ما بعد اتفاق غزة: هل تشهد القاهرة اتفاق المصالحة في السودان؟
تاريخ النشر: 30th, October 2025 GMT
حين تُطفأ نيران غزة وتغادر طائرات الحرب سماء الشرق، تبدأ القاهرة، في صمتها الأزلي، فصلاً جديدًا من لعبة توازنات القوى. فكما كانت بوابة الحرب والسلام، تعود اليوم لتفتح غرفها السرّية أمام الأطراف السودانية المتناحرة، في محاولة لإعادة تركيب الجغرافيا السياسية الممزقة بين النيلين. المنطقة من صنعاء إلى دمشق، ومن طرابلس إلى بيروت، تمر بمرحلة إعادة ترسيم النفوذ والحدود والمصالح، ومصر، التي خبرت تاريخ الانكسارات والانتصارات، تعرف أن لحظة التهدئة في غزة هي فرصة لإعادة هندسة المشهد العربي وتثبيت استقرار طال انتظاره، يبدأ من الخرطوم هذه المرة، لا من العواصم الكبرى.
منذ أسابيع، وبعد توقيع اتفاق غزة في شرم الشيخ، تحولت القاهرة إلى غرفة عمليات دبلوماسية هادئة، تتقاطر إليها الوفود بصمت، ما بين أميركيين وسعوديين وقطريين وإماراتيين وأفارقة، وكل طرف يحمل في حقيبته تصورًا لما يمكن أن يكون عليه السودان الجديد بعد الحرب الطويلة بين الجيش وقوات الدعم السريع. لكن خلف المشهد العلني هناك مطبخ سياسي مصري دقيق، تديره مؤسسات تعرف أن الخرطوم ليست مجرد نزاع داخلي، بل بوابة الأمن القومي جنوبًا، وساحة توازن بين النيلين الأبيض والأزرق، وبين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم.
الملف السوداني لا يُدار كقضية عربية فحسب، بل كملف استراتيجي يمس المياه والحدود ويعيد رسم خطوط السيطرة في حوض النيل. ولهذا السبب تحاول مصر أن تجمع بين مقاربتين: الأولى عربية برعاية سعودية - إماراتية - قطرية تركز على إعادة دمج القوى المدنية والعسكرية، والثانية أفريقية عبر وساطة مصرية مع "الإيغاد" والاتحاد الإفريقي لإعطاء الاتفاق طابعًا قاريًا يمنع أي اختراق أجنبي مباشر. في مبنى قديم يطل على النيل في حي الزمالك، تُدار جلسات مغلقة بعيدًا عن الأضواء، يلتقي فيها ممثلون عن الفصائل السودانية بحضور مبعوثين دوليين وتحت مظلة مصرية دقيقة المراقبة. تبدأ الجلسات بمناقشة وقف إطلاق النار لكنها سرعان ما تتجه إلى ما هو أعمق: مستقبل الحكم، توزيع الثروات، الأمن الحدودي، ومصير الجيش السوداني الموحد.
وتقول مصادر دبلوماسية عربية مطّلعة إن القاهرة تنسق هذه الأيام مع الرياض وأبوظبي والدوحة لوضع مسودة "إعلان مبادئ سوداني" على غرار اتفاقات الطائف والدوحة من قبل، لكنه هذه المرة سيكون برعاية مصرية - إفريقية - عربية مشتركة، تحمل شعار "لا عودة للسلاح.. ولا إقصاء لأحد"، تعرف القاهرة أن السودان ليس فقط عمقها الجغرافي، بل صمام أمانها المائي، فحوض النيل لا يُختصر في سد النهضة فحسب، بل في مجمل شبكة المصالح التي تمتد من بحيرة فيكتوريا حتى دلتا مصر. ومن هنا فإن أي استقرار سياسي في السودان يعني بالضرورة تأمين المجرى الحيوي للمياه، وقطع الطريق على أي مشاريع أجنبية لتدويل النهر أو فصله عن المجال العربي.
كما أن مصر، بعد أن نجحت في وقف الحرب في غزة، تريد أن ترسل رسالة صريحة للمجتمع الدولي: من لا يستطيع أن يصنع سلامًا في الخرطوم لن ينجح في حماية مصالحه في البحر الأحمر، البحر الأحمر اليوم لم يعد مجرد ممر تجاري، بل ميدان تنافس بين الأساطيل والميليشيات والمصالح من باب المندب إلى بورتسودان. وهنا تتقاطع الرؤية المصرية مع الرؤية السعودية في الحفاظ على أمن الممرات البحرية، ومنع تمدد النفوذ الإيراني أو الإسرائيلي أو حتى الروسي على الساحل الغربي للبحر الأحمر.
منذ عامين اختارت القاهرة سياسة الصوت الخافت، لا تعلن مواقفها قبل أن تُطبخ الملفات. فخلف كل مؤتمر هناك عشرات اللقاءات التي لا تُنشر صورها، وخلف كل اتفاق هناك خطوط حمراء مصرية واضحة: لا تفكك للدولة السودانية، لا ممر آمن للمرتزقة والميليشيات الأجنبية عبر دارفور، ولا تقسيم جغرافي أو إثني يهدد وحدة الأراضي. ومع ذلك تحافظ مصر على قنواتها مع جميع الأطراف، حتى مع الدعم السريع، عبر وسطاء أفارقة. فالقاهرة تفكر بعقل الدولة لا بعقل التحالفات المؤقتة، وتدرك أن السودان الممزق سيجعل كل حدودها الجنوبية عرضة للاختراق.
وفي الغرف السرّية تتحدث الوفود عن صفقة شاملة تتضمن حكومة انتقالية جديدة، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وضمانات اقتصادية تمولها الدول الخليجية، مقابل التزام الأطراف بعدم العودة إلى السلاح ودمج قوات الدعم السريع ضمن جيش وطني موحد.نجاح مصر في فرض هدنة دائمة في غزة جعل منها الطرف الأكثر موثوقية عربيًا ودوليًا. واشنطن نفسها باتت تدرك أن القاهرة وحدها تستطيع التعامل مع ملفات معقدة دون ضجيج، ولهذا، فبعد غزة، تبدو الخرطوم هي التحدي الأكبر: اختبار جديد
اقرأ أيضاًالصحة العالمية: مقتل 460 مريضا ومرافقا بمستشفى الولادة فى الفاشر بالسودان
المنظمة الدولية للهجرة: 33 ألف نازح في الفاشر السودانية خلال 72 ساعة
وزير الخارجية وكبير مستشاري ترامب يؤكدان أهمية الوقف الفوري والدائم للحرب في السودان
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: القاهرة السودان اتفاق غزة ما بعد اتفاق غزة
إقرأ أيضاً:
اجتماع تنسيقي بين مالية الخرطوم واللجنة الفنية لمنع التحصيل غير القانوني
عقدت اللجنة الفنية لمنع التحصيل غير القانوني اليوم اجتماعاً مطولاً مع وزارة المالية ولاية الخرطوم بحضور مدير عام وزارة المالية والاقتصاد والاستثمار الوزير المكلف ومدير الحكم المحلي بالولاية ومدير جهاز التحصيل الموحد وأعضاء اللجنة.
وأوضح المستشار العام د. محمد حاج آدم رئيس اللجنة أن الإجتماع الذي ترأسته مدير عام وزارة المالية بولاية الخرطوم قد تناول شرح تفصيلي حول اختصاصات ومهام وهيكل جهاز التحصيل الموحد وعلاقاته مع الأجهزة الإيرادية المختلفة بالولاية.
وأضاف أن الإجتماع تناول أيضاً توضيحاً للبنود المجازة في الموازنة وكيفية إدماجها وحوسبتها في نظام التحصيل عبر برنامج إيصالي، مشيراً إلى أن برنامج التحصيل الموحد بدأ في تطبيق برنامج حوسبة التحصيل، مشدداً على ضرورة بذل مزيد الجهد والتمويل حتى تتم تغطية كل الوحدات الإيرادية خاصة وأن جهاز التحصيل يعمل مع 54 وحدة إيرادية في ولاية الخرطوم.
وقال انه سيتم التنسيق مع جهاز التحصيل ووحدة تقانة المعلومات وإدارة الحكم المحلي والوحدات المختلفة وستعقد اللجنة اجتماعات مع المحليات باعتبارها أكثر الجهات التي تقدم الخدمات للمواطن وستقوم اللجنة بطواف ميداني، كما ستجتمع في ختام أعمالها مع حكومة الولاية لإطلاعها على ما تم من ملاحظات لإجراء المعالجات.
سونا
إنضم لقناة النيلين على واتسابPromotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/07/23 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة وزير مالية سنار : تخصيص 46% من موازنة 2026 للتنمية وإعادة الإعمار2026/07/23 المجلس الاعلى للسياحة وجامعة دنقلا يتفقان على تطوير القطاع السياحي2026/07/23 والي الجزيرة يدشن مشروع السودان الإسعافي لدعم التعليم الإبتدائي (SPEED) بتمويل من اليونيسف2026/07/23 انطلاق الحملة التوعوية والإرشادية الكبرى لرفع مستوى الوعي المروري بالبحر الأحمر2026/07/23 تسليم دعم لأسر الشهداء بشرق الجزيرة2026/07/23 وفد الإدارة العامة للشرطة المجتمعية يختتم زيارته الى الولاية الشمالية2026/07/23شاهد أيضاً إغلاق سياسية بطولة سيكافا للأندية تنطلق غدا بمشاركة الهلال 2026/07/23الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن