في معرض فلسطيني للخط العربي: المعنى ودلالة التشكيل الجمالي
تاريخ النشر: 30th, October 2025 GMT
"إن من البيان لسحرا"، وإن من إبداع الحرف المرسوم ما يعمّق هذا السحر! هذا ما يشعر به العربي وغيره عند مشاهدة الخط العربي، الذي تطور عبر الأزمنة ليصيرا أحد أهم الفنون العالمية، ضمن الفن الإسلامي الأكثر شهرة.
وهكذا، ما إن دخلنا قاعة المركز الثقافي التركي (يونس أمره) في رام الله، حتى أصبنا جميعا بهذا السحر، حيث إن تكوينات الحروف وما أحيط به من جمال، يجذب العين والقلب معا، فترى المشاهد قد انسجم مع الكلمات وحلّق؛ من خلال ما تتبعه العيون من مسارات الحروف، وصولا الى الانسجام ما بين المعنى وبين الخط كوعاء جمالي، يعيد التساؤل عما أبدع فيه الخطاطون على مدار قرون طويلة، وما زالوا.
ولعل تأمل الخطوط، يعيدنا مرة واحدة الى طفولتنا البريئة النقية والخالية من الهموم، حين كنا نسعد بالخطوط بأنواعها، فنروح لنحاكيها ما استطعنا في حصص كانت تخصص للخطّ، لعلنا كعرب جميعا نعيد الاهتمام بالخط، حيث ان مستويات اهتمام الدول العربية متفاوتة، ولكنها اليوم صار لزاما عليها إعادة الاعتبار للكتابة، في ظل تحولات العالم الرقمي، حيث قلّ استخدام الكتابة لجميع الأعمار، بمن فيها الأعمار الصغيرة، ما يشكل خطرا على مستقبل الكتابة أيضا بما تعنيه من اتقان التشكيل والإملاء.
يبدأ دكتور محمد شلبي، المتخصص بالخط العربيّ حديثه عن هذا الجانب، مشجعا على الاهتمام بالخط، وهو الذي أشرف على تعليم الخطّ، بالتعاون مع منتدى الفنون البصرية ومؤسسات أخرى في فلسطين، وكان من نتائجه وجود هذه اللوحات، والتي تشجع خطاطون من مستويات مختلفة على المشاركة ضمن عشرات اللوحات، باعتبار ان التعبير الجمالي بالحروف هو فن تشكيليّ أيضا.
ولا تبعد العبارات الفنية المكتوبة عما هو سائد في فلسطين وبلادنا العربية من كتابة عبارات ونصوص ذات دلالات تحمل رسائل عظيمة يتم تكثيفها بلاغيا في كلام موجز.
فبدءا آيات القرآن الكريم، العظيم المعجز في ذاته، الممتلئ بالدلالات، فقد حفلت اللوحات بعبارات شعرية، لعدد من شعراء فلسطين كمحمود درويش" على هذه الأرض ما يستحق الحياة" وتوفيق زياد وعبد الكريم الكرمي وتميم البرغوثي ومريد البرغوثي وهارون هاشم رشيد، وعبارات أخرى تتعلق بالبقاء في فلسطين، منها: سلام لأرض خلقت للسلام.
تكوين:
في المعرض المقام برام الله، والذي تنقل في المدارس، والذي يجري عمله كمعرض افتراضي ليتم بثه على المواقع المتخصصة بالفن والتعليم، وجدنا الخصوصية الفلسطينية فنيا ووطنيا، حيث يتم توطين اللغة من خلال طريقة التعبير عنها.
لقد استخدم الخطاطون، ضمن مستويات إبداعهم واحترافهم الفني المطرزات الفلسطينية المشهورة، حول المكتوب، فجاءت المطرزات بمثابة تأطير جمالي يحتفل بما هو مكتوب من آيات وشعر وعبارات وازنة. كذلك لوحظ الاحتفاء بالورود والأزهار الفلسطينية أيضا، بما يمكن تفسيره بأنه شذى الكلمات العطر، فتكتمل الحواس ويكتمل السحر معا من خلال الحواس جميعها.
كذلك حضرت خارطة فلسطين كمحور جمالي مزدانة بجمالية الخطّ "وحبوب سنبلة تموت ستملأ الوادي سنابل" لمتقاعد من جنين شغوف هو سهيل جرار، الذي صاحبنا في زيارتنا الثانية للمعرض، ما يدلّ على ان تأثره بالخطّ كان منذ طفولته، وها هو يعود للتعلم والممارسة الإبداعية.
"فتمثل لها بشرا سويا" الآية الكريمة، كانت تشكيلا بديعا حين جعل من حرفي الألف واللام القائمتين تشكيلا موحيا بقصة السيدة مريم ابنة عمران رضي الله عنها مع الملاك جبريل عليه السلام، فجاء التأثير ساحرا ومدهشا، حيث جاءت الرسمة البسيطة بدون تعقيد ضمن حروف الكلمات، ما جعلها تأسر معظم زائري المعرض الذين تكرر إطالة وقوفهم عندها.
"سنرجع يوما الى حينا" من إبداع الشابة آية نيروخ القادمة من الخليل، والتي شاركت بأكثر من عمل دلّ على حبها للخط العربي وموهبتها معا؛ حين رسمت مضيفة التطريز وطائر السنونو. في حين كونت مجد كتانة حمامة من الكلمات. من جهة أخرى أبدعت سجى قرعان في رسم شعر عبد الكريم الكرمي، مضيفة حول دائرة الكلمات أسماء قرى فلسطينية مهدمة من خلال كتابتها على أرضية نباتية.
الفنانة سجى رباح، اختارت كتابة عبارة، جعلتها نصفين متقابلين بالعكس، عملت بينهما حرة الحرف الأخير لينتهي في الأولى ويبدأ بالأخرى ما شكل دائرة حيوية الحركة، تزيد عمق المعنى وحركته الفكرية التأملية.
أما الآية الكريمة "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" الآية 106 من سورة آل عمران، فقد جعلها الخطاط بخلفيتين لونيتين، تناسبان المعنى، فما هو خاص بالأبيض ظهر بلون يختلف عما هو خاص بالأسود، في فكرة مبتكرة لاقت ترحيبا كون التشكيل انسجم في رسم المفارقة في المعنى.
أما الفنان الخطاط المعروف سعيد النهري، فشارك في بضع أعمال منها: الخيل، وهي رسمة فرس أصيلة، ثبت داخلها آيات كريمة، وفي حين جعل رأس الفرس مضيئا بالكلمات، فكان الموصوف والوصف متلازمين مكتملي التعبير والجمال. كذلك فعل في الكتابة الجميلة على "النحلة"، عما ورد عنها وعن العسل في القرآن الكريم.
أما الطفلة زينة قرعان، التي كانت أصغر المشاركات، فكانت عبارة محمود درويش "هذا البحر لي"، هي المعبرة عنها وعن تأثرها بالشعر وشوقها للبحر الذي حرمت من مشاهدته منذ سنوات.
لقد تمت معظم اللوحات بشكل يدويّ إبداعي، في حين لاحظنا اختيارات في الإبداع استخدمت إمكانات الحاسوب.
من الأسماء المعروفة المشاركة احمد زعبي يوسف زواهرة دائرة، حيث انضما للمعرض احتفاء به وبنشر جماليات الخط العربي.
ما لاحظناه في المعرض انه تم وضع الأعمال الإبداعية بشكل نديّ، تشجيعا للخطاطين والخطاطات الموهوبين على طريق الإبداع.
ثمة رسائل ينقلها المعرض عن العروبة والحضارة العربية الإسلامية النبيلة والجميلة معا، وضرورة استمر هذا الفن، الذي لا يقف عند المستوى الجمالي، بلا يتجاوز ذلك الى الاهتمام بكتابة الأطفال العرب، وتمكنهم من رسم الحروف بجمالية ودقة، لتكون مقروءة للكاتب والقارئ معا.
أما الرسالة القديمة المتجددة دوما، فإنها تتعلق بتعظيم معاني التراث العربي الإسلامي، بدءا بأكثر المعاني قدسية، ممثلة بآيات القرآن الجميلة، والشعر العربي ديوان العرب، والكثير من المعاني في العبارات التي اشتهرت.
إن توطين الخط العربي، ضمن السياق الفلسطيني على مستوى الاختيار والورد والزخرفة، هو مقاومة ثقافية ضد كل أنوع نفي فلسطين وإقصائها؛ حيث أن اختيار عبارات تؤكد على عروبة فلسطين وحريتها، هو ربط حضاريّ لفلسطين العربية الإسلامية، ما يجعل من نشر الأعمال الإبداعية وسيلة نشر إبداعية جمالية لفلسطين للتخلص من الاحتلال.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الخط العربی فی فلسطین من خلال
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026