الثورة
{هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر:65) كل ما سوى الله سيفنى، وكل ما سوى الله ناقص وضعيف. إذاً فمن هو الذي يجب عليّ أن ألتجئ إليه, وأدعوه وأثني عليه وأثق به؟ الله أم شخص آخر؟ الله أم مطمع من مطامع الدنيا؟ الله أم هوى نفسي وشهواتها؟ أنا سأقول: ( هو )، سأرجع إلى الله؛ لأنه من؟ {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} هو الحي الدائم البقاء الذي لا يفنى، وهو الإله الذي لا إله غيره، فهو من يجب أن أدعوه مخلصاً له في دعائي، من ألتجئ إليه مخلصاً له في التجائي إليه، من أتوكل عليه منقطعاً في توكلي عليه، من أثق به معرضاً عن كل من ليس في خطه وعلى صراطه.


وهو أيضاً من يجب أن أثني عليه؛ لكماله سبحانه وتعالى، ولعظيم إحسانه إليّ، ولسوابغ نعمه عليّ.. إنه إله رحيم، إله عظيم الإحسان، إله يسبغ نعمه على عباده، عباده الذين أنا واحد منهم، وأنا مَن أَعَلَمُ بأن نعمه عليّ لا أستطيع أنا ولا غيري أن يحصيها. وكما قلنا في سؤال سابق أثناء درس من الدروس: من الذي يستطيع أن يحصي نعم الله عليه؟.
هو المقدّس، هو المن‍زه، هو الذي من تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن، وهو الذي له الحمد، والحمد معناه: الثناء على الله، هو وحده من يستحق الثناء, ومن له الثناء، وهو رب العالمين، إذاً فهو من يجب أن أخلص له.
الإنسان لا يرائي في أعماله إلا إذا لم يكن الله عظيماً في نفسه، الإنسان لا يرائي في أعماله إلا إذا كان ما يريده من الناس هو في نفسه أعظم مما يمكن أن يحصل عليه من قِبَل الله، وهذا من أعظم الجهل بالله سبحانه وتعالى، من أعظم الجهل بما يسبغه علينا من نعم، من أعظم الجهل بعظم ما عنده مما وعد به أولياءه المؤمنين.
في آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام 018) فمن الذي يستطيع أن يغالب الله؟ من الذي يستطيع أن يقهر أولياء الله المعتصمين به، والمتوكلين عليه والواثقين به؟. وهو الذي قال في كتابه الكريم: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة:21) {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر:51) من الذي يستطيع أن يقف أمامه فيحول بينه وبين أن يفِيَ بوعده للمؤمنين الصادقين عنـدما يقول: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحج: من الآية40) {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(محمد: من الآية7).
إنه القاهر فوق عباده.. من هو ذلك الذي يمكن أن نصفه بصفة كهذه من ملوك وزعماء الأرض؟ من هو ذلك الذي قد نقارن بينه وبين الله في جبروته وقهره؟ لا أحد في هذه الدنيا مهما ملك من قوة الله وحده هو القاهر فوق عباده كبيرهم وصغيرهم، ملكهم ومملوكهم، رئيسهم ومرؤوسهم.
وهو الحكيم في أفعاله، الحكيم في تدبيره، أعماله لا عشوائية فيها، ولا جهالة فيها، الخبير بشئون عباده، الخبير بأعمال عباده، الخبير كيف يقهر من تمرد عليه، الخبير كيف ينصر من نصره، الخبير في كيف يفي بوعده لمن وثق به وتوكل عليه.
{وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}(الأنعام: من الآية18) في هذه الدنيا نجد أمثلة كثيرة تبين أن كثيراً من أولئك الذين يعتمد عليهم الناس فمتى ما انطلقوا ليفوا بوعودهم لهم كم تحصل من أخطاء.. أمريكا عندما دخلت أفغانستان, ووقفت مع أحزاب التحالف الشمالي، التي كانت معارضة لحركة طالبان كم حصل من أخطاء من قِبَل الطائرات الأمريكية فضربت مدناً، وضربت مناطق هي تابعة لأحزاب المعارضة، فحصل قتلى كثير في مناطق هي تابعة لأحزاب المعارضة الذين هم تولوا أمريكا، وأمريكا وقفت معهم، لا أحد مهما كان ناصحاً معك إذا ما توليته وابتعدت عن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يكون خبيراً في كيف يقف معك.
بل نجد كيف أن أمريكا نفسها كم من الزعماء جنّدوا أنفسهم لخدمتها, وقضوا أعمارهم في العمالة لها، وفي تنفيذ مخططاتها، وفي الأخير في وقت الشدة، ووقت ثورة شعوبهم عليهم تتركهم وتتخلى عنهم، وأحياناً تتخلى عنهم قبل ذلك، كم من شخص جنّد نفسه ليكون جاسوساً للمخابرات الأمريكية أو غيرها، فيبدوا لهم في حين من الأحيان أن يقضوا عليه، أو يعملوا على أن تصيبه عاهة من الجنون أو نحوه تفقده شعوره.
هكذا يعملون بأوليائهم، أفعالاً ليست من الحكمة في شيء، أعمال هي فيما يتعلق بذلك الشخص الذي بذل جهده من أجلهم، وضحى بعمره من أجلهم تعتبر مكافأة سيئة على إحسانه إليهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو من ينصر أولياءه, ومن يقف مع أوليائه، ومن لا يضيِّع جهود أوليائه، ومن يقرب أولياءه منه، ومن لا يفرط فيهم ولا يضيعهم؛ لأنه الحكيم الخبير.
دروس من هدي القرآن الكريم
معرفة الله عظمة الله – الدرس الثامن
بتاريخ: 26 /1 /2002م
اليمن – صعدة

المصدر

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: الله سبحانه وتعالى من الذی یستطیع أن هو الذی

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • هدية خادم الحرمين الشريفين من المصاحف الشريفة ترافق الحجاج المغادرين
  • في ذكري رحيله.. محطات من حياة العالم الجليل الشيخ محمد الراوي
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • بدء الاختبارات التحريرية المركزية للمسابقة العالمية 33 في حفظ القرآن الكريم وفهم معانيه
  • فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟