يمثل قرار وزارة الزراعة العراقية حظر استيراد ما يزيد على 40 صنفا من المحاصيل والمنتجات الزراعية نقطة تحول إستراتيجية في مسار تعزيز الاقتصاد الزراعي المحلي وتحقيق هدف الاكتفاء الذاتي.

ومع ذلك، لم يمر هذا القرار دون أن يثير ردودا متباينة وحادة بين مختصي الشأن الزراعي، فبينما تؤكد وزارة الزراعة العراقية، على لسان مستشارها الدكتور مهدي ضمد القيسي، التزامها بآليات رقابة يومية ودقيقة لأسعار السلع الزراعية لضمان استقرار السوق وحماية المنتج والمستهلك من أي تضخم أو نقص في المعروض، يعرب آخرون، من أعضاء الجمعيات الفلاحية، عن استغرابهم من جدوى هذه التصريحات في ظل غرق الأسواق بالمنتجات المستوردة.

وأكد الدكتور مهدي ضمد القيسي سعي الوزارة لتطبيق آليات صارمة لمنع استيراد عدد من المحاصيل الزراعية والخضر والمنتجات الحيوانية، مشددا على أن الهدف هو تحقيق توازن بين الاستهلاك اليومي والإنتاج المحلي، وضبط الأسعار لمنع ارتفاعها أو انخفاضها على نحو يضر بالمنتجين.

وقال القيسي في حديث للجزيرة نت إن عملية المنع تتم بموجب القوانين النافذة أو التعليمات الممنوحة للوزارة ضمن قوانين الحجر الزراعي أو قانون حماية المنتجات أو التعليمات الصادرة بتخويل من المجلس الوزاري للاقتصاد بموجب الرزنامة الزراعية.

مستشار وزارة الزراعة د.مهدي ضمد القيسي: الحظر الزراعي أداة لحماية المنتج الوطني وتحقيق التوازن بين وفرة الإنتاج واستقرار الأسعار (مواقع التواصل)منع دائم ومؤقت

أوضح القيسي أن هناك نوعين من المنع:

أولهما الحظر الدائم، الذي يستند إلى القوانين والتعليمات، وأبرزها قانون الحجر الزراعي رقم 76 لسنة 2012، وقانون الصحة الحيوانية رقم 32 لسنة 2013، وقانون تداول المواد الزراعية. ويهدف هذا الحظر إلى حماية الثروة النباتية والحيوانية الوطنية من الأمراض الفيروسية والبكتيرية والفطرية، وضمان صحة وسلامة المستهلك. إعلان

وشملت قائمة المواد الممنوعة بصفة دائمة -بحسب القيسي- نباتات الحناء والجت وأجزائهما، جوز الهند وثماره الحاوية على القلف، قصب السكر، الفطر، وشتلات وبذور وبراعم نباتات الخشخاش والقات وعشبة النيل، إضافة إلى التمور غير المعلبة، وفسائل النخيل غير النسيجية أو أجزاء النخلة من البلدان التي تنتشر بها سوسة النخيل الحمراء، وجميع أجزاء الحمضيات (عدا الثمار)، ونباتات القطن (باستثناء تيلة القطن المسموحة)، والمانغو، والجوافة، والقشطة، والزيتون، وجميع أجزاء العنب (باستثناء الثمار).

النوع الثاني من المنع يرتبط بالرزنامة الزراعية ووفرة المنتج المحلي، وهو قرار متغير ومؤقت وفقا لحجم الإنتاج الوطني أو شحّه، وتشمل أبرز المحاصيل التي يطبق عليها المنع حاليا: البصل، البطاطا، الرقي، البطيخ، الباذنجان، الشجر، والطماطم.

وفي حال حدوث شحة في المنتج المحلي، يتم فتح باب الاستيراد لفترة محددة بموافقة المجلس الوزاري للاقتصاد للحفاظ على استقرار الأسعار، ثم يعاد المنع عند عودة الإنتاج بوفرة لحماية المنتج الوطني.

 

الحماية الكمية وتطوير الجودة

أشار الدكتور القيسي إلى أن الوزارة تُلزم بضرورة تسجيل واعتماد التقاوي والبذور -مثل تقاوي البطاطا- لدى اللجنة الوطنية لتسجيل واعتماد وحماية الأصناف الزراعية قبل السماح بدخولها، بهدف حفظ الثروة النباتية وتجنب دخول أصناف رديئة أو مصابة بأمراض.

وأكد أن قانون حماية المنتجات العراقية رقم 11 لسنة 2010 منح المنتج الوطني حماية كمية من خلال فرض رسوم جمركية على المستورد لموازنة الأسعار، بما يحفز القطاع الخاص الوطني على الارتقاء بمنتجه من حيث التصنيع والتعبئة والتسويق للمنافسة على أساس الجودة في السوق.

وشدد القيسي على أن المبدأ الذي تعمل به الوزارة يقوم على تحقيق هدفين رئيسيين:

الحفاظ على صحة النبات والحيوان. منح الحماية للمنتج المحلي عند وفرته مع المحافظة على استقرار الأسعار وضمان التوازن بين العرض والطلب.
أزمة المياه المتفاقمة تهدد الأمن الغذائي وتجعل الزراعة العراقية أمام خطر الانكماش (مواقع التواصل) إغراق السوق بالمنتج المستورد

من جانبه، حذر أحمد العيساوي، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للجمعيات الفلاحية التعاونية في العراق، من واقع زراعي "هو الأسوأ" في تاريخ البلاد، معتبرا أن السوق العراقي اليوم أصبح "سوقا متعدد الجنسيات" للخضراوات والفواكه، في إشارة واضحة إلى تدهور الإنتاج المحلي.

وقال العيساوي في حديثه للجزيرة نت إن شح المياه القاتل يمثل "أكبر تحدٍّ" تواجهه الزراعة العراقية، محذرا من أن استمرار هذا الوضع قد يعرقل حتى حصول المواطن على مياه الشرب في المستقبل القريب.

وأعرب عن استغرابه من تصريحات وزارة الزراعة بشأن حظر استيراد 40 محصولا، قائلا: "إذا نزلنا إلى الأسواق، نرى جميع أنواع المحاصيل المستوردة تغرقها، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذا الحظر".

وشدد على أن غياب الحماية الفعلية للمنتج المحلي وعدم تفعيل قانون حماية الإنتاج وضع الفلاح أمام خيارات صعبة، مشيرا إلى أن أسعار بعض المنتجات، مثل صندوق الطماطم الذي وصل إلى أقل من 10 آلاف دينار (نحو 7 دولارات)، تجعل استمرار الفلاحين في الزراعة أمرا شبه مستحيل.

إعلان

كما انتقد العيساوي ضعف الدعم الحكومي للقطاع، موضحا أن التحديات تتلخص في شح المياه، وعدم حماية الإنتاج المحلي بشكل فعّال، بالإضافة إلى غياب التخطيط والإستراتيجية الواضحة.

وذكر أن الحكومة لم تلتفت إلى "كارثة شح المياه"، ولم تمارس ضغطا كافيا على دول الجوار لتأمين الحصة المائية، كما لم تعمل على تعويض الفلاحين المتضررين في محافظات الوسط المحرومين من زراعة محصول الشلب (العنبر) هذا العام.

وطالب العيساوي الحكومة بتوفير المياه للموسم الزراعي المقبل فورا، والتعامل مع أزمة الشح على أنها "كارثة وطنية" تهدد الأمن الغذائي للعراق.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الزراعة العراقیة وزارة الزراعة على أن

إقرأ أيضاً:

الإعلام والإنتاج المحلي.. لماذا لا نزال نستورد “الملخاخ”؟

قبل سنوات، وتحديدًا في عام 2020م، تحدث السيد القائد عن قضية بدت للكثيرين حينها بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تحمل دلالات اقتصادية وتنموية عميقة، عندما أشار باستغراب إلى استمرار استيراد “الملخاخ” من الخارج، رغم بساطته وإمكانية تصنيعه محليا بسهولة. لم يكن الحديث عن “الملخاخ” بحد ذاته، إنما عن عقلية اقتصادية كاملة ما تزال تعتمد على الاستيراد حتى في أبسط المنتجات.
واليوم، وبعد ست سنوات، يعود الحديث عن الموضوع نفسه مجددا، وكأننا لم نتحرك خطوة واحدة إلى الأمام. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا لا نزال نستورد الملخاخ والصلصة والعديد من المنتجات البسيطة التي تستطيع المصانع والمعامل المحلية إنتاجها؟ ولماذا لم تتحول تلك التوجيهات إلى خطط عملية وبرامج تنفيذية تقود إلى الاكتفاء الذاتي التدريجي؟
كان من المفترض، بعد كل هذه السنوات، أن نكون قد تجاوزنا مرحلة استيراد المنتجات البسيطة، وأن ينتقل الحديث اليوم إلى توطين الصناعات الأكثر تعقيدا، مثل الصناعات الإلكترونية، والمعدات الزراعية، والآلات الثقيلة، وقطع الغيار، وغيرها من الصناعات الاستراتيجية التي تستنزف مليارات الدولارات سنويا من العملة الصعبة.
لكن المؤسف أن الواقع لا يزال يكشف استمرار الاعتماد الكبير على الخارج حتى في المنتجات الاستهلاكية البسيطة، وهو ما يعكس وجود خلل في الثقافة الإنتاجية، وضعفا في استثمار الفرص المحلية، وقصورا في تحويل التوجيهات والرؤى إلى مشاريع إنتاج حقيقية.
هنا يأتي دور الإعلام، ليس فقط كوسيلة لنقل الأخبار، إنما كأداة لصنع الحدث، وبناء الوعي الاقتصادي والإنتاجي. فالإعلام مسؤول عن تعزيز ثقافة العمل والإنتاج، وتشجيع المستهلك على دعم المنتج المحلي، وتسليط الضوء على النماذج الناجحة للمصانع والمعامل الوطنية، وكشف حجم النزيف الاقتصادي الناتج عن الاستيراد العشوائي.
الإعلام التنموي الحقيقي يجب أن يتحول إلى شريك في معركة الاقتصاد، من خلال إنتاج برامج وتقارير وحملات توعوية تشرح للمجتمع خطورة استمرار الاعتماد على الخارج، وتوضح كيف أن شراء منتج محلي، مهما كان بسيطا، يعني دعم فرصة عمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتقليل فاتورة الاستيراد، والحفاظ على العملة الصعبة داخل البلد.
كما أن الإعلام مطالب بتشجيع روح الابتكار والتصنيع المحلي، وإبراز الشباب والمبادرين الذين استطاعوا تصنيع منتجات محلية بديلة للمستورد، لأن بناء الوعي الإنتاجي لا يقل أهمية عن بناء المصانع نفسها.
إن استمرار استيراد “الملخاخ” ليس مشكلة منتج بسيط فقط، إنما مؤشر على أن معركة الإنتاج لم تتحول بعد إلى ثقافة عامة وسلوك اقتصادي شامل. فالدول لا تنهض بالاستهلاك، وإنما بالإنتاج، ولا تبني اقتصادها بالاعتماد على الخارج، بل بتشجيع الصناعة المحلية وتوطين التكنولوجيا والمعرفة.
اليوم نحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة الكلام عن أهمية الإنتاج إلى مرحلة العمل والإجراءات العملية، عبر دعم الصناعات الصغيرة، وتشجيع المستثمرين ورؤس الأموال للتوجه نحو توطين الصناعات الغذائية، وحماية المنتج المحلي، وربط الإعلام بالتنمية والاقتصاد، حتى لا نظل بعد سنوات طويلة نكرر الحديث نفسه عن “الملخاخ”، بينما العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة.
إن تخفيض فاتورة الاستيراد يبدأ من أبسط منتج نستطيع تصنيعه محليًا، وينتهي ببناء اقتصاد وطني قوي ومستقل، قادر على الصمود والنمو وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

مقالات مشابهة

  • الإعلام والإنتاج المحلي.. لماذا لا نزال نستورد “الملخاخ”؟
  • متحدث الزراعة: صرف مستحقات القمح خلال 48 ساعة وتحفيزات لزيادة الإنتاج
  • أسود الأطلس ينهون الوديات المحلية برباعية أمام مدغشقر قبل شد الرحال إلى أمريكا
  • طلب إحاطة لبحث تداعيات خفض مقررات السماد لمحصول قصب السكر
  • لماذا حظرت اليابان استيراد المانجو من الهند؟
  • الزراعة تُكثف جولاتها على منافذ الحجر الزراعي ومحطات التعبئة
  • "الزراعة" تُكثف جولاتها على منافذ الحجر الزراعي ومحطات التعبئة لضمان جودة الصادرات
  • حماية للرقعة الزراعية.. ضبط كميات كبيرة من المبيدات المغشوشة في أسيوط
  • «الأهلى المصرى» يطلق أول منتج تمويلى مخصص للمبانى الخضراء
  • مهارة تُنقذ حياة.. قلب جامعة قناة السويس ينجح في تدخل قسطري بالغ الدقة لإنقاذ مسنة