غزة - خاص صفا

مرّ ما يقرب الشهر على "الهدنة" بلهجة الغزيين، الذين هللوا باسمها، فرحين بفتح أبواب المعابر أمام وجوههم الشاحبة، ليجدوا أنفسهم غرباء بأسواق للتجار، فيها من المواد ما يفرغها من إنسانيتها.

"قهوة ومشتقاتها، شوكلاتة، مشروبات غازية وكماليات أخرى"، لا تُشكل أولوية لإنسان فقد على مدار ستة أشهر من المجاعة، شحمه ولحمه، وليس في جيبه ما يشتري به "مونة أساسية".

ويبدو أن سلوك الاحتلال أصبح مكشوفًا تجاه معابر غزة، المجبر بالاتفاق أن يُدخل عبرها 600 شاحنة يوميًا، لكنه 

 يتعمّد إدخال كميات ملحوظة من المواد الكمالية وغير الأساسية، مقابل تقليص لإدخال المواد الضرورية للحياة مثل الغذاء والدواء والوقود. 

هذه السياسة ليست عشوائية، بل هي نهج مقصود لإفراغ المساعدات التجارية من مضمونها الإنساني، وتحويلها إلى وسيلة ضغط نفسي ومعيشي على السكان.

ويشتكي المواطنون بغزة من طبيعة المواد الغذائية التي يتم تنزيلها للأسواق، وهم ممتعضون من تفضيل مصالح التجار على قوتهم الضروري.

ومن المفارقات الخطيرة في دخول الشاحنات بغزة، أن من بين ما يدخل 220 شاحنة بضائع مختلفة و82 شاحنة ملابس و23 أدوات منزلية، مقابل 4 شاحنات فقط للقطاع الصحي و6 شاحنات محروقات.

التجويع بالتجارة

ويقول مدير المكتب إسماعيل الثوابتة لوكالة "صفا"، إن هذا التوزيع يؤكد أن الاحتلال يدير حركة السلع بما يخدم أهدافه السياسية والعقابية، وليس الاحتياجات الفعلية للسكان. 

ويضيف إسرائيل تحاول من سلوكها خلق صورة زائفة لحالة تجارية طبيعية، بينما الواقع على الأرض مأساوي بكل المقاييس".

ويبدو جليًا أن "إسرائيل" انتقلت بعد وقف إطلاق النار من مرحلة التجويع، إلى إدارته بالتجارة.

وحسب الثوابتة،  فإن ما يجري اليوم هو إدارة ممنهجة للتجويع تحت غطاء النشاط التجاري، مضيفًا أن الاحتلال لا يفرض حصاراً فقط، بل يمارس سياسة "التجويع بالتجارة"، عبر التحكم الدقيق في نوع وأصناف وكميات السلع التي يسمح بدخولها.

ويستطرد "إنه يمنع ما يُبقي الإنسان على قيد الحياة، ويسمح بما لا يُغني ولا يُسمن".

ومن أصل 600 شاحنة يُفترض دخولها يومياً، لم يدخل سوى 145 شاحنة فقط، أي أقل من ربع الكمية المتفق عليها.

ويعتبر الثوابتة أن هذه الأرقام تؤكد أن الاحتلال يستخدم سياسة التجويع المقنّع كسلاح حرب، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تُحرّم استخدام الغذاء والدواء كسلاح ضد المدنيين.

ويشدد على أن هذه الممارسات تمثل جريمة إبادة جماعية بطيئة، يديرها الاحتلال بأدوات اقتصادية وتجارية مدروسة.

ولكنه يعد أن الصمت الدولي غير مبرر يتيح لـ"إسرائيل" الاستمرار في معاقبة أكثر من 2.4 مليون إنسان محاصرين داخل القطاع.

ولهذا، فإن الثوابتة يجزم بأنه لا يمكن الحديث عن أي تحسّن في مؤشرات الأمن الغذائي أو تراجع في معدلات الجوع في ظل هذه الأوضاع. 

وهنا يؤكد أن الأرقام والوقائع الميدانية تؤكد أن المجاعة في غزة ما زالت حاضرة، وأن ما يتم إدخاله من مساعدات أو مواد غذائية لا يغطي الحد الأدنى من احتياجات السكان.

وفي أكتوبر وهو شهر وقف إطلاق النار بغزة، بلغ متوسط عدد الشاحنات اليومية التي دخلت خلاله لا يتجاوز 145 شاحنة فقط، معظمها يركز على مواد غير ضرورية، بينما القطاع يحتاج إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً لتلبية المتطلبات الإنسانية والاقتصادية الأساسية. 

وبهذا السلوك الشيطانيّ، يواصل الاحتلال منع حرمان المدنيين من مقومات الحياة الأساسية، ويعمّق من أزمة الجوع وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء والمرضى، يقول الثوابتة.

ويحذر من أن الوضع الإنساني في غزة ما زال عند مستوى التحذير الأقصى من سوء التغذية والتجويع الممنهج، ويُعدّ مؤشراً خطيراً على استمرار سياسة العقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال بحق المدنيين.

وفي العاشر من أكتوبر المنصرم دخل اتفاق وقف إطلاق النار بغزة حيز التنفيذ، برعاية أمريكية قطرية مصرية وتركية، ولكن تنفيذ بنوده يشهد تباطؤًا متعمدًا من الاحتلال.

المصدر

المصدر: وكالة الصحافة الفلسطينية

كلمات دلالية: تجويع غزة

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • في ظل تصعيد الاحتلال.. أهداف الحكومة اللبنانية من التفاوض مع إسرائيل
  • أبو عبيدة: مسلسل القتل اليومي لأهلنا بغزة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • تحالف استراتيجي بين ميتسوبيشي ونيسان لإطلاق شاحنة جديدة
  • حماس: ادعاءات رفضنا تسليم الحكم بغزة أكاذيب وملادينوف يعيق عمل اللجنة الوطنية
  • لبنان.. كاتس يزعم حصول إسرائيل على ضوء أخضر أمريكي لضرب بيروت
  • سيارة عمرها 54 عامًا.. عودة أسطورة فورد تشعل مزادات السيارات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • تل أبيب تطلب ضوءًا أخضر أمريكيًا لتوسيع عملياتها داخل لبنان | إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة الشقيف جنوب لبنان .. وجيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء جديدة