يصر نتنياهو في كافة خطاباته وكتاباته على ان «اليهودية» تمثل قومية مستقلة، وشعبًا فريدًا يتميز عن باقي الأمم، وهو لذلك يستحق أن تكون له دولته «اليهودية»، على عكس الفلسطينيين الذين- يرى- أنهم لا يشكلون قومية فريدة، وبالتالي فهم لا يستحقون دولة لهم.

وبالرغم من المغالطات التاريخية التي يسوقها نتنياهو لدعم رؤيته، إلا أنه يصر دومًا على اعتبار أن «الشعب الإسرائيلي» كان موجودًا طيلة 3500سنة، وينسى أو يتناسى أن عمر اغتصاب فلسطين وإعلان دولة إسرائيل بدأ في مايو ى1948، لقد ادعى نتنياهو في كتاباته أن الشعب اليهودي يتميز عن الفلسطيني بأنه شعب متفرد ومتميز وذلك في إطار العلاقة بين الدين اليهودي واليهود أنفسهم، متجاهلًا أن الشعب الفلسطيني هو واحد من الشعوب ذات التاريخ والحضارة، ولذلك يصر دومًا على التمسك بأرضه، لأنه يحمل كل مكونات العلاقة بين الشعب والأرض، على عكس اليهود الذين يهرعون خارج حدود الكيان الصهيوني ويعودون إلى بلادهم الأصلية مع أول أزمة حاده تواجههم أو قلاقل أمنية تزلزل استقرارهم، وأظن أن المتتبع للهجرة اليهودية العكسية التي جرت في أعقاب عملية طوفان الأقصى، خاصة الهجرة إلى الخارج، يدرك تمامًا الفارق بين الشعب الفلسطيني المتمسك بأرضه رغم حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على مدى أكثر من عام، وبين اليهود الإسرائيليين الذين هربوا إلى قبرص واليونان ومواطنهم الأصلية خوفًا من استمرار تدهور الأوضاع، خاصة بعد أن نالت الصواريخ التي أطلقها حزب الله من لبنان، أو تلك التي أطلقت من غزة من الأمن والاستقرار في المناطق التي يسكنها إسرائيليون من الشمال إلى الجنوب.

ولذلك فإن محاولة نتنياهو الربط بين ما يسميه بـــ«القومية اليهودية» واليهود في شتى أنحاء العالم ليس إلا محاولة استعمارية لتبرير احتلال الأراضي الفلسطينية واستنادًا إلى أسس دينية، عبر محاولة خلق رابطة استعمارية بين ديانة وبين السعي لتكوين هوية قومية، وهذه العلاقة المزعومة بين «اليهود» والأرض تنفرد بها الديانة اليهودية عن بقية الأديان الأخرى.

كتاب «نتنياهو وحلم إسرائيل الكبرى»

ويرى نتنياهو في ضوء ذلك أن «اليهود» هم «الشعب» الوحيد الذى له حقوق مرتبطة بالأرض الفلسطينية، ومن ثم فهو ينفى أيه حقوق للشعب الفلسطيني، ويرفض أن تكون لهم هوية وطنية مستقلة، ويسميهم دومًا بـــ»العرب الغرباء».

وينكر نتنياهو في كتابه «مكان تحت الشمس» حقيقة أن الفلسطينيين يشكلون قومية خاصة معتبرًا إنهم اختلقوا لأنفسهم قومية خاصة بهم لمواجهة اليهود، فهو يقول: إن العرب أوجدوا هوية فلسطينية جديدة وخلقوا بالأكاذيب شعبًا جديدًا مختلفًا هو الفلسطينيون في الضفة وقطاع غزة ويقول: ليس المقصود هنا أقلية تنتمى لشعب كبير حق استقلاله في إطار21 دولة، بما فيها شرق الأردن، بل شعب جديد تمامًا يطالب بنيل حقوقه القومية.

وفى هذا يزعم نتنياهو أن الفلسطينين لم تكن لهم أى مطالب قومية عبر التاريخ، وأنهم ابتكروا لأنفسهم هوية قومية من العدم بعد1967، وأن العرب دعموا ذلك بشكل كبير، ومن ثم فإن منح حق تقرير المصير لهذه «الأقلية» كما يسميها- تضمن خطرًا كبيرًا يهدد الإستقرار العالمى لأنه يفتح المجال أمام مطالبات كثيرة من أقليات العالم بالإستقلال.

والأمر الذى لا شك فيه أن نظرة نتنياهو إلى الشعب الفلسطيني باعتباره أقلية، ولا هويه له، هو افتئات على الواقع وعلى التاريخ، لأنه يعرف تمامًا أن هذه الأرض فلسطينية، وأن وعد بلفور الذى منح اليهود وطنًا قوميًا في هذه الأرض، لا يغير من حقائق الواقع شيئًا.

يؤكد نتنياهو في كتابه «مكان تحت الشمس» على هذه الادعاءات بقوله: «إن إسرائيل هي المكان الوحيد على وجه البسيطة الذى يستطيع اليهود أن يعيشوا فيه كقومية مستقلة، وليس كأقلية تعيش تحت رحمة الأغلبية.

ويقول: كان هذا المبدأ، في نظر الجماهير اليهودية في العالم، قوة إيجابية وجذابة، أكثر من الحاجة إلى الفرار من اللاسامية أو تحسين مستوى الحياة.

ويسعى نتنياهو إلى إشاعة الكذب والروايات التاريخية المزيفة، مشيرًا إلى أن الأردن هي الوطن القومي للفلسطينيين والأردنيين على السواء، بل ويعتبر أن الأردن جزء من أرض إسرائيل، ويرى فيها حلًا للمشكلة الفلسطينية إلا أنها سوف تظل أيضًا كما يقول أرضًا إسرائيلية يسيطر عليها العرب، ومن ثم فهو يرى أن هناك حلًا مطروحًا للنزاع بين الشعبين، يتمثل بإقامة دولة يهودية لليهود المقيمين في غرب نهر الأردن، ودولة عربية للشعب العربي الذى يقيم معظمه شرقي نهر الأردن.

ويزعم نتنياهو أن تسمية الفلسطينيين كانت تطلق بالأساس على اليهودي وليس العربي في فلسطين، وهو يسوق أكاذيبه بقوله: لم تكن فلسطين العربية قائمة أبدًا، كما لم تكن هنالك منطقة عربية تحاذى منطقة أرض إسرائيل، حتى أن اسم فلسطين نفسه لم يعد مستعملًا بين العرب، البريطانيون هم الذين أحيوه، ومنهم صادره العرب لأنفسهم في القرن الحالي.

ويقول نتنياهو: أما التناقص فهو أن الذين كانوا يلقبون أنفسهم بــ»فلسطينين» فى عهد الإنتداب البريطانى هم يهود فلسطين، كما أن الجنود الذين خدموا فى إطار اللواء اليهودى فى الجيش البريطانى، كانوا يدعون من قبل البريطانين «فلسطينين»، وكان هذا المصطلح خاصًا، أنذاك، باليهود.

وقال: صحيح أنه كان آنذاك إلى جانب اليهود الفلسطينيين «عرب فلسطين» أيضًا، بيد أنه في تلك الأيام لم يكن عرب «أرض إسرائيل» يرفعون شعارات قومية خاصة منفردة، وكانوا يؤكدون دائمًا على انتمائهم للأمة العربية، إن انتماء العرب الفلسطينيين للأمة العربية، لم يضعف مع مرور الوقت أبدًا.

لقد ظل نتنياهو يتحدث عن أرض فلسطين هي أرض فقيرة ومهملة، وأن اليهود هم الذين حققوا التنمية في أرضهم كما يزعم، ولذلك انتشر الاستيطان حتى يتم التمكن من تعمير «الأرض».

لقد ظل نتنياهو يردد هذه المقولات في مراحل تاريخية عديدة، لكنه دومًا يسعى إلى صياغة هذه العقيدة في إطار قانون يشرعن هذه الأمنية وهو ما تحقق في وقت لاحق.

وفى الاجتماع الذى عقدته الحكومة الإسرائيلية في 4 مايو 2014، أعلن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء أنه ماضٍ قدمًا نحو سن قانون يعرف إسرائيل بأنها «الدولة القومية للشعب اليهودي» ويحمل اسم «قانون القومية» وأكد أن عدم سن هذا القانون سيجعل إسرائيل دولة ثنائية القومية.

وقال: إنه لايوجد حتى الأن تعبير كاف عن جوهر دولة إسرائيل، وهذا مايطرحه القانون المقترح، والذى سيعرّف الحق القومى للشعب اليهودى فى دولة إسرائيل، من دون المساس بحقوق الأفراد.

ولفت نتنياهو إلى أن هذا القانون سوف يحصن مكانة قانون (العودة) لليهود من خلال قانون «أساس»، وكذلك سيعزز الرموز الوطنية وعناصر أخرى مرتبطة بالصيرورة القومية، مؤكدًا أن أساس وجود دولة إسرائيل نابع من كونها الوطن القومي للشعب اليهودي.

وقد تعهد نتنياهو في هذا الوقت بأنه يتم سن هذا القانون من خلال الحوار مع جميع أحزاب الائتلاف الحكومي، وأعاد إلى الأذهان أنه سبق وأن أعلن دعم هذا القانون عندما قامت المعارضة بطرحه في الماضي.

وبالفعل في 19 يوليو 2018، أقر الكنيست الإسرائيلي القانون الذى يعرف إسرائيل بأنها «دولة قومية للشعب اليهودي» وذلك بأغلبية 62 ومعارضة 55 عضوًا وامتناع نائبين عن التصويت.

وقد حدد القانون أن اللغة العبرية هي اللغة الرسمية في إسرائيل، كما نص القانون على أن الهجرة التي تؤدي إلى المواطنة المباشرة هي لليهود فقط.

وفى هذه الجلسة تم طرد النواب العرب بعد أن مزقوا مشروع القانون الذين وصفوه بأنه قانون فصل عنصري، يميز بين العرب واليهود من السكان.

وقد ألغى القانون اللغة العربية باعتبارها لغة رسمية ثانية في إسرائيل، كما نص على أن إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي وأن حق تقرير المصير فيها يخص الشعب اليهودي فقط.

لقد تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكنيست حيث قال بعد انتهاء التصويت: «هذه لحظة فارقة في تاريخ الصهيونية وتاريخ دولة إسرائيل».

وقد أدانت السلطة الفلسطينية هذا القانون، حيث أصدرت الخارجية الفلسطينية بيانًا قالت فيه: إذ تدين الوزارة بأشد العبارات إقرار ما يسمى بقانون القومية، وإذ تعتبره أبشع عملية تطاول وإستخفاف بالقوانين والمواثيق والشرائع الدولية والمبادئ السامية لحقوق الإنسان، فإنها تؤكد أن إقرار هذا القانون العنصرى التمييزى أسقط وللأبد جميع الإدعاءات بديمقراطية دولة الإحتلال، كونها الدولة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط، ونصّب إسرائيل فى قمة الدول الظلامية.

و وصف المركز القانونى لحقوق الأقلية العربية فى «إسرائيل» (عداله) القانون بأنه «يعزز التفوق الإثنى الذى يتجلى فى ترسيخ السياسات العنصرية.

لقد استهدف هذا القانون العنصرى فلسطينى48، حيث أكد بالإضافة إلى حصر حق تقرير المصير لى اليهود، وأن الهجرة التى تؤدى للمواطنين هى لليهود فقط، وأن القدس الكبرى عاصمة لدولة الشعب اليهودى، أكد أيضًا على ضرورة تعزيز العلاقة مع «يهود المهجر، ليؤكد بأن هذا التشريع يستهدف الشعب الفلسطينى وقضيته.

وهذا القانون يعنى فى تقدير المراقبين يعنى وفاة «حل الدولتين» لأنه سيزيد من الإستيطان، وترسيخ مقولة «القدس الموحده» عاصمة للدولة اليهودية فقط، كما سيؤدى إلى دمج مفهومى أرض إسرائيل ودولة إسرائيل، الأمر الذى يوضح الإندفاع تدريجيًا إلى مأسته نظام الفصل العنصرى.

وتغاضى القانون الإشارة إلى حدود الدولة اليهودية كما أنه لا يبقى مكانًا لشعب آخر، كى يقرر مصيره على أرضه التاريخية.

وقد صدر القانون فى أحد عشرة مادة، معتمدًا على نصوص مستمدة من العقيدة اليهودية والأيديولوجيا الصهيونية، كما إنه يشكل تشويهًا للتاريخ، وإنتهاكًا متواصلًا للقانون والشرعية الدولية، إلا أن الجديد هو تقنين هذا السلوك وجعله مرجعية ملزمة لكل الحكومات الإسرائيلية القادمة ومحاولة فرضه على العالم.

وتشير المادة الأولى من القانون، إلى أن الحق فى تقرير الصير فى دولة «إسرائيل» أصبح حصريًا للشعب اليهودى، مما يعنى أن هذا القانون لا يعترف بأى حق لأى مجموعة غير يهودية فى تقرير المصير، فضلًا عن عدم الإعتراف بأن هذه الدولة موطن لشعب آخر، كما يعطى الحق لكل يهودى فى العودة إليها بإعتبارها الوطن القومى له، وتنص المادة الثالثة على أن القدس كاملة والموحده هى عاصمة «إسرائيل».

وتفرض المادة السادسة ضمان الدولة لحقوق أى يهودى فى أى من دول العالم، فضلًا عن سعيها لجمع الشتات بالحفاظ على روابط اليهود فى كل مكان.

و وفقًا للمادة السابعة يصبح الإستيطان ضمن الصالح العام، ومن ثم إباحة مصادرة الأراضى لهذا الغرض مباشرة، فضلًا عن أن هذا التطور التشريعى لا يرسخ المؤسسات الصهيونية غير الرسمية فقط، بل يرسخ يهودية الدولة أيضًا، فهى بموجبه تعلن عن إقامة مدن وبلدات لليهود فقط، ومن خلال هذه المادة تشجع إسرائيل فكرة تطوير التجمعات السكنية لليهود فى القرى والمدن، أى تشجيع الإستيطان، وإقامة المجمعات السكنية، وهذه المادة لا تحدد مواقع الإستيطان داخل حدود الدولة، بل تتركها دون تحديد، بما يعنى تشجيع الإستيطان من دون تحديد، أين يكونن وفى أى حدود، كتجاهلة حقوق الفلسطينين المسلمين والبالغ عددهم1.2 مليون نسمة، وايضًا الفلسطينين المسيحين داخل مناطق الــ48 والذين يبلغ عددهم نحو 123ألفًا، كما يبلغ عدد السكان المنتمين لأديان مختلفة بحسب وزارة الداخلية الإسرائيلية 418ألفًا حسب إحصائية 2018.

إن خطورة هذا القانون لا تقتصر التمييز على المجالات الرمزية كتعريف الدولة ورموزها فحسب، بل تمضى إلى ما هو أخطر وابعد من ذلك، حيث يتغلغل إلى المجالات التى تلامس جذور المكانة القانونية للفلسطينين مثل تقرير المصير، والهجرة، والمواطنة، والأراضى، والثقافة، والدين، وهى بهذا تؤسس البنود المختلفة لمشروع القانون لفوقية قومية رسمية شمولية فى القاعدة الدستورية من إسرائيل، وذلك من خلال تحديدها أن الأصل القومى لليهود يشكل قاعدة التمتع بالامتيازات التى تنبع من هذا البند أو ذاك، دون توفير ترتيبات موازية للمواطنين الفلسطينين.

لقد سبق للكنيست الإسرائيلى أن أقر فى العام 1985تعديلًا فى قانون «اساس»، والذى تم من خلاله لأول مرة تعريف إسرائيل رسميًا كدولة للشعب اليهودى، إلا أن التعديل الذى صدر فى القانون الذى تقدم به الليكود وبعض القوى الأخرى فى عام2018، جاء لينص على الدولة اليهودية الديمقراطية كتعريف رسمى يحمل صيغة دستورية.

لقد أثار هذا القانون غضب العديد من أعضاء الكنيست من العرب الفلسطينين حيث وجه النائب توفيق طوبى المنتمى للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة إنتقادات حادة حول خطورة القانون قائلًا: إن هذا القانون يعنى أن 16% من مواطنى الدولة (يقصد الفلسطينين) فى مناطق الــ48- يعنى أنه لا دولة بتاتًا، ويعنى أيضًا الإقرار أنهم سكان بلادولة، وأن دولة «إسرائيل» هى دولة مواطنيها اليهود فقط، وأن المواطنين العرب يعيشون فيها ويسكنوها بدون حقوق متساوية كما للمواطنين اليهود، أى انهم يقولون لـــ700ألف مواطن فلسطينى أنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

لقد حدد البند الثانى من القانون رموز الدولة بالتفصيل وحصر ثقافى النشيد الوطنى الإسرائيلى (نشيد هو هتيكفا) ومضمون علمها (علم الدولة الأبيض، وثمة خطان بالون الأزرق السماوى فى مركزه) وكذلك شعارها (شعار الدولة هو الشمعدان ذو القضبان السبع وغُصنا زيتون فى جانبيه، وكلمة «إسرائيل» فى قاعدته).

إن ذلك يعنى أن قانون العلم والشعار والنشيد الوطنى للدولة وختم الدولة جميعها رموز يهودية وقومية ودينية، كلها تم إصفاء المكانة الدستورية عليها من خلال هذا القانون، مما يؤدى إلى تعميق التمييز القائم ضد الفلسطينين، وهو ما تجسد أيضًا فى إعتماد التقويم العبرى بإعتباره هو التقويم الرسمى للدولة، كما أن البند التاسع من القانون ينص على أن يوم الاستقلال هو يوم العيد الوطنى للدولة، كما تحدد فى البند العاشر من القانون أن أيام العطل المحدده فى إسرائيل هى أيام السبت والأعياد اليهودية، فى حين تجاهل القانون أعياد الــ700ألف مواطن فلسطينى أو عطلاتهم.

ولا شك أن قانون «يهودية الدولة» يتناقض مع مبادئ قرار التقسيم رقم (181) الذى أقرته الأمم المتحدة عام 1947، والذى دعت فيه الدولتين (إسرائيل وفلسطين) إلى تبنى دستور ديمقراطي يضمن عدم ممارسة أي نوع من التمييز بين السكان في العرق أو الدين أو اللغة أو الجيش، وكذلك مخالفة كافة القوانين والعهود الدولية التي ترفض التمييز بأي شكل من الأشكال، وهذه المبادئ سبق وأن وقعت عليها إسرائيل بما في ذلك الإعلان الدولي للتمييز العنصري الصادر عام1965، والمعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية عام1966، والمعاهدة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام1966، والإعلان الدولي لحقوق الأقليات عام1992، والإعلان الدولي لحقوق الأقليات الأصلانية عام2007.

ولم تكن رؤية «يهودية الدولة» بجديدة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكنها رؤية ومعتقد سبق أن طرحه كثيرًا وتبنى الدفاع عنه.

لقد ألقى نتنياهو خطابًا في 20أغسطس2010، أمام مؤتمر «رؤساء كبرى المنظمات اليهودية الأمريكية» أشترط فيه أن يكون السلام مع الفلسطينيين سلامًا يمكن الدفاع عنه كما قال.

وأكد أن هناك شرطين يشكلان لب الموضوع:

- الشرط الأول: الاعتراف بإسرائيل «دولة قومية للشعب اليهودي»، خاصة وأن هناك فرقًا شاسعًا بين مصطلح «دولة يهودية» ومصطلح «دولة قومية للشعب اليهودي» ذلك بأن الأول يقصد دولة لليهود الذين كانوا يعيشون في فلسطين، في حين أن الثاني يفترض أن تكون دولة لليهود في العالم كافة بقوة ما يسمى بالحقوق التاريخية التي تعود إليهم.

وقد فسر «إيجورا إيلاند» الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي هذه الرؤية بقوله إن هناك سببين مهمين وراء هذا الطرح:

- الأول: سبب مرتبط بالمطلب الإسرائيلي المتعلق بنهاية النزاع بهدف وضع حد للمطالب الفلسطينية في المستقبل.

- والثاني: سبب مرتبط بــ»مكانة عرب 48» ذلك بأن هؤلاء في معظمهم يعتقدون أن إسرائيل يجب أن تكون دولة جميع مواطنيها، ولذا فلا حاجة لأن تبقى متمسكة بطابعها اليهودي القومي، وفى رأيه إذا لم تعترف الدولة الفلسطينية التي ستُقام بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، فإن احتمال تسليم الفلسطينيين في إسرائيل بذلك سيبقى احتمالًا ضئيلًا للغاية.

وقال: إذا لم نصر على ذلك الأن يمكن بعد جيل أو جيلين أن نواجه وضعًا يطالب هؤلاء فيه بالحصول على حقوق قومية متساوية، وقال: لا شك أن الدولة الفلسطينية ستؤيد هذا الطلب أتوماتيكًيا، بل حتى سترى فيه ذريعة كافية لإنهاء اتفاق السلام مع (إسرائيل).

وقال: إن الطريق لكبح هذا الخطر، أو على الأقل لإيجاد وضع تحظى فيه إسرائيل بتأييد دول العالم لخوض مواجهة ذد هذا الخطر، هو أن يكون واضحًا من خلال اتفاق الجميع على أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي.

- أما عن الشرط الثاني: فهو متعلق باتخاذ ترتيبات أمنية صارمه لتجنب تكرار ما حدث بعد انسحاب إسرائيل من لبنان وغزة.

قبل ذلك كان نتنياهو قد ألغى خطابًا فى جامعة «بار إيلان» فى 14/6/2009، رد فيه على خطاب أوباما الذى ألقاه فى جامعة القاهرة يوم 4/6/2009، لمح فيه إلى حل «الدولتين»، مما دفعه إلى الرد على هذا الخطاب الذى لمح فيه أوباما إلى الهولوكست الذى تعرض له اليهود على يد هتلر بإعتباره دافعًا لقيام دولة إسرائيل!!.

قال نتنياهو فى خطابه: إن حق الشعب اليهودى فى أن تكون له دولة فى أرض إسرائيل (فلسطين) لا ينبع من سلسلة الويلات التى إبتلى بها.

وقال: إن هناك من يقول انه لولا وقوع المحرقه لما كانت دولة إسرائيل ستقوم، لكننى أقول إنه لو قامت دولة إسرائيل فى موعدها لما كانت المحرقة ستقع أصلًا.

وقال: إن حقنا فى إقامة دولتنا هنا فى أرض «إسرائيل» مرده حقيقية واحدة بسيطة: أن هذه الأرض هى وطن الشعب اليهودى، وهنا نشأت هويتنا، كما قال رئيس الحكومة الأول ديفيد بن جوريون لدى إعلانه إقامة الدولة وأضاف: نشأ الشعب اليهودى فى أرض إسرائيل، وفيها تمت صياغة شخصيته الروحانية والدينية والسياسية، وفيها عاش حياة مستقلة فى دولة ذات سيادة، وفيها أنتج ثرواته الثقافية الوطنية والإنسانية العامة وأورث العالم أجمع سفر الأسفار الخالد..

كان نتنياهو مصرًا فى كافة خطاباته التأكيد على أن هذه الأرض هى وطن للشعب اليهودى مطالبًا بإجبار الفلسطينين والعرب والعالم الإعتراف بها وبناء السلام على أساسها.

وفى خطابه خلال جلسة الكنيست التى عقدت فى 12/3/2014، وبمناسبة زيارة رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون قال نتنياهو: «إننا نريد السلام مع جيراننا الفلسطينين، لكن تكوين هذا السلام يستوجب إعتراف الفلسطينين بالصلة التاريخية التى تربط الشعب اليهودى بوطنه فى أرض إسرائيل وبحقوقه فيها مدعيًا أن السكان الفلسطينين الأصلانيين فى هذه الأرض كانوا نتاج هجرة عربية مكثفة من دول الجوار، أفرزتها عودة اليهود إلى أرض إسرائيل وما ترتبت على هذه العودة من عمليات تجدد وإعادة إعمار.

وكان جورج بوش هو أول رئيس أمريكى يتحدث فى خطاب ألقاه فى العقبه الدولى فى العام 2003، على فكرة الإعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» كما أنه إستهل خطابه الذى ألقاه أمام الكنيست فى 15أغسطس2008، بمناسبة الذكرى الستين لإقامة إسرائيل بقوله: «لقد اجتمعنا لأحياء مناسبة بالغة الأهمية، حيث كان دافيد بن جوريون قد أعلن من قبل ستين عامًا فى تل أبيب إستقلال دولة إسرائيل القائم على أساس «الحق الطبيعى للشعب اليهودى» فى تقرير مصيره، بمعنى وطن قومى للشعب المختار على أرض إسرائيل!!.

لقد تضمن قانون أساس: قانون «الدولة القومية للشعب اليهودى» عددًا من المبادئ أهمها:

- أن أرض إسرائيل هى الوطن التاريخى للشعب اليهودى ومكان إقامة دولة إسرائيل.

- أن دولة إسرائيل هى الوطن القومى للشعب اليهودى الذى تجسد فيها حقه فى تقرير المصير بناء على تراثه الحضارى والتاريخى.

- أن حق تقرير المصير القومى لدولة إسرائيل مقصور على الشعب اليهودى.

- أن دولة إسرائيل هى دولة ديمقراطية تقوم على أساس الحرية والعدالة والسلام على ضوء رؤية أنبياء إسرائيل وتلتزم بحماية الحقوق الشخصية لجميع مواطنيها بمقتضى القانون.

وهكذا تجسدت نصوص قانون الدولة القومية لليهود فى إسرائيل على الوجه النهائى كالتالى:

بند (1) المبادئ الأساسية:

1- أرض «إسرائيل» هى الوطن التاريخى للشعب اليهودى وفيها قامت إسرائيل.

2- دولة إسرائيل هى الدولة القومية للشعب اليهودى، وفيها يقوم بممارسة حقه الطبيعى والثقافى والدينى والتاريخى لتقرير المصير.

3- ممارسة حق تقرير المصير فى دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودى.

بند (2) رموز الدولة:

1- إسم الدولة «دولة إسرائيل».

2- علم الدولة: أبيض، وعليه خطان أزرقان، وفى وسطه نجمة داود زرقاء.

3- شعار الدولة: هو الشمعدان السباعى وعلى جانبيه غصنا زيتون، وكلمة «إسرائيل» تحته.

4- النشيد الوطنى للدولة هو نشيد «هتكفا».

5- تفاصيل رموز الدولة تحدد فى القانون.

بند (3) عاصمة الدولة:

1- القدس الكاملة والموحدة هى عاصمة إسرائيل.

بند (4) اللغة:

1- اللغة العبرية هى لغة الدولة.

2- اللغة العربية لها مكانة خاصة فى الدولة، تنظيم إستعمال اللغة العربية فى المؤسسات الرسمية أو التوجه إليها يكون بموجب القانون.

3- لا يمس المذكور فى هذا البند باتلمكانة الممنوحة فعليًا للغة العربية.

بند (5) لم الشتات:

1- تكون الدولة مفتوحة أمام قدوم اليهود ولم الشتات.

بند (6) العلاقة مع الشعب اليهودى

1- تهتم الدولة بالمحافظة على سلامة أبناء الشعب اليهودى ومواطنيها، الذين تواجههم مشاكل بسبب كونهم يهودًا أو مواطنين فى الدولة.

2- تعمل الدولة فى الشتات للمحافظة على العلاقة بين الدولة وأبناء الشعب اليهودى.

3- تعمل الدولة على المحافظة على الميراث الثقافى والتاريخى والدينى اليهودى لدى يهود الشتات.

بند (7) الإستيطان اليهودى:

1 - تعتبر الدولة تطوير الإستيطان اليهودى قيمة قومية، وتعمل لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته.

بند (8) التقويم الرسمى:

1 - التقويم العبرى هو التقويم الرسمى للدولة.

وإلى جانبه التقويم الميلادى تقويمًا رسميًا.

بند (9) يوم الاستقلال ويوم الذكرى:

1 - يوم الاستقلال هو العيد القومى الرسمى للدولة.

2 - يوم ذكرى الجنود الذين سقطوا فى معارك إسرائيل، ويوم ذكرى الكارثة والبطولة هما يوما الذكرى الرسميان للدولة.

بند (10) أيام الراحة والعطل:

1 - يوم السبت وأعياد الشعب اليهودى هى أيام العطلة الثابتة فى الدولة، لدى غير اليهود الحق فى أيام عطلة فى أعيادهم، وتفاصيل ذلك تحدد فى القانون.

بند (11) نفاذ القانون:

1 - أي تغيير فى هذا القانون يستلزم أغلبية مطلقة من أعضاء الكنيست.

لقد حظي هذا القانون بانتقادات حاده من كافة الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية، لأنه لا يمثل تمييزًا مناقضًا للمواثيق والقرارات الدولية التي وقعت عليها «إسرائيل» فحسب، وإنما هو حكم بإعدام الشعب الفلسطيني، خاصة هؤلاء الذين يقطنون تحت سلطة الكيان الصهيوني في منطقة الـــ»48».

لقد كان هذا القانون هو حلقة جديدة من حلقات سيطرة إسرائيل على ما تبقى من أراض فلسطينية والسعي إلى تهجير الفلسطينيين من مناطقهم إلى خارج الأرض الفلسطينية، وهو ما عبر عنه نتنياهو في مقولاته، وفى حرب الإبادة التي شنها ضد الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً«نتنياهو وحلم إسرائيل الكبرى».. كتاب جديد لـ مصطفى بكري يكشف فيه بالوثائق استراتيجية الكيان الصهيوني للهيمنة على المنطقة

فصول من كتاب «نتنياهو وحلم إسرائيل الكبرى».. (6) وصايا الجد

فصول من كتاب «نتنياهو وحلم إسرائيل الكبرى».. (7) جابوتنسكي «الملهم»

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: مصطفى بكري الحضارة طوفان الاقصى التاريخ الفلسطيني كتاب نتنياهو وحلم إسرائيل الكبرى اليهودية القومية اليهودية الدين اليهودي نتنیاهو وحلم إسرائیل الکبرى الشعب الفلسطینی حق تقریر المصیر دولة إسرائیل رئیس الوزراء أرض إسرائیل هذا القانون إسرائیل هى من القانون نتنیاهو فی هذه الأرض فى تقریر أن تکون من خلال فى دولة ومن ثم على أن لم تکن أن هذه کما أن أن هذا إلا أن یهود ا فى أرض

إقرأ أيضاً:

مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها

مصطلح إشكالي يشير إلى تقديم دعم منظم ومقصود من قبل دول أو جهات فاعلة لأعمالٍ تصنف بأنها إرهابية، بغرض تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية. ويشمل ذلك التمويل وتوفير الملاذ الآمن والتسليح والتدريب، وصولا إلى الدعم اللوجستي والسياسي الذي يضمن بقاء التنظيمات المسلحة واستمرار نشاطها.

وقد أصبح هذا المفهوم محورا مركزيا في النقاشات المتعلقة بالأمن الدولي، إذ إن هذا النوع من الدعم يضاعف القدرات الذاتية للجماعات المسلحة، ويجعل مكافحتها بالوسائل التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. كما أن المفهوم تحول إلى أداة رئيسية في هندسة العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، وبات معيارا حاسما في تقييم الشرعية السياسية للأنظمة وتبرير التدخلات ضدها، وأداة من أدوات الصراع على النفوذ وتصفية الحسابات السياسية.

تاريخيا، برز المفهوم خلال الحرب الباردة لوصف استخدام القوى العظمى جماعات مسلحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، ثم اكتسب مركزية جديدة في سياق الحرب على الإرهاب، حيث استُخدم لتجريم دول بأكملها بوصفها حواضن للإرهاب، وصولاً إلى المنطقة العربية حيث تداخل مع جدل حاد حول التمييز بين رعاية الإرهاب ودعم حركات التحرر الوطني.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يمين) يصافح كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (الجزيرة)الإرهاب ورعايته ودعمه.. ما المقصود بكل ذلك؟

يعرّف الإرهاب (Terrorism) في أوسع صوره بأنه استخدام العنف أو التهديد به بغرض تحقيق أهداف سياسية، وقد يُلحق بهذا التعريف شروط أخرى مثل استهداف المدنيين أو ارتكاب أفعال تجرّمها القوانين.

ويمكن تمييز الإرهاب عن العنف السياسي والكفاح المسلح من خلال طبيعة الأهداف والضحايا، حيث يرتكز الإرهاب على الاستهداف المتعمد للمدنيين ولغير المقاتلين بغرض إيصال رسالة سياسية.

وفي المقابل، تشير رعاية الإرهاب إلى تقديم دعم مقصودٍ من دول أو جهات غير حكومية لجماعات مسلحة غير حكومية؛ من أجل تنفيذ تلك الأفعال نيابة عن الدولة، بغية تحقيق مصالحها مع الحفاظ على قدر من الإنكار. ويتجلى ذلك في صور مثل تقديم التمويل والملاذ والتدريب لتنظيمات أخرى، خدمةً لأهداف مشتركة.

إعلان

ويلحق بهذه التعريفات إشكالية وصف فعل محدد بأنه فعل إرهابي، والتمييز بينه وبين الكفاح المسلح أو المقاومة، خاصة إذا كان هذا الفعل موجها ضد الاحتلال. إذ لا توجد جهة دولية عليا متفق عليها تحدد ما ينطبق وما لا ينطبق عليه هذا الوصف، بل تظل المسألة خاضعة للتوازنات السياسية وحسابات الدول القوية وتأثيرها بحسب مصالحها الاستراتيجية.

أما مصطلح "الدولة الراعية للإرهاب"، فهو مصطلح في القانون الأمريكي والأنظمة القانونية المماثلة، ويعدّ تصنيفا رسميا يطلق على الدول التي يقرر وزير الخارجية -من منظور حكومته- أنها قدمت دعما متكررا لأعمال الإرهاب الدولي، سواء من حيث التمويل أو التدريب والتسليح أو تقديم ملاذ آمن أو غير ذلك، مما يترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية صارمة وقيود على التصدير والمساعدات ورفع الحصانة السيادية أمام المحاكم.

وقد فرضت واشنطن -تاريخيا- عقوبات على دول مختلفة بحجة أنها راعية للإرهاب، مثل العراق وإيران والسودان وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا وليبيا واليمن الجنوبي. وقد تغيّر وضع بعض هذه الدول في فترات لاحقة بناء على تطور العلاقات السياسية والتسويات الدبلوماسية، حيث أزيل العراق في فترات معينة لغايات الدعم العسكري ثم أعيد، كما سحبت كل من ليبيا والسودان وكوبا من القائمة إثر تفاهمات سياسية محددة.

الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو أثناء اقتياده إلى محكمة أمريكية بتهمة الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات (رويترز)تطوّر مفهوم رعاية الإرهاب

برز مصطلح رعاية الإرهاب في الأدبيات السياسية والأمنية الغربية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لوصف ظاهرة لجوء بعض الحكومات إلى استخدام جماعات مسلحة غير حكومية وكلاء لتحقيق أهدافها. وارتبط هذا المفهوم بديناميكيات الحرب الباردة، حيث نظرت القوى الكبرى -ولا سيما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية- إلى هذه التنظيمات بوصفها أداة غير مكلفة لخوض حروب بالوكالة ضد الخصوم، وتوسيع النفوذ في مناطق النزاع دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.

ومن أبرز الأمثلة المبكرة على هذه الرعاية الدولية، ما أثير بشأن تقديم دول مثل ليبيا الأسلحة والدعم المالي لتنظيمات مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي، والدعم السوفياتي لجماعات يسارية في أوروبا، إلى جانب رعاية دول شرق أوسطية لفصائل فلسطينية مسلحة لتصفية خصومات إقليمية.

وانعكس هذا الواقع العملي على نقاشات القانون الدولي، من خلال دفع الفقهاء والمؤسسات الدولية للبحث في كيفية تحميل الدول المسؤولية القانونية عن أفعال فاعلين غير حكوميين، مما أدى إلى تطوير نظريات قانونية معقدة مثل معيار السيطرة الفعالة؛ من أجل ربط الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات بالدول التي تمولها وتوجهها.

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه لمفهوم رعاية الإرهاب لأسباب عدة منها إصرار بعض الدول على التمييز بين ما تراه إرهابا وبين ما تراه حركات تحرر وطني، فقد تعاملت اتفاقيات مكافحة تمويل الإرهاب -وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999- مع مسألة مسؤولية الدول بوضوح، عبر إلزامها باتخاذ تدابير لمنع تمويل الأعمال الإجرامية، وتجريم توفير أو جمع الأموال لصالح جهات إرهابية، وتجميد الأصول التابعة لها، مما جعل توفير التمويل شكلا من أشكال رعاية الإرهاب المحظورة.

إعلان

وتقع رعاية الإرهاب ضمن التصنيفات القائمة لانتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، باعتبارها مشاركة في جرائم محظورة، حيث تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها استهداف المدنيين ونشر الرعب بينهم، وتعد الدولة الداعمة شريكة في هذه الانتهاكات متى ما ثبت توجيهها للفاعلين.

وتوجد ثغرات متعددة في المسار القانوني لمحاسبة الدول على دعم الإرهاب، منها صعوبة إثبات الارتباط السببي ومعيار السيطرة الفعالة بين الدولة والجماعة المنفذة، بسبب الطبيعة السرية لهذه العلاقات، إلى جانب التسييس واستخدام حق النقض في مجلس الأمن الذي يحول دون فرض عقوبات موحدة على الدول الراعية التي تحظى بحماية قوى كبرى.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتحدث خلال اجتماع وزاري بشأن الإرهاب السياسي في واشنطن (رويترز-2026)عصا دعم الإرهاب

تستند البنية القانونية لتصنيف دولة ما بوصفها راعية للإرهاب إلى قوانين تشريعية محددة. فيعتمد النظام الأمريكي مثلا على ثلاثة قوانين رئيسية، هي: القسم 1754(ج) من قانون تفويض الدفاع الوطني (قانون الرقابة على الصادرات)، والقسم 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة، والقسم 620 (أ) من قانون المساعدات الخارجية لعام 1961.

وتتمثل النتائج القانونية المباشرة المترتبة على هذا التصنيف في أربع فئات رئيسية، تشمل:

فرض قيود على المساعدات الخارجية الأمريكية. حظر الصادرات والمبيعات الدفاعية والأسلحة. فرض ضوابط على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج. فرض قيود مالية أخرى تمنع قروض المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وتسمح لضحايا الإرهاب برفع دعاوى قضائية للحصول على تعويضات مالية.

وتصنف الولايات المتحدة الأمريكية أربع دول باعتبارها دولا راعية للإرهاب، أقدمها سوريا (1979) قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزمه على رفعها من هذه القائمة، ثم إيران (1984)، وكوريا الشمالية (2017)، وكوبا (2021).

وعلى صعيد العلاقات الدولية، يجتذب وصم الدولة الراعية للإرهاب انتباها سلبيا عالميا، يثبط الاستثمار الأجنبي والمساعدات الدولية. كما يعقد هذا التصنيف العلاقات الدبلوماسية ويقيد مرونة السلطة التنفيذية في التفاوض أو تحسين العلاقات الثنائية بسبب الطبيعة الشاملة للعقوبات. ولا يرتبط هذا التصنيف دائما بأدلة قاطعة وواضحة على دعم الإرهاب في الوقت الحاضر، بل يخضع بشكل كبير لاعتبارات جيوسياسية وتوجّهات السياسة الخارجية.

ولضمان التزام المجتمع الدولي، تستخدم العقوبات الثانوية للضغط على دول وشركات أخرى للامتثال لهذا التصنيف الأحادي، حيث تفعّل قوانين تعاقب الأفراد والكيانات والدول الثالثة التي تمارس أعمالا تجارية أو مالية مع الدولة المصنَّفة، مما يجبر المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية على مقاطعة تلك الدول حتى تتجنب التعرض للغرامات أو الحرمان من الوصول إلى الأسواق.

جدارية في العاصمة هافانا تضم زعماء في كوبا التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (أسوشيتد برس)النقد الأكاديمي والفكري

يمثل غياب تعريف دولي شامل ومتفق عليه لمفهوم الإرهاب ورعايته مشكلة قانونية. وفي هذا السياق، تجادل دراسة الباحث آري ويل (Ari Weil) المعنونة "تحديات تعريف الإرهاب في القانون الدولي" بأن هذا الغياب يترك فراغا قانونيا، ويجعل المفهوم خاضعا للأهواء، مؤكدا أن هذا الفراغ يسمح للدول بتوظيف المصطلح سياسيا لخدمة مصالحها وتجريم خصومها.

ويبرز نقد آخر يتعلق بالتداخل المعقد بين مفهوم رعاية الإرهاب ومفاهيم المقاومة والكفاح المسلح. وتوضح أطروحة الباحث عبد الجبار مكاوي حول "المسؤولية الجنائية الدولية عن جرائم الإرهاب الدولي" أن دولا عديدة تصر على التفريق بين الأعمال الإجرامية وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية. وقد خلق هذا التداخل جدلا عميقا حول مسألة الشرعية، وهو ذات الخلاف الدبلوماسي الذي أدى إلى شلل مفاوضات الاتفاقية الشاملة للإرهاب في الأمم المتحدة، حيث تتباين المواقف إزاء ما إذا كان دعم حركات التحرر يعتبر واجبا مشروعا أم رعاية للإرهاب.

إعلان

ومن أوجه الانتقاد الأخرى ظاهرة التركيز الانتقائي على حالات معينة من العنف وتصنيفها إرهابا برعاية دول، مع تجاهل حالات مشابهة ترتكبها دول أخرى. ويذهب هذا النقد إلى أن التركيز يُسلّط دائما على الفاعلين من غير الدول أو الدول المارقة، بينما يتم التغاضي عن إرهاب الدولة المباشر أو العنف الذي تمارسه القوى الكبرى، مما يجعل التصنيف أداة في يد الأقوى بدلا من كونه معيارا قانونيا محايدا.

كما أن التصنيفات الأحادية -مثل القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب- كانت هي الأخرى محل نقد، فهذه القوائم أدوات للسياسة الخارجية والمناورة الجيوسياسية، وليست تقييمات موضوعية. وتطرح دراسة "القائمة السوداء كسياسة خارجية" المنشورة في مجلة ديوك القانونية مشكلة إدراج الدول وخضوعها لخلافات سياسية واستخدامها أوراق ضغط أو مساومة، مشيرة إلى غياب المعيار الموحد في عملية التصنيف.

وتتضح هذه الانتقائية بشكل جلي عند مقارنة دول متهمة رسميا ومدرجة في القوائم بدول أخرى مستبعدة رغم دعمها لجماعات مسلحة. ويشير الباحث بول بيلار إلى حالة كوبا التي اعتبر بقاؤها في القائمة مرتبطا بالسياسة الداخلية الأمريكية، وحالة العراق الذي سحب من القائمة في الثمانينيات لتسليحه ضد إيران ثم أعيد إليها لاحقا. ويقارن الباحث ذلك بدول حليفة، مثل باكستان أو السعودية، التي استبعدت من التصنيف تماما رغم تقارير توثق تقديمها دعما لوجستيا أو تمويليا لجماعات مسلحة، مما يثبت تباين المعايير.

كما يوجد في الأدبيات أيضا نقد يشكك في فعالية رعاية الإرهاب وفرض العقوبات، وأثرها الفعلي، بين الحكومات والأنظمة التي قد تجد طرقا متعددة للالتفاف على هذه العقوبات والقيود، وبين الشعوب التي تكون هي من يتجرع تداعيات هذه العقوبات، بما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة، وتقويض العدالة بدلا من الحد من العنف.

مقالات مشابهة

  • عصام هلال: ثورة 23 يوليو المجيدة جسدت إرادة الشعب المصري في بناء دولة قوية
  • بتوجيهات رئيس الدولة.. الإمارات تستجيب بشكل عاجل لإغاثة المتأثرين من فيضانات غانا
  • اللواء فؤاد علام: جماعة الإخوان لم تكن تملك قيادات سياسية مؤهلة لإدارة دولة بحجم مصر
  • “الشبعاني‎”: الاستحقاق الوطني في ليبيا مسؤولية دستورية مشتركة بين مؤسسات الدولة
  • مكتب نتنياهو: إحباط مخطط إيراني لاستهداف مسئولين كبار في إسرائيل
  • لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
  • ‏بتوجيهات ⁧‫رئيس الدولة‬⁩.. الإمارات تستجيب بشكل عاجل لإغاثة المتأثرين من فيضانات ⁧‫غانا‬⁩
  • حفل توقيع كتاب “على هذه الأرض” للكاتبة أفنان العديني
  •  وزير الدولة للشؤون الخارجية يجتمع مع الأمين العام لرابطة (آسيان)
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها