لجريدة عمان:
2026-06-03@04:08:34 GMT

عمان وتركيا.. جسر بحري صناعي واعد

تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT

عمان وتركيا.. جسر بحري صناعي واعد

ما الذي يمكن أن تضيفه سلطنة عُمان وتركيا إلى خريطة مزدحمة بالممرات والموانئ؟ هذا أحد أهم الأسئلة التي ترافق زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لسلطنة عمان. وأكبر إجابة حالمة على هذا السؤال الكبير هي بناء ممر بحري ـ صناعي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط ومنه إلى البحر الأسود. من صحار والدقم إلى مرسين وإزمير، وهو ممر يستطيع أن يعيد توزيع سلاسل التوريد بعيدا عن الحروب الجمركية وتقلبات الممرات التقليدية.

والإرادة السياسية الصادقة في بناء شراكات بين البلدين هي التي تجعل الشعبين في عُمان وتركيا يشعران بالكثير من التفاؤل خاصة وأن البلدين يعملان بدأب على تنويع مصادر الدخل والانفتاح على جلب استثمارات دولية.

لكن ثمة أمرا آخر مهما جدا في هذا السياق وهو أن السياق التاريخي الذي شكل الثقافة في البلدين يدفع نحو المسار نفسه ويعطيه عمقا أكبر. فلا عقد في تاريخ البلدين تجاه بعضهم البعض، ولكن تعاون على كل المستويات العسكرية والتجارية والثقافية. وعقد التاريخ خطيرة حينما تستحكم على الثقافة؛ لأنها تنعكس سلبا على أي شراكة مهما بدت متينة وقوية.

وعُمان وتركيا قوتان بريتان-بحريتان؛ وعندما تقدم البحر تاريخيا تقدّم نفوذهما وتجارتُهما.

وعادت أهمية الموانئ البحرية في الوقت الراهن، ومن ينظر على الخريطة يستطيع أن يعرف قيمة الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان وموانئها البحرية وكذلك الموقع الاستراتيجي للموانئ التركية التي تعتبر جسرا إلى البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى. هذا الأمر يفرض أهميته الاستراتيجية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في لحظة يطرح العالم فيها أسئلة كثيرة حول سلاسل التوريد وإعادة توطين الصناعات في مواقع جديدة في العالم تضمن حرية تدفقها وتستطيع أن تبعدها، قدر الإمكان، عن حروب الرسوم الجمركية الآخذة في التنامي عالميا.

ثمة محدد مهم لا بد أن نستحضره في هذا السياق وهو أن تركيا متشابكة بشكل كبير في مختلف القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط وهذا لا يعود إلى الموقع الجغرافي فقط ولكن إلى قرون طويلة من التاريخ المشترك بين تركيا والعالم العربي الأمر الذي انعكس على البنية الثقافية، وما دام الجميع محاطا بنفس التحديات ويفكر في مسارات للخلاص منها فإن التعاون وبناء الشراكات يصبح أكثر أهمية وأقل كلفة من الناحيتين السياسية والثقافية الاجتماعية.

ولا شك أن التعاون المنتظر لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، رغم أهميته، خاصة فيما يتعلق بالانفتاح على منتجات البلدين، ولكن يتعداه إلى جوانب أخرى متعلقة بالإنتاج العسكري والإنتاج الثقافي والفكري. والإنتاج الأخير لا يقل أهمية عن الإنتاج العسكري، ومما يؤسف له أن ترجمة الأدب العربي، بما فيه العماني، إلى اللغة التركية ما زال قليلا ونادرا جدا، وكذلك ترجمة الأدب التركي إلى اللغة العربية. وهذا النوع من الترجمة في غاية الأهمية لتستطيع الشعوب والحضارات أن تفهم بعضها البعض لتتآكل العقد التاريخية متى ما وجدت. ويمكن أن تشكل عُمان وتركيا عبر مؤسساتهما الثقافية والأكاديمية تحولا جوهريا في هذا الموضوع عبر تبني ترجمة مجموعة من الكتب بين الأدبين العريقين. وهذا من شأنه أن يعزز الثقة ليس بين عُمان وتركيا، فهي متحققة، ولكن بين الثقافة العربية والثقافة التركية بشكل عام.

والأمر نفسه في مشاريع التبادل الطلابي بين الجامعات من أجل تدريس اللغتين العربية والتركية وتدريس الأدبين العربي والتركي فهذا كله يقود إلى فهم أعمق، وكم هو العالم في حاجة إلى أن يفهم بعضه البعض بشكل أكبر بعيدا عن كل العقبات التي تتساقط في الطريق.

من المهم التفكير في الممر البحري ـ الاقتصادي، وكذلك تعزيز التعاون الثقافي والمعرفي والسياحي.. إلخ، ومبررات ذلك كثيرة، ودوافعه التاريخية مفهومة جدا ووجيهة أيضا... ولذلك لا شيء يمنع أبدا من أن تكون نتائج زيارة الرئيس التركي التي تستكمل نتائج زيارة جلالة السلطان المعظم لتركيا العالم الماضي في مستوى طموحات الشعبين وأن تنعكس عليهما بشكل إيجابي من أجل مستقبل أكثر رخاء واستقرارا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • بيان مشترك لوزراء خارجية الإمارات وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان والسعودية وقطر
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • قطر وإندونيسيا تبحثان أوجه التعاون العسكري بين البلدين
  • المواطن شريك في المصنع.. مصر تطلق أول صندوق استثمار صناعي لتمويل الإنتاج والنمو
  • بحثُ مجالات التّعاون في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية وموارد المياه بين سلطنة عمان وبيلاروس
  • رئيس صناعة النواب: ندعم موازنة الدولة وقطاع الصناعة باعتباره قاطرة التنمية ولكن ليس على حساب زيادة الموازنة
  • برلمانية: العلمين الجديدة نموذج عالمي للمدن الذكية ومركز واعد للاستثمار والتنمية المستدامة
  • نقل بحري.. تحديد موعد التسجيل لرحلة سكيكدة – مرسيليا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • إعلام إيراني: طهران لديها 9 بدائل استراتيجية تقلل فعالية أي حصار بحري محتمل