ملاحظة بسيطة تكشف مبكراً احتمالية الإصابة بمرض "باركنسون"
تاريخ النشر: 9th, November 2025 GMT
في اكتشاف طبي واعد قد يُحدث تحولاً في الكشف المبكر عن "مرض باركنسون" (الشلل الرعاش)، توصّل فريق من علماء الأعصاب في ألمانيا إلى اختبار بسيط يعتمد على مراقبة طريقة دوران الشخص أثناء المشي، يمكنه التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض قبل ما يقرب من تسع سنوات من التشخيص الرسمي.
ويُعد هذا التطور، الذي نشرته مجلة Annals of Neurology ونقلته صحيفة Daily Mailالبريطانية، أول دراسة طويلة الأمد تثبت وجود مؤشرات حركية دقيقة يمكن أن تُستخدم كعلامات تحذيرية مبكرة للمرض.
كيف يعمل الاختبار؟
يستند الاكتشاف إلى ملاحظة أن الدوران أثناء المشي من أكثر الحركات تعقيدًا التي يقوم بها الإنسان، لأنها تتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الدماغ والجهاز العصبي العضلي للحفاظ على التوازن والاتجاه.
وفي حين أن المشي المستقيم قد لا يُظهر اضطرابات مبكرة، فإن طريقة الالتفاف أو الدوران يمكن أن تكشف عن خلل عصبي دقيق في السيطرة على الحركة.
وفي الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة توبنغن الألمانية ضمن مشروع بحثي طويل الأمد يُعرف باسم TREND (اختصار لتقييم عوامل الخطر للكشف المبكر عن التنكس العصبي)، خضع 924 شخصًا تجاوزوا سن الخمسين للاختبار خمس مرات خلال فترة امتدت إلى عشر سنوات.
وارتدى كل مشارك جهاز استشعار صغيرا مثبتا على أسفل الظهر، أثناء السير في ممر طوله 20 مترًا لمدة دقيقة واحدة بوتيرته الطبيعية. وبعد تحليل البيانات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، لاحظ العلماء أن الأشخاص الذين داروا ببطء وبزاوية أوسع من المعتاد كانوا أكثر عرضة للإصابة بمرض باركنسون بعد نحو 8.8 عام.
"دوران أبطأ... خطر أكبر"
وقال الباحثون في ورقتهم العلمية إنّ "الدوران يتطلب تعديل المسار باستمرار أثناء المشي، وهو عملية تعتمد على توازن معقد بين القشرة الدماغية والجهاز الحركي والمخيخ".
وأضافوا: "عندما تبدأ الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في التراجع، كما يحدث في المراحل المبكرة من باركنسون، يفقد الدماغ قدرته على التنسيق المثالي، فيُبطئ الشخص دورانه دون أن يدرك ذلك".
ويعتقد العلماء أن تباطؤ الحركة والانحراف في زاوية الدوران هما نتيجة لآلية تعويضية مبكرة في الدماغ، حيث يسعى المريض من دون وعي إلى اختيار مسار أوسع وأكثر أماناً لتفادي السقوط، بسبب ضعف الاستقرار في الوقفة أو المشي.
من هم الأكثر عرضة؟
كشفت الدراسة أيضاً أن الرجال أكثر عرضة بأربع مرات من النساء لتطوير المرض، وأن خطر الإصابة يزيد بنسبة 15% مع كل سنة إضافية من العمر بعد الخمسين. وتشير هذه النتائج إلى أن العوامل البيولوجية والهرمونية قد تلعب دورًا في حماية النساء، على الأقل في المراحل المبكرة من المرض.
وبحلول نهاية فترة المتابعة، تم تشخيص 23 مشاركًا بمرض باركنسون، أي بعد نحو خمس سنوات من آخر اختبار أجري لهم، مما أتاح للباحثين مقارنة أنماط المشي المبكرة لديهم مع المجموعة السليمة.
المرض الصامت
ويُعد مرض باركنسون أحد أكثر الاضطرابات العصبية شيوعًا في العالم، إذ يؤثر على أكثر من 500 ألف شخص في الولايات المتحدة ونحو 150 ألفًا في بريطانيا، مع ارتفاع مستمر في الحالات عالميًا.
ويحدث المرض بسبب موت الخلايا العصبية المنتجة لمادة الدوبامين، وهي الناقل الكيميائي المسؤول عن التحكم في الحركة. وتبدأ الأعراض عادة ببطء شديد وتشمل الرعشة، وبطء الحركة، وتصلب العضلات، وفقدان التوازن، إلى جانب أعراض غير حركية مثل الاكتئاب، واضطرابات النوم، وفقدان حاسة الشم.
لكن التحدي الأكبر هو أن الأعراض لا تظهر إلا بعد فقدان نحو 60 إلى 70% من الخلايا العصبية المسؤولة عن الحركة، ما يجعل التشخيص في كثير من الأحيان متأخرًا جدًا لبدء العلاج الفعّال.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: باركنسون مجلة ملاحظة الدماغ أسفل الظهر دوران القشرة الدماغية الجهاز الحركي الخلايا العصبية النساء
إقرأ أيضاً:
“الجرف الكوني” ملاحظة متكررة لمرصد جيمس ويب تحير العلماء
#سواليف
في الأسابيع الأولى التي بدأت فيها صور #تلسكوب_جيمس_ويب الفضائي تتدفق إلى المجتمع العلمي عام 2022 لاحظ الفلكيون نمطا غير مألوف يتمثل في نقاط صغيرة شديدة الاحمرار تبدو مضغوطة كأنها #نجوم_منفردة، لكنها لا تتصرف طيفيا كنجوم، ولا تشبه ما اعتدناه من #مجرات_بعيدة.
هذه الأجرام -التي صارت تُعرف لاحقا باسم “النقاط الحمراء الصغيرة”- بدت أكثر عددا مما توقعته النماذج، وبدا لونها الأحمر منطقيا فقط إذا تذكرنا ميزة ويب الحاسمة، وهي قدرته على الرصد في الأطوال الموجية تحت الحمراء التي لم تكن في متناول سابقه مرصد هابل.
مشكلة تصنيف
ومع تراكم البيانات اتضح أن المسألة ليست “غرابة لونية” فحسب، بل مشكلة في التصنيف، فلكي نفهم أي جسم سماوي نحتاج إلى نموذج يربط بين مظهره وطيفه الفيزيائي، النجوم مثلا نعرفها لأننا نفهم الاندماج النووي وبلازما الجاذبية، والمجرات نعرفها لأننا نفهم تراكيبها النجمية وغبارها وتاريخ تشكّلها.
مقالات ذات صلة بياناتك الشخصية تحدد ما قد تدفعه لشراء البيض في أميركا.. ما القصة؟ 2025/12/09أما هذه النقاط الحمراء الصغيرة فلم تكن تلائم أي خانة جاهزة، وظهرت تفسيرات مبكرة تقول إنها #مجرات_فائقة_الكثافة مليئة بعدد هائل من النجوم ويصبغها الغبار بالاحمرار، أو أنها نوى مجرية نشطة محتجبة بالغبار.
النوى المجرية النشطة هي قلب مجرة يلمع بسطوع غير عادي، لأن في مركزه ثقبا أسود فائق الكتلة يبتلع الغاز والغبار بكثافة أكبر من المعتاد، مما يعطيها لمعانا أكبر.
لكن كل تفسير كان يطلب ثمنا نظريا باهظا، فإما أن هناك معدلات تكون نجوم وكثافات لا تُرى إلا في نوى المجرات وبشكل مبالغ فيه، أو أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة كانت أكثر عددا وكتلة مما تسمح به التوقعات المعتادة.
تحليل الضوء
هنا دخلت الأطياف إلى قلب القصة، وهي ببساطة هي “تحليل ضوء” الجرم السماوي، حيث يفككه العلماء إلى أطوال موجية ويرصدون به خطوط امتصاص أو انبعاث وانقطاعات مميزة.
هذه العلامات تكشف تركيب المادة وحرارتها وسرعتها، وتميز إن كان الضوء صادرا من نجوم أو غاز ساخن حول ثقب أسود، أو محجوبا بالغبار، لذلك فالصورة تخبرنا بالشكل، في حين الطيف يخبرنا بالفيزياء.
درس العلماء في برنامج “روبيز” للرصد الفلكي بقيادة آنا دي غراف من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك أطياف نحو 4500 مجرة بعيدة عبر قرابة 60 ساعة رصد في 2024، ووجدوا ضمنها 35 مثالا من “النقاط الحمراء الصغيرة”، بينها جسم شديد التطرف ظهر كحجر زاوية للاختبار.
ذلك الجسم سمي “الجرف”، لأنه أظهر في طيفه قفزة حادة على نحو يذكّر بحافة صخرية.
ومن الناحية التقنية، ما شوهد هو “انقطاع بالمر”، وهو ميزة طيفية معروفة في المجرات، لكنها جاءت هنا أشد مما رُصد في مصادر شبيهة.
يقع الجرف على مسافة نجو 11.9 مليار سنة ضوئية، ويعني ذلك أنه عاش بعد نشأة الكون بنحو مليار إلى ملياري سنة، طيف الجرف لا يتفق مع أي نموذج يعرفه العلماء في فيزياء الكونيات.
سر “الجرف”
عندما تفشل التفسيرات المألوفة يضطر العلم إلى اقتراح هندسة جديدة للمشهد، وهنا طرح الفريق فكرة لافتة، وهي “نجم الثقب الأسود”.
الفكرة ليست نجما بالمعنى التقليدي (أي لا يوجد اندماج نووي في القلب)، بل نظام تقوده نواة مجرية نشطة وثقب أسود في المركز محاط المرة بغلاف كثيف شبه كروي من غاز الهيدروجين.
وفي هذا السيناريو يمكن للغلاف الغازي الكثيف المضطرب أن يصنع “الحافة” الطيفية التي حيرت الجميع، ويجعل الجسم يبدو نقطة مدمجة شديدة الاحمرار أقرب في ملامحها إلى طيف “مصدر واحد ساخن” منه إلى مجرة كاملة.
تبعات مزعجة
لو صحّت هذه الفكرة فإن تبعاتها تصل إلى سؤال أكبر طالما أزعج فلكيي الكون المبكر: كيف نمت الثقوب السوداء الضخمة بهذه السرعة؟ إن وجود مرحلة “مغلفة بالغاز” قد يتيح معدلات ابتلاع أعلى للمادة المحيطة بالثقب الأسود، وربما نموا أسرع، مما قد يساعد على تفسير رصد ثقوب سوداء فائقة الكتلة في أزمنة مبكرة.
“نجم الثقب الأسود” لم يُثبت بعد، وما زالت الأسئلة ثقيلة: كيف يتشكل الغلاف الغازي أصلا؟ وكيف يستمر رغم أن الثقب الأسود يلتهم مادته ويحتاج إلى تغذية متواصلة؟ وما مصدر بقية التفاصيل الطيفية التي لا تزال عصية؟
تبدو القصة في جوهرها أقرب إلى لحظة إعادة ضبط منهجية، فمرصد جيمس ويب لم يقدم مجرد صور أجمل، بل فتح نافذة طيفية كشفت فئة من الأجرام لا نعرف بعد أي شيء عنها، وصدم العلماء ببيانات تخالف تماما توقعاتهم، فهل نحن على أعتاب فيزياء جديدة؟