لسان المدير بين التوجيه والتجريح.. أثر الشخصية القيادية في بيئة العمل
تاريخ النشر: 7th, July 2025 GMT
في بيئة العمل، تشكل شخصية المدير عاملًا حاسمًا في استقرار الفريق وتحفيزه أو زعزعة روحه الإنتاجية؛ فطريقة تعامله، وأسلوبه في الحديث، وحدّ نبرة صوته، كل ذلك يؤثر بشكل مباشر في بيئة العمل، وصحة الفريق النفسية والمهنية. وقد يواجه الموظفون نماذج مختلفة من المدراء؛ فمنهم من يتمتع بالقلب الطيب، ويوازن بين الحزم والاحترام، ومنهم من يتعامل بلسان سليط، يجرح أكثر مما يوجّه، ويأمر أكثر مما يلهم.
المدير الذي يملك لسانًا سليطًا، يستخدم القسوة في كلماته ويعتمد على النقد الجارح، قد يظن أنه يحفّز الموظفين، أو يُظهر الجدية، لكنه في الواقع يهدم الجسور، ويغرس الخوف مكان الاحترام. بيئة كهذه تجعل الموظف يعمل مضطرًا، لا مُلهمًا، ويؤدي مهامه بقلق لا بحب. ولسوء الحظ، يتغاضى بعض المدراء عن أثر الكلمات، فيتحول الصوت العالي والتهكم والسخرية إلى أدوات إدارة، ظنًا منهم أن هذا ما يحقق السيطرة.
في المقابل، المدير ذو القلب الطيب لا يعني بالضرورة أنه متساهل أو ضعيف، بل هو من يدرك أن الحزم يمكن أن يكون بأدب، وأن التوجيه يمكن أن يرافقه الاحترام. يخلق مساحة آمنة للحوار، ويمنح الفرص للتعلم من الأخطاء، ويحتوي الفريق بروح الإنسان قبل منصب المسؤول. مثل هذا المدير، حتى إن أخطأ في لحظة انفعال، تجد في قلبه طيبة تُصلح، وتواضعًا يُعيد التوازن.
وحين يجد الموظف نفسه أمام مدير سليط اللسان، فإن أفضل أسلوب للتعامل يكون بالتحلي بالهدوء والاحترام، وعدم الوقوع في فخ الرد بالمثل. فالمهنية تبقى الدرع الأقوى، والردود الحكيمة تحفظ الكرامة دون تصعيد. وفي بعض الحالات، لا بد من اتخاذ موقف هادئ؛ كتحديد وقت مناسب لمصارحة المدير إن كان ذلك ممكنًا، أو اللجوء للمسؤول الأعلى عند حدوث تجاوزات لا تُحتمل. الأهم دائمًا هو حماية النفس من الانزلاق إلى دوامة التوتر المستمر، وعدم السماح لكلمات مؤذية بأن تخلخل الثقة بالنفس، أو تقلل من القيمة الذاتية.
في النهاية، المدير الحقيقي هو من يترك في نفوس موظفيه أثرًا طيبًا، لا مجرد إنجازات أو تعليمات. الكلمات لا تُنسى، والمواقف تبقى في الذاكرة طويلاً، فليكن أثر المدير رفعة لا عبئًا، وبصمة بناء لا هدمًا.
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
حين تُكسَر المكانة قبل الرأي
أسماء باقوير
ليست كل الجراح تأتي من كلمةٍ قاسية، فبعضها يولد عندما يُهمَل رأي إنسانٍ منحناه مكانةً كبيرة في قلوبنا، وقدّرناه واحترمناه، ثم وجد أن رأيه لم يلقَ ما يليق بمكانته من احترام وتقدير.
قد نختلف في الآراء، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يكون الإنسان هو صاحب المبادرة، ومن حقه أن يحدد تفاصيلها، ثم يُتجاوز رأيه وكأنه لم يُقل، فإن الألم لا يكون بسبب القرار بقدر ما يكون بسبب الشعور بأن مكانته لم تُحترم.
فالإنسان قد يتقبل أن يُخالفه الآخرون، لكنه يصعب عليه أن يشعر بأن رأيه أُلقي به جانبًا، وأن تقديره لهم كان أكبر من تقديرهم له. عندها لا ينكسر الرأي، بل تنكسر الثقة، ويبدأ الإنسان في إعادة النظر في كثير من المواقف والعلاقات.
ولأن الله وحده يعلم ما في القلوب، فلا يجوز لنا أن نجزم بأن ما حدث كان مقصودًا أو غير مقصود. لكن من الحكمة أن ندرك أن بعض التصرفات، وإن لم يُرَد بها الإساءة، قد تترك في النفس أثرًا عميقًا لا يمحوه الاعتذار بسهولة.
إن احترام الإنسان لا يظهر فقط في الكلمات الجميلة، بل يظهر أيضًا في احترام مكانته، والوفاء بحقه، وعدم تجاوزه في أمرٍ يعود إليه. فالمواقف الصغيرة قد تبني جسورًا من التقدير، وقد تهدمها في لحظة واحدة.
فمن أراد أن يحافظ على علاقةٍ صادقة، فليحرص على ألا يكون سببًا في كسر مكانة من منحه ثقته وتقديره؛ فالمكانة إذا انكسرت، قد يصعب على الزمن أن يجبرها.
العلاقات الصادقة لا تقوم على المحبة وحدها، بل على احترام المكانة، ومراعاة المشاعر، وعدم كسر الخواطر. فالمواقف تبقى في الذاكرة، لأنها تكشف ما تعجز الكلمات عن قوله.