لجريدة عمان:
2026-06-03@06:07:18 GMT

الجزائر في مرمى المؤامرات

تاريخ النشر: 19th, October 2025 GMT

من أقوال شو إين لاي رئيس وزراء الصين الراحل: «هناك الآن في العالم انقساماتٌ جديدة، وهناك تحالفاتٌ جديدة، وهناك فوضى في كلِّ مكان».

مضى على ذلك القول أكثر من نصف قرن؛ ماذا حدث خلاله من انقسامات وتحالفات وفوضى؟! وماذا حدث في الوطن وللوطن العربي؟! لم يكن شو إين لاي يقصد بعبارته تلك العرب، لكنه ـ في ظني ـ اختصر بدقة ما تعانيه الدول العربية اليوم من فوضى وانقسامات عرقية، وطائفية، ومذهبية، ومناطقية، وجغرافية وغيرها ما أدى إلى ظهور تحالفات جديدة ـ فيها من الغرابة ما فيها ـ، مثل التحالف مع الكيان الصهيوني ضد غزة؛ بسبب قصر النظر والمصالح الضيّقة، حتى وإن كانت على حساب السيادة والمصلحة الوطنية.

المفارقة أنّ هذه الفوضى والانقسامات والتحالفات المتقلبة تحدُث في منطقة من أغنى مناطق العالم بالثروات، لكن هذه الثروات تحولت إلى أدوات هدم، واستُغلّت من قبل بعض الحكومات العربية لتدمير دول عربية أخرى، والأمثلة ماثلة أمام أعيننا في العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان، وغزة ليست منا ببعيد.

إنّ قراءة متأنية لتصريح أدلى به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تجعلنا نضع كلمات شو إين لاي تحت عدسة مكبرة؛ فقد حذّر الرئيس تبون من الاستسلام لقوى أجنبية قال: إنها أقسمت فيما بينها على ألا تصل الجزائر إلى عام 2027 إلا وقد انهارت. جاءت تحذيراته هذه خلال لقائه عددًا كبيرًا من رجال الأعمال؛ بهدف تقييم ست سنوات من الأداء الحكومي الجزائري في قطاعات عدّة، ثم أعقبها بتحذيرات أخرى أكثر حدة بعد ذلك بأسبوع ذهب فيها لأبعد من ذلك في تحذيراته، حين قال: «إنّ الجزائر مُستهدفة عسكريًّا».

لم يسم الرئيس تبون «القوى الأجنبية» التي تهدف إلى الإطاحة بالجزائر، لكن المؤكد من الحديث أنّ هناك مؤامرة للإطاحة بكلِّ الجزائر، أي بما يشبه طريقة انهيار الدولة السورية مع سُقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد وانهيار جيشه.

وقد جاء التحذير في وقت ارتفعت فيه الأصوات والتحليلات عن إعادة رسم خارطة المنطقة، واستبدال الحدود الحالية بدول طائفية أصغر حجمًا وأكثر انقسامًا وأقل تأثيرًا وأضعف قوةً.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا الجزائر تحديدًا؟ حقيقةً إنّ الموقف الجزائري من الحرب الإسرائيلية على غزة كان مشرِّفًا، فكان لا بد من دفع الثمن. واللافت أنّ الرئيس الجزائري أشار إلى أنّ هذه «القوى الأجنبية» - وإن كانت في الواجهة - إلا أنّ «إسرائيل في الخلفية هي التي تُحرّكها؛ حيث هدّد نُخبُها بأنّ جولة تل أبيب العدوانية العسكرية بعد إيران ستكون ضد الجزائر». بالتأكيد فإنّ المواقف الجزائرية المشرّفة لا تُعجب خُصومها؛ فهي الداعمة للمُقاومة والرافضة للتطبيع في الزمن الإبراهيمي؛ حيث شهدت الساحة الإعلامية تراشقًا كبيرًا وعلنيًّا بين الجزائر ومؤيدي ما يُسمى بالديانة الإبراهيمية. وهناك نقاط يمكن استغلالها لخلخلة الوضع في الداخل الجزائري، مثل نزاع الصحراء مع المغرب الذي تسبّب بشكلٍ غير مباشر في قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2021، كما أنّ العلاقات الجزائرية مع فرنسا تمرّ بحالة جمود مُنذ يوليو 2024.

وإذا ما عدنا قليلًا إلى الوراء نتذكّر أنه مع زيارة الرئيس أنور السادات للقدس المحتلة عام 1977 تشكلت جبهة معارضة للزيارة ولأيِّ تقارب مع الكيان الصهيوني باسم جبهة «الصمود والتصدي» ضمّت الجزائر وليبيا واليمن الجنوبي وسوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولم تبق من تلك الدول صامدة إلا الجزائر التي مرت بعشر سنوات عجاف في تسعينيات القرن الماضي فيما سُمِّي بالعشرية السوداء، لكنها تجاوزت ذلك، والحمد لله. فهل يمكن أن يُسمح للجزائر أن تبقى صامدة على مواقفها وشاهدة على الصمود والتصدي؟ يبدو أنّ ذلك صعب مع التحالفات الجديدة وانتشار الفوضى في كلِّ مكان. بنبرة تحدّ لافتة قال الرئيس تبون: «لن نبقى في الفقر، ولن يسمحوا لنا بالنهوض؛ لأنهم يريدون أن نبقى مادِّين أيدينا؛ ليفرضوا علينا ما يجب أن نقوله، وما ينبغي أن نفعله. أنا حر، وحريتي لا أرهنها بالتخلُّف. لدي إمكانياتي، ومع ذلك أحترم الآخر. نحن أحرار، وسنبقى شامخين مستقلين في قراراتنا دون أن نُلحق الضرر بأحد». وهو بذلك لخص الكثير من الأمور في كلمات قليلة، ويُحسب له أنه يعلم تمامًا أنّ الشرعية تُستمد من الداخل وليس من الخارج؛ لذا ركز على أنّ بلاده ستمنح نفسها «مناعة اقتصادية»؛ لأنّه عندما تسوء أوضاع الناس الاقتصادية والمعيشية، فهذا مفتاح لكلِّ شر.

من جميل ما قرأتُ في تفاعل الجزائريين مع تصريحات رئيسهم أنّ بعض التغريدات حذّرت بشدة من خونة الداخل؛ إذ هم الأخطر على الأوطان من أعداء الخارج. ففي سبيل استقرار الأوطان لا مجال للولاءات المزدوجة، وإن كانت هناك أيضًا وجهة نظر أخرى ترى أنّ تحذيرات كهذه يُقصد بها عادةً كسب الشعب بإظهار عدو وهمي ليس له وجود في الأصل.

وإذن؛ فإنّ العالم من حولنا يتغيّر فعلًا، ومعه تتغيّر التحالفات والولاءات ما يتطلب بناء جبهات داخلية قوية.

ومن لا يمتلك مشروعًا واضحًا ورؤية استراتيجية، وإرادة حقيقية للإصلاح سيظل يدور في دوامة الانقسامات، ويبحث عن التحالفات المؤقتة ـ كما هو وضع بعض العرب الآن ـ ما سيؤدي إلى الفوضى. وما يؤسف له أنّ الدول العربية اعتمدت على تلك التحالفات المؤقتة بحثًا عن الحماية. وخدمت هذه الدولُ المشروع الغربي والصهيوني في تفتيت المنطقة من تدمير العراق إلى تدمير سوريا، ولكن الأحداث برهنت أنّ تلك الحماية كانت مجرد وهْم. ما لم تستفق الدول العربية من غفلتها، وتدرك أنّ الثروة الحقيقية تكمن في شعوبها، وفي الوحدة والعدالة والكرامة، وأنّ الشرعية تُستمد دائمًا من الداخل؛ فإنها ستظل حبيسة وهْمِ الحماية حتى يأتيها الدور، وحينها لن يرحمها التاريخ.

زاهر المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

شيوخ القبائل في مرمى الاغتيالات.. نجاة شيخ قبلي من تفجير في إب

أعادت محاولة اغتيال شيخ قبلي في محافظة إب إلى الواجهة ملف الاستهدافات المتكررة التي تطال المشائخ والوجهاء القبليين في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، وسط تصاعد الاتهامات بوجود خلايا منظمة تنفذ عمليات تصفية ممنهجة تستهدف شخصيات اجتماعية وقبلية بارزة في عدد من المحافظات.

ونجا الشيخ القبلي عبد الله حبيب من محاولة اغتيال بعد انفجار عبوة ناسفة زرعت داخل سيارته أثناء توقفها بالقرب من منزله في منطقة مفرق حبيش التابعة لمديرية المخادر شمال محافظة إب، في حادثة أثارت حالة من القلق والتوتر بين السكان المحليين.

ووفقاً لمصادر محلية، فإن العبوة الناسفة انفجرت أثناء وجود السيارة متوقفة بجوار منزل الشيخ، ما أدى إلى إلحاق أضرار مادية كبيرة بالمركبة دون وقوع خسائر بشرية. وأكدت المصادر أن الشيخ وأفراد أسرته نجوا من الحادثة، كما لم تسجل أي إصابات بين المدنيين الذين كانوا في محيط المكان وقت الانفجار.

وتأتي هذه الحادثة بعد أيام فقط من مقتل الشيخ القبلي البارز علي بن حسين الحازمي في صنعاء، إثر تعرضه لكمين مسلح نفذه مجهولون كانوا يستقلون سيارة خدمية تابعة لصندوق النظافة وتحسين المدينة، في عملية أثارت تساؤلات واسعة حول الجهات التي تقف وراء تصاعد عمليات الاستهداف التي تطال شخصيات قبلية واجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين.

تكرار الحوادث خلال الفترة الأخيرة يعكس تصاعداً لافتاً في مستوى الاستهدافات الموجهة نحو القيادات القبلية، خصوصاً الشخصيات التي تمتلك حضوراً وتأثيراً اجتماعياً داخل مجتمعاتها المحلية. كما أن معظم هذه القضايا تنتهي دون إعلان نتائج تحقيقات واضحة أو الكشف عن الجهات المسؤولة عنها، ما يفاقم من حالة الشكوك والاتهامات المتداولة في الأوساط القبلية.

وتتهم شخصيات قبلية وناشطون حقوقيون ميليشيا الحوثي بالوقوف وراء حملات استهداف غير معلنة تستهدف تقليص نفوذ القبائل وإضعاف دورها التقليدي في إدارة الشؤون المجتمعية وحل النزاعات المحلية، عبر إزاحة الشخصيات التي تحظى بثقل اجتماعي أو ترفض الانصياع الكامل لسياسات الجماعة. غير أن الجماعة لم تصدر أي موقف رسمي بشأن هذه الاتهامات.

وأضافوا أن تصاعد عمليات الاغتيال والاستهداف في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين يتزامن مع تنامي حالة الاحتقان الشعبي وتزايد الخلافات داخل بعض البنى القبلية، الأمر الذي يثير مخاوف من اتساع دائرة العنف واستمرار استهداف الرموز الاجتماعية المؤثرة.

ومع غياب أي توضيحات رسمية حول ملابسات محاولة اغتيال الشيخ عبد الله حبيب أو نتائج التحقيقات المتعلقة بحوادث مماثلة، تبقى التساؤلات قائمة بشأن الجهات التي تدير هذه العمليات والأهداف الكامنة وراءها، في وقت تتصاعد فيه مطالب قبلية وحقوقية بكشف الحقائق ومحاسبة المتورطين ووضع حد لسلسلة الاستهدافات التي طالت عدداً من المشائخ والوجهاء خلال الأشهر الأخيرة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الحوادث دون مساءلة قد يفاقم حالة انعدام الثقة ويؤدي إلى مزيد من التوتر داخل المجتمعات القبلية، خاصة في ظل شعور متنامٍ بأن شخصيات اجتماعية بارزة باتت هدفاً لحملات استهداف متكررة تهدد البنية القبلية ودورها التاريخي في حفظ التوازن الاجتماعي بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مقالات مشابهة

  • أبرز المباريات العربية والعالمية اليوم الأربعاء
  • هدف أنجيلو مرشح للأجمل آسيوياً
  • قرقاش: الدول العربية تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم
  • رسائل تتبخر تلقائياً.. ستارمر في مرمى انتقادات بسبب واتساب
  • وزراء خارجية المملكة وعدد من الدول العربية والإسلامية يدينون استمرار اقتحامات المستوطنين المتطرفين الإسرائيليين للمسجد الأقصى تحت حماية القوات الإسرائيلية
  • جامعة الدول العربية تحذر من فرض واقع جديد في القدس
  • ناقد رياضي يثير الجدل بشأن حراس مرمى منتخب مصر.. تفاصيل
  • شيوخ القبائل في مرمى الاغتيالات.. نجاة شيخ قبلي من تفجير في إب
  • توقعات بتصدر باكستان قائمة أكبر الدولة المسلمة بحلول 2030.. ماذا عن الدول العربية في القائمة؟
  • ضياء السيد: نشر القرار الوزاري لبعثة منتخب مصر غير معتاد