الثورة نت:
2026-07-24@02:13:33 GMT

اليمن واستراتيجية الحرب الاقتصادية

تاريخ النشر: 24th, July 2025 GMT

من ساحات القتال إلى ميادين الاقتصاد والنقد، كشفت قيادة صنعاء عن عمق رؤيتها الاستراتيجية وبراعة حنكتها في إدارة الأزمات، محولةً حرباً اقتصادية شرسة شنتها “دول تحالف العدوان” بقيادة أمريكية سعودية إماراتية إلى قصة صمود وابتكار وإنجاز على أرض الواقع اليمني.
لقد أدركت قيادة صنعاء منذ اللحظة الأولى أن إجراء نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان بمثابة ضربة استراتيجية خطيرة تهدف إلى شل عصب الحياة الاقتصادية لليمن وإفقار شعبه، وقطع رواتب موظفيه، وخلق فوضى مالية ونقدية تعصف باستقرار اليمن وتسهل السيطرة عليه بعد فشل العدوان العسكري عليه والذي دام لسنوات.


لقد استهدفت الحرب الاقتصادية العملة الوطنية اليمنية كأداة رئيسية، بحيث انطلقت حكومة الارتزاق، المدعومة من دول تحالف العدوان، لطباعة كميات هائلة من الريال اليمني وبطريقة عشوائية بلا غطاء، مما أدى إلى إغراق السوق المحلية سواء في المناطق المحررة أو المحتلة، بهذه الكتلة النقدية “المزورة” وغير الشرعية بكل المعايير الاقتصادية، بهدف إحداث تضخم جامح يلتهم مدخرات المواطن اليمني ويدمر القوة الشرائية، ويسحق الاقتصاد المحلي، ويخلق حالة من اليأس والإحباط تسهل إخضاع الشعب الذي صمد ببسالة لسنوات.
وهنا يبرز الذكاء الاستراتيجي للقيادة في صنعاء، والذي تجلى في خطوات مدروسة مترابطة ومتدرجة، اتسمت بالحزم والابتكار والتوقيت الدقيق، فبدلاً من الانجرار إلى ردود أفعال عشوائية، أدركت قيادة صنعاء خطورة الإغراق للأسواق المتعمد بالعملة “المزورة” وفهمت أن السماح بتداولها جنباً إلى جنب مع العملة الوطنية القديمة، سيؤدي حتماً إلى كارثة اقتصادية لا تحمد عقباها.
فكانت الخطوة الأولى والحاسمة لها جراء هذا الإجراء، هي فرض السيادة النقدية وحماية السوق المحلي، بحيث قام البنك المركزي اليمني في صنعاء، وبتوجيهات القيادة، بحظر تداول العملة “المزورة” وبشكل تدريجي بدءاً من العاصمة صنعاء قلب الصمود ومقر السيادة الوطنية، ومن ثم توسع الحظر ليشمل بقية المحافظات المحررة تباعاً، وهذه الخطوة لم تكن سهلة، بل واجهت تحديات جمة، ولكنها كانت ضرورية من أجل وقف النزيف الاقتصادي.
وفي نفس الوقت، أظهرت القيادة الحكيمة في العاصمة صنعاء حساً وطنياً عالياً بتشجيع التعامل بالعملة الوطنية، مهما كان حالها – مقطعة أو شبه تالفة – كتعبير عملي عن الثقة في الاقتصاد الوطني ورفض سياسة الإفقار والإذلال.
لقد فهمت قيادة صنعاء أن هذه المعركة معركة اقتصادية ونفسية ضد شعبنا اليمني في آن واحد، وأن الحفاظ على تداول العملة الوطنية هو خط دفاع أول عن الكرامة والاستقلال.
ولكن عدوانية أدوات التحالف لم تتوقف عند حد طباعة العملة بلا غطاء وإغراق الأسواق بها، بل انتقلت إلى شن حرب إجرامية على العملة الوطنية نفسها، بحيث سعت حكومة الإرتزاق، وبدعم مباشر من دول تحالف العدوان، إلى إتلاف العملة الوطنية القديمة المتداولة في المناطق المحررة وبطرق متعددة، ومنها حظر تداول فئات معينة منها وبشكل مفاجئ في المناطق المحتلة، ومن ثم منع إدخالها إلى المناطق المحتلة، بل وتشجيع تدميرها وتشويهها بشكل متعمد، بالإضافة إلى الاستمرار في ضخ عملتهم “المزورة” بمليارات الريالات في محاولة يائسة لاستبدال العملة الوطنية بها.
هذا الهجوم المزدوج من إغراق السوق المحلية بعملة بلا قيمة وإتلاف العملة الوطنية، استهدف وبشكل خاص الفئات المتوسطة والصغيرة (50، 100، 200 ريال) تمهيداً لضرب الفئات الأكبر (500، 1000 ريال)، مما تسبب في تدهور سريع وحاد في قيمة الريال وارتفاع جنوني في الأسعار، وخلق معاناة حقيقية للمواطن اليمني.
وفي ذروة هذه الأزمة، أظهر البنك المركزي اليمني في صنعاء، وبتوجيهات من القيادة الحكيمة، براعة استثنائية وابتكاراً ملحوظاً في الخطوة الثانية: المتمثلة بإعادة بناء الثقة واستحداث أدوات نقدية رادعة بدلاً من الانجرار إلى معركة طباعة ورقية قد تستنزف الموارد وتكون عرضة للتزوير والإغراق مجدداً، اختارت القيادة في صنعاء سلاحاً اقتصادياً ذكياً ومفاجئاً تمثل في تحويل الفئات الصغيرة إلى عملات معدنية في خطوة مدوية هزت حسابات العدوان، واستبدلت العملات الورقية لفئة 100 ريال أولاً، وتلتها فئة الـ 50 ريالا بعملات معدنية.
لم تكن هذه الخطوة مجرد استبدال مادي، بل كانت ضربة استراتيجية متعددة الأبعاد:
أولاً: العملات المعدنية أعلى تكلفة في التزوير بشكل كبير مقارنة بالأوراق النقدية، مما يجعل محاولات تزويرها أو إغراق السوق بنسخ مزورة منها مهمة شبه مستحيلة وباهظة التكلفة بالنسبة لأعداء اليمن وشعبه، فقطع بذلك رهانهم على الاستمرار في حرب التزوير والإغراق لهذه الفئات.
ثانياً: العملة المعدنية ترمز إلى الديمومة والاستقرار، مما يساهم في استعادة جزء كبير من الثقة المفقودة بالعملة الوطنية في أوساط المواطنين.
ثالثاً: سهولة تداولها وقبولها في المعاملات الصغيرة لقطاعات اقتصادية حيوية كانت تعاني من شح السيولة المناسبة.
لقد كانت هذه الخطوة بمثابة مفاجأة تكتيكية قلبت موازين الحرب الاقتصادية، وأثبتت أن قيادة صنعاء ليست في موقع الدفاع فحسب، بل قادرة على المبادرة والابتكار.
ولم تتوقف عجلة الابتكار عند هذا الحد، فبعد نجاح طرح العملات المعدنية وترميم الثقة في الفئات الصغيرة، انتقلت استراتيجية القيادة في صنعاء وببراعة إلى معالجة الفئات المتوسطة والكبيرة وإصلاح البنية النقدية، بطرح الإصدار الثاني لفئة 200 ريال الورقية بعملة ورقية مماثلة ولكن بمواصفات أمنية متطورة وعالية التعقيد، تجعل من عملية تزويرها أمراً بالغ الصعوبة، وبتصميم يعزز الهوية الوطنية اليمنية.
وهذا الإصدار لم يكن مجرد طباعة نقدية، بل كان جزءاً من خطة شاملة ومستمرة لاستبدال العملة الورقية التالفة والمتهالكة المتداولة في الأسواق بجميع فئاتها، بدءاً من الأصغر إلى الأكبر، عبر شبكة فروع البنك المركزي اليمني في صنعاء والمحافظات المحررة، وهي عملية مستمرة وممنهجة تهدف إلى سحب العملة المتضررة والمتهالكة من التداول واستبدالها بعملة جديدة وآمنة، مما يساهم وبشكل كبير وفعال في تنظيف السوق النقدي، وتعزيز سلامة التداول، ومكافحة التزوير، والحفاظ على القيمة الرمزية والمادية للريال اليمني.
إنها عملية ضخمة ومعقدة، ولكنها تنفذ بثبات وحرفية عالية، وهذا يعكس القدرة المؤسسية المتميزة التي أعيد بناؤها في صنعاء رغم كل ظروف الحرب والحصار.

المصدر

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: البنک المرکزی الیمنی العملة الوطنیة قیادة صنعاء الیمنی فی فی صنعاء

إقرأ أيضاً:

مصر.. الذهب يعوض جزءاً من خسائره رغم ضغوط الأسواق العالمية.. ما تعليق الخبراء؟

القاهرة، مصر (CNN)-- عوضت أسعار الذهب في مصر جزءًا من خسائرها خلال تعاملات الأسبوع الجاري، مدعومة باستمرار الطلب المحلي وارتفاع سعر صرف الدولار، في وقت تعرضت فيه الأسعار العالمية لضغوط دفعتها إلى التراجع بفعل صعود أسعار النفط، وارتفاع الدولار الأمريكي، وتزايد التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.

ولامس جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا في مصر، مستوى 6 آلاف جنيه (نحو 117 دولارًا)، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى أقل من هذا المستوى، بينما هبط الذهب في الأسواق العالمية من أعلى مستوى له في أسبوعين إلى نحو 4041 دولارًا للأوقية بعد أن تجاوز 4150 دولارًا في الجلسة السابقة، مع اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح، وارتفاع أسعار خام برنت ليلامس 100 دولار للبرميل، وترقب الأسواق اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل بحثًا عن مؤشرات بشأن مسار أسعار الفائدة.

وجاء تراجع الذهب عالميًا بعدما صعد، الأربعاء، إلى أعلى مستوياته منذ 7 يوليو/ تموز، مدعومًا بعمليات شراء وإقبال المستثمرين على أصول الملاذ الآمن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، لكن هذه المكاسب تقلصت سريعًا مع ارتفاع أسعار النفط، ما عزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، ودفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على إبقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، وهو ما قلص جاذبية الذهب.

كما ساهم صعود الدولار الأمريكي في زيادة تكلفة شراء الذهب للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، في حين اتجه عدد من المضاربين إلى جني الأرباح بعد موجة الصعود الأخيرة، ما زاد من الضغوط على المعدن الأصفر.

"حركة مؤقتة"

وقال المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة" لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت، سعيد إمبابي، إن التراجع الذي شهدته أسعار الذهب لا يعني انتهاء موجة تعويض الخسائر، وإنما يعكس حركة جني أرباح مؤقتة تسيطر على الأسواق في الوقت الراهن.

وأضاف أن العلاقة بين الذهب والنفط أصبحت أكثر وضوحًا خلال الفترة الأخيرة، إذ تؤدي أي توترات أو مناوشات في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، بينما يتجه المستثمرون والمضاربون إلى بيع الذهب بعد موجات الصعود لجني الأرباح، موضحًا أن هذه التحركات السريعة أصبحت السمة الغالبة على تعاملات الأسواق.

وأوضح إمبابي، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن أسباب تحرك الأسعار تختلف بين السوقين المحلية والعالمية، ففي مصر ساهم ارتفاع سعر صرف الدولار خلال الأيام الماضية في دعم أسعار الذهب، بينما تأثرت الأسعار العالمية بارتفاع أسعار الطاقة وتزايد توقعات استمرار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة.

وأشار إلى أن الحدث الأكثر تأثيرًا خلال الفترة المقبلة سيكون اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وسط ميل التوقعات لتثبيت الفائدة، إلا أن البيان والمؤتمر الصحفي المصاحبين للقرار سيكونان العامل الحاسم في تحديد اتجاه الذهب، من خلال الكشف عن توجهات البنك المركزي الأمريكي بشأن السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.

وأكد أن أي إشارة إلى خفض أسعار الفائدة مستقبلًا ستكون داعمة لأسعار الذهب، وإن كان هذا السيناريو لا يزال مستبعدًا في الوقت الحالي، متوقعًا أن تتحرك الأسعار العالمية في نطاق يتراوح بين 4 آلاف و4200 دولار للأوقية لحين اتضاح رؤية الفيدرالي.

"السوق المصرية تعوض خسائرها"

من جانبه، قال خبير صناعة الذهب، الدكتور ناجي فرج، إن أسعار الذهب في السوق المصرية تمكنت من تعويض جزء كبير من خسائرها خلال الأسبوعين الماضيين، مدعومة بارتفاع سعر صرف الدولار مجددًا ليتجاوز مستوى 51 جنيهًا، إلى جانب استمرار الطلب القوي على المعدن الأصفر، في ظل احتفاظ الذهب بمكانته لدى المصريين كمخزن آمن للقيمة وأداة للتحوط في مواجهة التقلبات الاقتصادية.

وأضاف فرج، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن السوق العالمية تعرضت خلال الفترة الأخيرة لضغوط نتيجة ارتفاع أسعار النفط، بالتزامن مع تزايد توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى تراجع أوقية الذهب من مستويات تجاوزت 4150 دولارًا إلى نحو 4045 دولارًا.

وأوضح فرج أن تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل يمثل أحد العوامل الرئيسية الضاغطة على المعدن النفيس، إلى جانب تنامي توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما انعكس سلبًا على أسعار الذهب والفضة في الأسواق العالمية، إلى أن السوق المصرية حافظت على قدر من الاستقرار بفضل استمرار الطلب المحلي، حيث  تواصل البلاد  استيراد خام الذهب لتلبية احتياجات السوق، ما يشير إلى استمرار الإقبال على المعدن النفيس رغم التقلبات العالمية.

وأضاف أن جرام الذهب عيار 21 تراجع بصورة محدودة بعد اقترابه من مستوى 6 آلاف جنيه (نحو 117 دولارًا)، حيث جاء هذا الانخفاض انعكاسًا لتحركات الأسعار العالمية، لكنه لم يغير من حالة الاستقرار النسبي التي يشهدها السوق المحلية، كما توقع ارتباط تحركات الأسعار خلال الفترة المقبلة بمسار السياسة النقدية الأمريكية، إلى جانب تطورات الأوضاع الجيوسياسية العالمية.

أمريكامصرالاقتصاد المصريالذهبنشر الخميس، 23 يوليو / تموز 2026اخترنا لكمأمريكا: الاتفاق النووي مع السعودية مرهون بالتطبيع مع إسرائيلأول تعليق من نتنياهو على الاتفاق النووي بين أمريكا والسعوديةمصر.. الذهب يعوض جزءاً من خسائره رغم ضغوط الأسواق العالمية.. ما تعليق الخبراء؟02:50بحضور ترامب.. أمريكا تستقبل جثامين أربعة عسكريين قُتلوا في الحرب مع إيرانتابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيفألعاب© 2026 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.

مقالات مشابهة

  • “امبية”: تشديد الرقابة على الواردات ضرورة لحماية السوق والمستهلك والقطاع الزراعي
  • سعر GMC كانيون في السوق السعودي .. بتصميم بيك أب
  • عودة النفط اليمني.. شريان الاقتصاد بين الأسواق وفوهات الحرب
  • مصر.. الذهب يعوض جزءاً من خسائره رغم ضغوط الأسواق العالمية.. ما تعليق الخبراء؟
  • "فولكس فاغن" تراهن على السوق الصينية بتقنيات القيادة الذاتية
  • عبدالسلام: النظام السعودي يتحمل مسؤولية الحصار على اليمن
  • شرطة تلمسان تحجز مبلغًا ماليًا مزورًا من العملة الوطنية
  • تحت شعار تعزيز النزاهة من أجل التعافي في اليمن : انطلاق الدورة التدريبية الوطنية في ” إدارة مخاطر الفساد القطاعية
  • المغرب ومالي يعززان شراكتهما الاقتصادية... باماكو تحتضن مرحلة جديدة من التعاون الثنائي
  • بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا