المسلة:
2026-06-03@04:32:39 GMT

انكسار الهيبة

تاريخ النشر: 28th, June 2025 GMT

انكسار الهيبة

27 يونيو، 2025

بغداد/المسلة: رياض الفرطوسي

حين تُقصف السماء لا تتساقط الصواريخ فقط، بل تنهار معها الصور المزيفة للقوة. في هذه الحرب، لم تُهزم إيران، ولم تنتصر إسرائيل، لكن الذي انكسر حقاً هو وهم “الهيبة” الذي روّجت له تل أبيب لعقود، وسوّقته واشنطن كقاعدة استراتيجية لا تُمس. إننا أمام لحظة تاريخية لا تُقاس بحجم الدمار فقط، بل بعمق التحوّل في موازين الردع، وسقوط الرواية القديمة للهيمنة.

في هذا المقال سنتتبع ملامح هذا الانكسار.

لم تكن السماء هذه المرة مجرد مجال للقتال. لقد تحوّلت إلى مرآة تعكس خلل العالم، وتكشف زيف التفوق، وتعري الحقيقة المجردة التي حاولت إسرائيل طويلًا طمسها تحت رماد أسلحتها. الحرب التي أرادت لها تل أبيب أن تكون استعراضاً صاخباً لانتصار محسوم، تحوّلت إلى كابوس استراتيجي لم يكن في الحسبان. فإيران، التي اعتادت أن تُقاتل بالحذر، فجّرت المفاجأة، لا بالتصعيد وحده، بل بإعادة تعريف طبيعة الردع وحدود التوازن.

لم تعلن إيران الحرب، لكنها كانت مهيأة لها. ولم تنتظر أن تُستدرج إلى الأرض، بل نقلت المواجهة إلى قلب السماء التي طالما توهّمت إسرائيل امتلاكها حصرياً. صواريخ ذكية عبرت القباب الحديدية كما لو كانت تمرّ عبر خطابٍ متصدّع. مراكز بحثية تحولت إلى ركام. بيوت وعمارات في تل أبيب وحيفا لم تعد تصلح للنشيد الوطني ولا لتصوير الجنود العائدين من الجبهات. وها هو مركز الأبحاث القومي الإسرائيلي نفسه يعترف بأن 73٪ من السكان لم يعودوا يصدقون ما تروّجه الحكومة عن «نجاحات» وهمية. الحقيقة صارت أقوى من الإعلام.

لقد تورّطت الولايات المتحدة، كما تفعل دائماً، في لحظة رعناء من الحسابات الخاطئة. تصوّر الرئيس دونالد ترامب أن الحسم لن يتجاوز ساعات. أن طهران سترفع الراية البيضاء، وأن صورته ستُعلق في قلب القدس المحتلة إلى جانب بنيامين نتنياهو في احتفال المنتصرين. لكن إيران، بخبرتها التاريخية، لم تقاتل بالطريقة التي يعرفها الغرب. بل قاتلت كما يُقاتل من لا يراهن على أحد، ولا يثق في أحد، ولا يكتب تاريخه إلا بمداد الرفض.

لقد شاركت واشنطن في الخديعة. أو هكذا ظنّت. فاستخدمت المفاوضات ستاراً لتغطية قرارٍ إسرائيلي بالحرب. وطالبت الإيرانيين صراحةً بإسقاط مرشدهم الأعلى، وكأنها تُعيد كتابة سيناريوهات العراق وسوريا بنسخة جديدة. لكنها لم تنتبه إلى أن الزمن تغيّر، وأن الشعوب المتورطة في الموت اليوم لم تعد كما كانت أمس.

حين هدّدت أمريكا بالتدخل، تراجعت تحت ضغط الداخل. الأصوات الرافضة اشتعلت من قلب واشنطن، لأن إيران لم تُعلن الحرب على أمريكا، ولأن البوصلة بدأت تنحرف، لا سياسياً فقط، بل أخلاقياً أيضاً. في المقابل، صواريخ إيران بدأت تكشف هشاشة قواعد اللعبة، ووضعت واشنطن أمام سؤال لم يكن في الحسبان: هل تخاطر بحرب شاملة لمجرّد إنقاذ صورة إسرائيل؟ وهل تجرؤ على فتح أبواب الجحيم في الخليج من أجل أن يبتسم نتنياهو في مؤتمر صحفي؟

المعادلة بدأت تتغيّر. لم تعد إسرائيل تملك حصرية المبادرة. التفوق العسكري لم يعد امتيازاً خالصاً، والدعم الأميركي لم يعد كافيًا لتغطية ارتباك المؤسسة الأمنية في تل أبيب. إننا أمام لحظة مفصلية يتقاطع فيها الفشل العسكري مع الفضيحة السياسية. فهل بقي شيء من الرواية الإسرائيلية؟ من تلك القصة التي تقول إنهم دائماً في موقع الدفاع، وإنهم الأكثر التزاماً بالقانون الدولي، وإنهم لا يقتلون المدنيين؟ هل يمكن حقاً أن تُقنع العالم بأن آلاف القتلى في غزة مجرّد «خسائر جانبية»؟

لقد تجاوزت إيران مرحلة المقاومة العمياء، ودخلت لعبة الحرب بتخطيط ووعي ومعرفة. صحيح أنها لم تَنتصر بعد، لكن الأصح أن إسرائيل لم تعُد قادرة على الادّعاء بأنها انتصرت. والتاريخ لا يكتبه من لم يخسر فقط، بل من أفشل مشروع الآخر.

في عمق هذه الحرب، تُمتحن مفاهيم جديدة: ما معنى الردع؟ وما حدود التفوق؟ ومن يحسم المعركة في زمن الطائرات المسيّرة والصواريخ فوق الصوتية؟ وهل لا تزال القواعد العسكرية كافية لضمان الأمن؟ أم أن هناك زمناً جديداً يوشك أن يولد من تحت الأنقاض، ومن فوق السطوح المحترقة، ومن بين جثث الأطفال في غزة والصرخات المكبوتة في طهران وتل أبيب على حد سواء؟

العالم يتابع، لكن لا أحد يستطيع التكهّن بالنهاية. الكل يتكلم عن النصر والهزيمة، لكن من يُحدد معايير النصر؟ من الذي يربح حقاً: من يُسقط الأبراج، أم من يُسقط الرواية؟ من يحتفل بالعدّاد الإلكتروني للضحايا، أم من يُربك المعادلة ويُجبر الخصم على مراجعة عقيدته القتالية؟ لقد دخلت الحرب مرحلة اللايقين، وهو أكثر ما يُرعب العدو الذي لا يحتمل المفاجآت.

لا ريب أن حرب اليوم قد تُفتح على أبواب أوسع. هناك حديث خافت عن السلاح النووي. وهناك إشارات مريبة من الجانب الإيراني إلى مفاجآت قادمة. فهل تكون الخطوة التالية تجربة نووية تُقلب الطاولة تماماً؟ وإن حدث ذلك، فمَن الذي يملك حق الرد؟ ومن الذي يتحمّل فاتورة العواقب؟

القانون الدولي، الذي ما زال يُحاضر علينا بحقوق الإنسان، يقف اليوم صامتاً. أو خائفاً. أو متواطئاً. لأن مشهده في غزة لا يحتاج إلى دليل: آلاف القتلى، صور أطفال مبتوري الأطراف، شوارع تُقصف كأنها صفحات قابلة للطيّ. أين المجتمع الدولي؟ أين الأمم المتحدة؟ أين تلك العدالة التي تُطربنا بها العواصم الكبرى حين تخاطبنا من فوق منصات المؤتمرات؟ لا جواب، سوى أن العالم اليوم يُدار بالصوت الأعلى لا بالحق الأوضح.

ربما لن تكون هذه الحرب مجرد جولة عابرة في دفتر الصراع، بل لحظة فارقة يُعاد فيها رسم حدود القوة. إنها مواجهة لا تُقاس بعدد الضربات، بل بعمق التحول: من يكتب التاريخ الآن، ومن يُجبر الآخر على قراءته بصوتٍ مرتجف؟

من حق إسرائيل أن تُراجع حساباتها. ومن حق إيران أن تشعر بأنها نقلت المعركة إلى مستوى لم يكن أحد يتوقعه. لكن الأهم من كل هذا، أن المنطقة كلها دخلت مرحلة جديدة. مرحلة لا تُقصف فيها السماء فقط، بل يُقصف معها وهم الاستقرار، وسُعار التفوق، وشهية الكذب الاستراتيجي.

لقد بدأ الزمن يتحرك في اتجاه آخر… وزمن الرواية الإسرائيلية القديمة، يبدو أنه قد شارف على نهايته.

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author moh moh

See author's posts

المصدر

المصدر: المسلة

كلمات دلالية: تل أبیب

إقرأ أيضاً:

“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان

 

تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني

مقالات مشابهة

  • رقم صادم.. ما حجم الإنفاق الأمريكي على الحرب ضد إيران؟
  • الحرب على إيران وسعت العلاقة بين إسرائيل والإمارات.. مسؤول رفيع يكشف التفاصيل
  • غروسي: الكثير من أنشطة إيران النووية توقفت بسبب الحرب
  • “إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • ترامب محاصر ولا يستطيع إنهاء الحرب ونتنياهو جزء من تعقيدات ملف إيران.. شاهد
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • زعيم الديمقراطية بمجلس الشيوخ ينتقد الحرب الأمريكية على إيران
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • نتنياهو: نظام إيران سيسقط في النهاية