ميزانية إسرائيل 2026.. إنقاذ سياسي على حساب اقتصاد منهك
تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT
تتجه حكومة بنيامين نتنياهو نحو تمرير ميزانية عام 2026 التي تصفها صحيفة كالكاليست بأنها "أداة بقاء سياسي وليست خطة اقتصادية"، إذ تهدف -وفق الصحيفة- إلى شراء أربعة أشهر إضافية في الحكم بإجراءات مالية توصف بأنها تجميلية في الشكل ومؤلمة في الجوهر.
وبحسب كالكاليست، فإن الاجتماع الذي جمع نتنياهو بوزير المالية بتسلئيل سموتريتش لم يخرج إلا بشعارات عامة مثل "ميزانية للنمو والرفاه" و"مسؤولية مالية للحفاظ على العجز"، لكنها ترى أن الواقع مختلف تماماً، إذ إن الموازنة القادمة ستكون الأقسى منذ سنوات، مع استمرار العجز وتآكل الثقة بالسياسات الحكومية.
وتشير الصحيفة إلى أن الحكومة، التي كان يفترض أن تقدّم مشروع الميزانية إلى الكنيست في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، تتجه من جديد إلى تجاوز المهلة القانونية، كما فعلت في ميزانية 2025 التي تأخرت ثلاثة أشهر عن موعدها.
ضرائب مرتفعة ورواتب تتراجعوتوضح كالكاليست، أن جوهر ميزانية 2026 يقوم على تحميل المواطنين عبء الإصلاح المالي المزعوم، في حين تُمنح الامتيازات لقطاعات سياسية محددة.
ومن أبرز ملامحها:
الإبقاء على ضريبة القيمة المضافة عند 18%، رغم وعود سابقة بتخفيضها. تجميد شرائح ضريبة الدخل وعدم تعديلها وفق التضخم، ما يرفع فعلياً العبء الضريبي على الأجور المنخفضة. خفض رواتب موظفي القطاع العام بنسبة 1.2%، وهو ما تعتبره الصحيفة "ضربة جديدة للطبقة المتوسطة".وفي المقابل، تزداد ميزانيات الدفاع وخدمة الدين العام، في حين تُقلص موازنات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب.
وتشير تقديرات كالكاليست إلى أن العجز سيبقى عند نحو 4.3% رغم توقعات النمو المتفائلة التي تراوح بين 4.7% بحسب بنك إسرائيل و5.1% وفق وزارة المالية.
وتحذّر الصحيفة من أن الوعود بخفض الضرائب ليست سوى خدعة لغوية تهدف إلى تهدئة الشارع، بينما "النتيجة الفعلية هي مزيد من الجباية بمسمّى مختلف".
صفقات انتخابية على حساب الاقتصادوترى كالكاليست أن الحكومة تواجه مأزقاً سياسياً حاداً مع اقتراب الانتخابات: فعدم تمرير الميزانية قد يعني سقوط الائتلاف، لكن تمريرها بمحتوى غير شعبي سيؤدي إلى خسائر انتخابية فادحة، ولهذا تسعى الحكومة إلى موازنة المصالح على حساب المصلحة العامة.
إعلانوتقول الصحيفة، إن الحكومة تخطط لـ"صفقة مزدوجة" قوامها:
تمويلات سخية للتيارات الدينية والحريدية مقابل دعمهم للميزانية وتأجيل قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية. تسويق خفض ضريبي شكلي للجمهور، بإعادة توزيع طفيفة للضرائب وتسمية ذلك "تخفيفاً".وترى كالكاليست، أن هذه الإستراتيجية تهدف إلى تجنّب المواجهة مع الحريديم والنظام الأمني، مع الاكتفاء بخطاب إعلامي يُظهر "مسؤولية مالية"، في حين أن الأرقام الفعلية تكشف تدهوراً مقلقاً في نسب الدين والعجز.
ديون متراكمة وثقة متدهورةوتذكّر كالكاليست، أن الدين العام ارتفع من 61% من الناتج المحلي في نهاية 2022 إلى نحو 71% بنهاية 2025، وهي زيادة خطرة تهدد تصنيف إسرائيل الائتماني.
كما أن العجز المتكرر للعام الرابع على التوالي يثير قلق الأسواق الدولية التي بدأت فعلا -بحسب الصحيفة- "في فرض علاوات مخاطرة أعلى على السندات الإسرائيلية".
وتخلص الصحيفة إلى أن الحكومة "تستبدل الإصلاح الاقتصادي الحقيقي بسياسات دعائية قصيرة الأمد"، مؤكدة أن ميزانية 2026 لن تنعش الاقتصاد بل ستعمّق أزمته.
فهي، كما تقول كالكاليست، "ميزانية بوجه اجتماعي مصقول، لكنها تُخفي واقعاً من التقشف والانكماش"، لتصبح -على حد تعبيرها- "ميزانية البقاء السياسي وليس البقاء الاقتصادي".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..