هكذا تدير "إسرائيل" التجويع في غزة بـ"التجارة"
تاريخ النشر: 2nd, November 2025 GMT
غزة - خاص صفا
مرّ ما يقرب الشهر على "الهدنة" بلهجة الغزيين، الذين هللوا باسمها، فرحين بفتح أبواب المعابر أمام وجوههم الشاحبة، ليجدوا أنفسهم غرباء بأسواق للتجار، فيها من المواد ما يفرغها من إنسانيتها.
"قهوة ومشتقاتها، شوكلاتة، مشروبات غازية وكماليات أخرى"، لا تُشكل أولوية لإنسان فقد على مدار ستة أشهر من المجاعة، شحمه ولحمه، وليس في جيبه ما يشتري به "مونة أساسية".
ويبدو أن سلوك الاحتلال أصبح مكشوفًا تجاه معابر غزة، المجبر بالاتفاق أن يُدخل عبرها 600 شاحنة يوميًا، لكنه
يتعمّد إدخال كميات ملحوظة من المواد الكمالية وغير الأساسية، مقابل تقليص لإدخال المواد الضرورية للحياة مثل الغذاء والدواء والوقود.
هذه السياسة ليست عشوائية، بل هي نهج مقصود لإفراغ المساعدات التجارية من مضمونها الإنساني، وتحويلها إلى وسيلة ضغط نفسي ومعيشي على السكان.
ويشتكي المواطنون بغزة من طبيعة المواد الغذائية التي يتم تنزيلها للأسواق، وهم ممتعضون من تفضيل مصالح التجار على قوتهم الضروري.
ومن المفارقات الخطيرة في دخول الشاحنات بغزة، أن من بين ما يدخل 220 شاحنة بضائع مختلفة و82 شاحنة ملابس و23 أدوات منزلية، مقابل 4 شاحنات فقط للقطاع الصحي و6 شاحنات محروقات.
التجويع بالتجارة
ويقول مدير المكتب إسماعيل الثوابتة لوكالة "صفا"، إن هذا التوزيع يؤكد أن الاحتلال يدير حركة السلع بما يخدم أهدافه السياسية والعقابية، وليس الاحتياجات الفعلية للسكان.
ويضيف إسرائيل تحاول من سلوكها خلق صورة زائفة لحالة تجارية طبيعية، بينما الواقع على الأرض مأساوي بكل المقاييس".
ويبدو جليًا أن "إسرائيل" انتقلت بعد وقف إطلاق النار من مرحلة التجويع، إلى إدارته بالتجارة.
وحسب الثوابتة، فإن ما يجري اليوم هو إدارة ممنهجة للتجويع تحت غطاء النشاط التجاري، مضيفًا أن الاحتلال لا يفرض حصاراً فقط، بل يمارس سياسة "التجويع بالتجارة"، عبر التحكم الدقيق في نوع وأصناف وكميات السلع التي يسمح بدخولها.
ويستطرد "إنه يمنع ما يُبقي الإنسان على قيد الحياة، ويسمح بما لا يُغني ولا يُسمن".
ومن أصل 600 شاحنة يُفترض دخولها يومياً، لم يدخل سوى 145 شاحنة فقط، أي أقل من ربع الكمية المتفق عليها.
ويعتبر الثوابتة أن هذه الأرقام تؤكد أن الاحتلال يستخدم سياسة التجويع المقنّع كسلاح حرب، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تُحرّم استخدام الغذاء والدواء كسلاح ضد المدنيين.
ويشدد على أن هذه الممارسات تمثل جريمة إبادة جماعية بطيئة، يديرها الاحتلال بأدوات اقتصادية وتجارية مدروسة.
ولكنه يعد أن الصمت الدولي غير مبرر يتيح لـ"إسرائيل" الاستمرار في معاقبة أكثر من 2.4 مليون إنسان محاصرين داخل القطاع.
ولهذا، فإن الثوابتة يجزم بأنه لا يمكن الحديث عن أي تحسّن في مؤشرات الأمن الغذائي أو تراجع في معدلات الجوع في ظل هذه الأوضاع.
وهنا يؤكد أن الأرقام والوقائع الميدانية تؤكد أن المجاعة في غزة ما زالت حاضرة، وأن ما يتم إدخاله من مساعدات أو مواد غذائية لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات السكان.
وفي أكتوبر وهو شهر وقف إطلاق النار بغزة، بلغ متوسط عدد الشاحنات اليومية التي دخلت خلاله لا يتجاوز 145 شاحنة فقط، معظمها يركز على مواد غير ضرورية، بينما القطاع يحتاج إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً لتلبية المتطلبات الإنسانية والاقتصادية الأساسية.
وبهذا السلوك الشيطانيّ، يواصل الاحتلال منع حرمان المدنيين من مقومات الحياة الأساسية، ويعمّق من أزمة الجوع وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء والمرضى، يقول الثوابتة.
ويحذر من أن الوضع الإنساني في غزة ما زال عند مستوى التحذير الأقصى من سوء التغذية والتجويع الممنهج، ويُعدّ مؤشراً خطيراً على استمرار سياسة العقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال بحق المدنيين.
وفي العاشر من أكتوبر المنصرم دخل اتفاق وقف إطلاق النار بغزة حيز التنفيذ، برعاية أمريكية قطرية مصرية وتركية، ولكن تنفيذ بنوده يشهد تباطؤًا متعمدًا من الاحتلال.
المصدر
المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية
إقرأ أيضاً:
منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
لم يكن الحوثي يومًا مجرد جماعة يمنية تحمل السلاح داخل حدود دولتها، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تنطلق نحو السفن العابرة في البحر الأحمر وباب المندب، بدا أنّ الولايات المتحدة والقوى الغربية تكتفي بإدارة الأزمة أكثر من سعيها إلى إنهائها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي، لماذا استمرت سياسة الصبر على الحوثي طوال هذه الفترة، رغم أنّ تهديده لم يعد يقتصر على اليمن، وإنما امتد إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي؟
قد يذهب البعض إلى تفسير هذا السلوك بأنّه تراجع في الإرادة الأمريكية، لكن القراءة الأقرب إلى الواقع أنّ واشنطن كانت تنظر إلى الحوثي باعتباره جزءًا من معادلة أكبر ترتبط بإيران، وليس مجرد تنظيم محلي.
لذلك فضلت لفترة طويلة عدم الانخراط في مواجهة واسعة قد تُؤدي إلى توسيع الحرب في الشرق الأوسط، خصوصًا مع انشغالها بملفات أخرى مثل أوكرانيا، والتنافس مع الصين، ومحاولة تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة تستنزف الموارد والقدرات.
كما أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة راهنت على أنّ الضغوط الاقتصادية والعقوبات، إلى جانب الضربات المحدودة، قد تكون كافيةً لردع الحوثيين دون الحاجة إلى دعم عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق التي يسيطرون عليها.
وكان الاعتقاد أنّ احتواء التهديد أقل كلفة من الدخول في حرب مفتوحة قد يصعب التحكم في نتائجها، غير أنّ هذه المقاربة حملت في داخلها خطأً إستراتيجيًا، فالتهديدات التي لا تواجه بحسم غالبًا ما تتطور، والميليشيات التي تنجح في اختبار حدود الردع تزداد جرأةً مع مرور الوقت.
هكذا انتقل الحوثي من استهداف الداخل اليمني إلى استهداف الممرات البحرية الدولية، ثم إلى فرض نفسه طرفًا قادرًا على التأثير في حركة التجارة العالمية، ولعل تهديدة لباب المندب يأتي متوافقًا مع الرؤية الإيرانية.
لقد تحولت الهجمات على السفن إلى رسالة سياسية بقدر ما هي عملية عسكرية، فالهدف لم يعد مجرد إلحاق الضرر بسفينة أو تعطيل رحلة تجارية، وإنما إثبات أنّ ميلشيا تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي، وإجبار شركات الملاحة على تغيير مساراتها، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا بدأت الكلفة الحقيقية للتردد، فكل سفينة تضطر إلى تجنب البحر الأحمر والمرور عبر رأس الرجاء الصالح تُعني آلاف الأميال الإضافية، وأيامًا أطول للوصول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وارتفاعًا في أقساط التأمين، وانعكاسًا مباشرًا على أسعار السلع.
ولم يعد المتضرر هو الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله، لأنّ هذا الممر يُمثل أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
أما على المستوى الإقليمي، فقد منح هذا الواقع إيران ورقة ضغط إضافية، فوجود جماعة مسلحة قادرة على تهديد باب المندب يُعني امتلاك وسيلة للتأثير في معادلات الأمن البحري كلما تصاعد التوتر في المنطقة.
ولذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري، بل أصبح جزءًا من معادلة الردع الإقليمية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية.
وكان لغياب الدعم الحاسم للقوى اليمنية المؤيدة للحكومة الشرعية أثر واضح، فبدلًا من تمكين الدولة من استعادة السيطرة على الساحل والموانئ والمناطق الإستراتيجية، استمرت حالة الجمود العسكري، وهو ما أتاح للحوثيين الاحتفاظ بقدراتهم، وإعادة تطوير منظوماتهم الصاروخية والمسيّرة، وتوسيع دائرة عملياتهم.
اليوم يبدو أنّ المجتمع الدولي يدفع ثمن سياسة الاكتفاء بردود الفعل، فالضربات المحدودة قد تعطل بعض القدرات، لكنها لا تنهي التهديد ما دام الهيكل العسكري قائمًا، وما دامت خطوط الإمداد والتجنيد والتمويل مستمرة، ولهذا فإنّ الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة تقليص القدرة العسكرية للحوثيين أصبح مطروحًا بصورة أكثر جديةً في عدد من دوائر القرار الغربية والإقليمية.
غير أنّ إنهاء هذا الخطر لا يمكن أنّ يعتمد على القوة العسكرية وحدها، فالمعركة لها أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية في آنٍ واحد، ويتطلب الأمر تعزيز قدرات الحكومة اليمنية، وتأمين الممرات البحرية عبر تعاون دولي مستدام، وتجفيف مصادر التسليح والتمويل، والحد من تدفق التقنيات التي تسمح للحوثيين بتطوير قدراتهم الهجومية.
كما أنّ نجاح أي إستراتيجية طويلة المدى يرتبط بإعادة بناء الدولة اليمنية نفسها، فالميليشيات تنمو حيث تضعف الدولة، وتتمدد حيث تغيب المؤسسات، وتكتسب شرعيةً بحكم الأمر الواقع كلما طال أمد الصراع، ومن دون معالجة جذور الأزمة اليمنية، سيظل البحر الأحمر عرضةً لموجات جديدة من التوتر مهما تعددت العمليات العسكرية.
إنّ أخطر ما كشفت عنه السنوات الماضية ليس قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، وإنما أنّ التردد في مواجهة الأخطار الصغيرة قد يسمح لها بأن تتحول إلى تهديدات دولية، فالسياسات التي راهنت على إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها منحت الحوثي وقتًا كافيًا لتغيير قواعد اللعبة، حتى أصبح أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم مرتبطًا بقرارات جماعة مسلحة لا تمثل دولة، لكنها نجحت في فرض نفسها على معادلات الأمن الإقليمي.
ولعل الدرس الأهم أنّ حماية الملاحة الدولية لا تبدأ عند مرافقة السفن في البحر، وإنما تبدأ بمنع تحوّل الميليشيات إلى جيوش موازية، وبإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، لأنّ الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه دائمًا قوى تمتلك السلاح، وتبحث عن النفوذ، وتستخدم التجارة العالمية ورقة لتحقيق أهدافها السياسية.