إسرائيل تريد اتفاقا يحقق لها النصر والمقاومة ترد بالاستنزاف
تاريخ النشر: 13th, July 2025 GMT
مع تمسك تل أبيب بفرض اتفاق يتضمن استسلاما للمقاومة وسيطرة على نصف مساحة قطاع غزة تقريبا والتحكم في توزيع المساعدات، رفع الفلسطينيون وتيرة عملياتهم على الأرض وأصبحوا يعتمدون الاستنزاف وسيلة أساسية لإنهاء الحرب بالطريقة التي لا يريدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه نتنياهو ومن قبله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق محتمل خلال أيام قليلة، أكد محمد الهندي نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي أن المطروح هو مقترح استسلام لن تقبل به المقاومة، وقال إن حرب الاستنزاف تصب في مصلحة المقاومة رغم الأثمان الباهظة التي يدفعها المدنيون.
وتحاول إسرائيل فرض اتفاق ينتهي بسيطرتها على 40% من مساحة غزة والتحكم في توزيع المساعدات وحصرها في مدينة خيام تخطط لإقامتها على أنقاض رفح جنوبي القطاع، بينما تتمسك المقاومة بالانسحاب الكامل ووقف الحرب وإعادة مهمة توزيع المساعدات إلى الأمم المتحدة.
ومع اتساع الخلاف بين الجانبين، صعدت المقاومة من عمليتها خلال الأيام الأخيرة على نحو يقول الخبير العسكري العميد إلياس حنا إنه يجعل إسرائيل غير قادرة على تحقيق مكاسب تكتيكية على الأرض، فضلا عن المكاسب الإستراتيجية في المفاوضات.
الاستنزاف في مصلحة المقاومةتأقلمت المقاومة على الوضع الميداني وأصبحت تعمل بلا مركزية كاملة وبأقل عدد ممكن من المقاتلين لإلحاق خسائر كبيرة بصفوف الاحتلال، كما حدث في بيت حانون مؤخرا.
علاوة على ذلك، انتقل المقاومون إلى مرحلة السعي لأسر جنود خلال العمليات، وهو ما اعترف به الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي عندما أكد أن جنديا قتل خلال محاولة أسره من جانب المقاومة في خان يونس.
وغياب القيادة المركزية للعمليات جعل جيوب المقاومة تقاتل حسب الهدف المتاح لها، ولم تعد إسرائيل تمتلك معلومات عملياتية تمكنها من إحباط هذه الهجمات أو التعامل مع هذه الجيوب، كما قال حنا في برنامج "مسار الأحداث".
إعلانوفي ظل حالة الإنهاك الشديد التي يعيشها جيش الاحتلال، وعجزه عن التعامل مع حرب المدن التي تشنها المقاومة، فإن عملية الاستنزاف الحالية ستخدم المقاومة بشكل أكبر.
لكن إسرائيل -رغم كل هذه الخسائر- تحاول فرض رؤيتها لما بعد الحرب من خلال الاتفاق المحتمل للهدنة، لأنها ربما لا تكون قادرة على تجديد المعارك بعد انتهاء مدة الـ60 يوما المقترحة لوقف القتال، كما يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى.
فإسرائيل التي كانت تدخل حروبا خاطفة لتحقيق إنجازات عملياتية يمكنها تحويلها لمنجزات سياسية، أصبحت اليوم تتخبط بين عشرات التصورات لما يجب أن تنتهي عليه هذه المواجهة.
صحيح أن الحكومة تحاول استعادة نصف الأسرى خلال هدنة الـ60 يوما، لكن خشيتها من عدم قدرتها على استئناف القتال تدفعها لتضمين الاتفاق شروطا يمثل قبولها تحقيقا لأهداف الحرب السياسية التي لم تنجح في تحقيقها عسكريا، في ظل تلاشي المبررات التي قد يستند إليها نتنياهو لتجديد الحرب.
رهان على الميدان
في الوقت نفسه، لم يعد أمام المقاومة إلا التمسك بشروطها والاعتماد على الميدان لإجبار تل أبيب على الذهاب لإنهاء الحرب، لا سيما أن الجانب الفلسطيني لا يمتلك ظهيرا سياسيا ولا عربيا، كما يقول الباحث السياسي سعيد زياد.
ولأنه من غير المعقول القبول بحشر الفلسطينيين في حيز ضيق بمدينة رفح، والسماح للاحتلال بتشغيل عملاء لإدارة القطاع، فإن رهان المقاومة يظل محصورا بإلحاق خسائر كبيرة بالجيش حتى يدفعه للخلاف مع القيادة السياسية الإسرائيلية.
وترفض المقاومة مطلب الولايات المتحدة بالتركيز على تبادل الأسرى وإدخال المساعدات وإرجاء القضايا الخلافية الأخرى لحين التوصل لاتفاق نهائي بشأن هاتين النقطتين. وقد أكد الهندي -في مقابلة مع الجزيرة- أن المقاومة لن تسمح لواشنطن وتل أبيب بالتلاعب بمستقبل الفلسطينيين وتمهيد تهجيرهم.
وفي حين قالت هيئة البث الإسرائيلية إن نتنياهو سيعقد، مساء اليوم الأحد، جلسة مشاورات بشأن صفقة تبادل، دعت عائلات الأسرى الإسرائيليين إلى التظاهر والضغط على الحكومة نتنياهو للإسراع بإبرام صفقة شاملة وإنهاء الحرب.
وحمّلت العائلات "حكومة المتطرفين" المسؤولية عن المماطلة بلا نهاية وكسب مزيد من الوقت لتحقيق أهدافه السياسية الداخلية والمحافظة على ائتلافه الحكومي من التفكك.
المصدر
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
إسرائيل قلقة من جي دي فانس.. تحويل أفكاره لسياسات كارثة
قدمت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن "إسرائيل" مادةً لنقاش واسع داخل الأوساط الإسرائيلية، وسط مخاوف من أن تعكس، في حال وصوله إلى البيت الأبيض مستقبلاً، توجهاً أمريكياً أكثر تحفظاً تجاه الالتزام التقليدي بدعم "إسرائيل"، في ظل تنامي التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري والداعي إلى تقليص الانخراط الخارجي للولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، رأى المستشرق والباحث في شؤون الشرق الأوسط، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد موشيه إلعاد، أن الجدل الذي أثارته تصريحات فانس خلال الأسابيع الأخيرة يرتبط بمحاولة استمالة التيار الانفصالي المتنامي داخل الحزب الجمهوري، والذي يدعو إلى خفض الإنفاق على الحلفاء وتوجيه الموارد لمعالجة الأزمات الداخلية الأمريكية. واعتبر أن هذا التوجه يمثل، من وجهة نظر أمريكية، خياراً سياسياً مشروعاً يعكس تحولات متزايدة في أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وأوضح إلعاد، في مقال نشرته "القناة 12" الإسرائيلية، أن جزءاً من الرأي العام الأمريكي بات ينظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفاً عادياً ضمن شبكة الحلفاء الأمريكيين، إلا أن التجربة التاريخية للعلاقات بين البلدين تشير، بحسب قوله، إلى أن العديد من الرؤساء دخلوا البيت الأبيض دون أن يضعوا إسرائيل في صدارة اهتماماتهم، بل إن بعضهم أبدى مواقف متحفظة تجاهها، قبل أن تتغير رؤيتهم عقب اطلاعهم على تقديرات البنتاغون ومداولات مجلس الأمن القومي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
وأضاف أن ما يحدث لا يعكس تحولاً أيديولوجياً بقدر ما يجسد انتقالاً من خطاب الحملات الانتخابية إلى متطلبات إدارة الدولة، مشيراً إلى أن المرشح الرئاسي يخاطب الناخبين بوعود انتخابية، بينما يجد الرئيس نفسه أمام مسؤولية تقييم انتشار القوات الأمريكية حول العالم، والتهديدات الأمنية، وتوازنات القوى الدولية، وهو ما يفرض عليه حسابات مختلفة.
ولفت الكاتب إلى أن تصريحات فانس تتعارض مع تقييمات عدد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، مستشهداً بتصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، الذي قال إن المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية تسهم في حماية الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط، كما استشهد برأي الجنرال ديفيد بترايوس، الذي وصف إسرائيل بأنها الشريك العسكري الأكثر كفاءة وموثوقية للولايات المتحدة في المنطقة، نظراً لقدرتها على تنفيذ عمليات مستقلة ضد التنظيمات المسلحة والدول المعادية، بما يخفف العبء عن القوات الأمريكية.
واستعرض إلعاد عدداً من المحطات التاريخية التي قال إنها تؤكد هذا النمط في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن الرئيس ريتشارد نيكسون لم يمنح إسرائيل اهتماماً كبيراً خلال حملته الانتخابية عام 1968، كما كُشفت لاحقاً تصريحات مثيرة للجدل له تجاه اليهود، إلا أنه، ومع اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أمر بإطلاق جسر جوي ضخم لتزويد إسرائيل بالأسلحة، انطلاقاً من قناعته بأن هزيمتها كانت ستُفسر كانتصار للاتحاد السوفيتي وتقويضاً للردع الأمريكي خلال الحرب الباردة، وليس بدافع التعاطف معها.
كما أشار إلى أن الرئيس جيمي كارتر، رغم تعقيد علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، قاد جهوداً مكثفة لإنجاز اتفاقيات كامب ديفيد، انطلاقاً من اعتباره أن السلام بين مصر وإسرائيل يمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة. وأضاف أن الرئيس رونالد ريغان وسع التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة، مع احتفاظه باستعداده لممارسة الضغوط عليها عندما رأى أن ذلك يخدم المصالح الأمريكية، وهي المرحلة التي ترسخ خلالها داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية مفهوم اعتبار إسرائيل "أصلاً استراتيجياً".
وفيما يتعلق بالرئيس دونالد ترامب، اعتبر الكاتب أنه يجسد الفارق بين الخطاب الانتخابي والممارسة السياسية، إذ قدم نفسه خلال حملته الانتخابية عام 2016 باعتباره "محايداً" في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكنه بعد وصوله إلى الرئاسة اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، واعترف بسيادتها على مرتفعات الجولان، كما رعى اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس تغليب الاعتبارات الاستراتيجية على الخطاب الانتخابي.
وتناول المقال أيضاً تجربة الرئيس باراك أوباما، الذي واجه انتقادات إسرائيلية بسبب خلافاته مع حكومة بنيامين نتنياهو ومعارضته لسياسة الاستيطان، إلا أنه وقع أكبر اتفاقية مساعدات عسكرية في تاريخ العلاقات الثنائية، بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهو ما اعتبره الكاتب دليلاً على تبني الإدارة الأمريكية لتقييم المؤسسة العسكرية التي تنظر إلى إسرائيل باعتبارها استثماراً استراتيجياً لا عبئاً مالياً.
كما استحضر الكاتب تصريحاً للرئيس جو بايدن يعود إلى عام 1986 عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، قال فيه: "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان على الولايات المتحدة أن تخترعها لحماية مصالحها في المنطقة". واستشهد أيضاً بوصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ألكسندر هيغ لإسرائيل بأنها "أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم لا تغرق"، في إشارة إلى دورها كقاعدة متقدمة ومركز استخباراتي وقوة ردع إقليمية تخدم المصالح الأمريكية دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات.
وخلص إلعاد إلى أن صعود التيار الانعزالي في الولايات المتحدة يستوجب التمييز بين الشعارات الانتخابية ومتطلبات الحكم، معتبراً أن الرؤساء قد يتعهدون خلال الحملات الانتخابية بتقليص الالتزامات الخارجية، لكنهم، بعد وصولهم إلى السلطة واطلاعهم على التقديرات الأمنية، ينتهون في الغالب إلى النتيجة ذاتها، وهي أن التحالف مع إسرائيل يستند إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة، وليس إلى اعتبارات التعاطف أو الالتزام الأخلاقي، وهو ما يفسر استمرار هذا التحالف رغم تغير الإدارات والأزمات الإقليمية والتحولات الدولية.
وتعكس هذه القراءة، وفق المقال، حجم القلق الإسرائيلي من احتمال أن تتحول تصريحات جي دي فانس إلى سياسة عملية إذا وصل إلى الرئاسة، إذ لا يُتوقع أن ينقلب على التحالف مع إسرائيل أو يتخلى عنه بالكامل، لكنه قد يتبنى نهجاً أقل استعداداً لمنحها دعماً غير مشروط، وهو ما قد يفرض عليها ضغوطاً سياسية واستراتيجية أكبر في المرحلة المقبلة.