبدأ من الشخصية أم من المكان؟ لكنه اكتشف أن الشخصية والمكان كيان واحد لا يمكن فصله، مشيراً إلى أن الإنسان ابن بيئته، وأن الشخصية البورسعيدية لا يمكن فهمها بعيداً عن طبيعة المدينة.


وأوضح أن بورسعيد، بوصفها مدينة ميناء، احتضنت ثقافات متعددة، فصاغت إنساناً منفتحاً يتقبل الآخر ويعتاد التعامل مع الغرباء، بخلاف المجتمعات المغلقة التي تحكمها العصبية والقرابة.

وأضاف أن البحر واتساع الأفق وشوارع المدينة الممتدة على الطراز الهوسماني منحت أبناءها رؤية أكثر رحابة وخيالاً أوسع، وهو ما انعكس على بناء شخصياته الروائية، مؤكداً أن بورسعيد كانت "المؤلف الأول" لكل من عاش فيها.

أما الكاتبة منى الجبريني فأكدت أن بورسعيد في روايتها "نيران مقدسة" ليست مجرد مسرح للأحداث، بل قوة فاعلة تشكل مصائر الشخصيات وتقودها إلى اكتشاف ذواتها.


وأوضحت أن بطلة الرواية، "منار جابر"، تبدأ رحلتها عاملة في أحد مصانع الاستثمار رغم تخرجها في الجامعة، قبل أن يقودها تشجيع المحيطين بها إلى قصر ثقافة بورسعيد لتبدأ مشوارها الأدبي.


كما تناولت شخصية "أحمد" الذي يتحول من شاب يعمل في المصنع إلى مدافع عن حقوق العمال، وشخصية "دنيا" التي تعيش صراعاً بين الحب وضغوط المجتمع، مؤكدة أن الشخصيات الثلاث يجمعها البحث عن الذات، بينما تظل بورسعيد هي القوة الخفية التي تصنع هذا التحول.

طباعة شارك وزير الثقافة محافظ بورسعيد الهيئة المصرية العامة للكتاب معرض بورسعيد للكتاب المدينة البطل في السرد الأدبي

مقالات مشابهة

  • بورسعيد بطلاً للسرد الأدبي.. أدباء وروائيون يستعرضون تجليات المدينة في الرواية والقصة بمعرض الكتاب
  • محافظ المنيا يعلن افتتاح 3 مساجد جديدة ضمن خطة وزارة الأوقاف لإعمار بيوت الله
  • إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني: هجمات المستوطنين العنيفة على بلدات الضفة لا تتوقف
  • الهلال الأحمر الفلسطيني: هجمات المستوطنين العنيفة على بلدات الضفة الغربية لا تتوقف
  • فضل الله: نرحّب بانتشار الجيش لكننا لا نريد أن يكون خاضعًا لإذن العدوّ أو شروطه
  • أمن الدولة الكويتية تسجن متهمين بالتخابر مع إيران والإساءة للشيعة
  • إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية
  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري