أشار تقرير موسّع نشرته وكالة بلومبيرغ إلى أن النمو في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتمد على ثلاثة أعمدة محدودة لكنها شديدة التأثير:

الذكاء الاصطناعي. ارتفاع أسعار الأصول المالية. المستهلكون الأثرياء الذين يواصلون الإنفاق رغم تصاعد التفاوت الاجتماعي.

ويرى خبراء أن هذا النمو، الذي يُظهر صمودا ظاهريا، يخفي هشاشة عميقة قد تهدد استقراره في حال تراجع أحد هذه الأعمدة.

وتؤكد بلومبيرغ أن ما يبدو "قوة الاقتصاد الترامبي" هو في الحقيقة تركيبة غير متوازنة تغذيها المضاربات التقنية والثروة المركّزة لدى القلة.

ثلاثة أعمدة هشة تدعم النمو

ويوضح التقرير أن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك كان قد توقع في مارس/آذار الماضي أن "قوة اقتصاد دونالد ترامب ستُلمس بوضوح في الربع الرابع من 2025″، لكن الواقع جاء متباينا.

فبحسب مؤشر بنك الاحتياطي الفدرالي في أتلانتا، يبلغ معدل النمو السنوي للناتج المحلي نحو 4%، في حين تقدّر بلومبيرغ إيكونوميكس النسبة عند 1.4% فقط، مما يشير إلى تباينٍ كبير في قراءات الأداء الاقتصادي.

ويرى غريغوري داكو، وهو كبير الاقتصاديين في شركة "إي واي بارثينون"، أن "الاقتصاد ما زال يبدو متماسكا على السطح لكنه أصبح يعتمد بشكل متزايد على ثلاث ركائز مترابطة: الأثرياء، والاستثمار المدفوع بالذكاء الاصطناعي، وارتفاع أسعار الأصول".

استثمارات الذكاء الاصطناعي أصبح المحرك الرئيسي لأسواق المال في عهد ترامب (رويترز)الذكاء الاصطناعي يغذي الثروة ويرفع الفجوة

وبحسب بلومبيرغ، أضاف مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" نحو 8 تريليونات دولار من القيمة السوقية هذا العام، مدفوعا إلى حد كبير بحمى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وقادت "السبع العظمى" من عمالقة التكنولوجيا هذا الصعود، في حين أصبحت "إنفيديا" أول شركة في العالم تتجاوز قيمتها السوقية 5 تريليونات دولار.

هذه القفزة الهائلة رفعت إنفاق المستهلكين، الذي يمثل نحو ثلثي الطلب في الاقتصاد الأميركي، لكنها عززت تركّز الثروة.

إعلان

فقد أظهرت بيانات شركة "موديز أناليتيكس" أن الأسر التي تقع ضمن أعلى 10% من شريحة الدخل مسؤولة عن 49.2% من إجمالي الإنفاق في الربع الثاني من العام، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1989.

خطر انهيار الأعمدة الثلاثة

ويحذّر داكو من أن "أي ضعف في واحدة من هذه الركائز قد يجعل الهيكل الاقتصادي بأكمله أقل استقرارا بكثير"، ويضيف التقرير أن أحد الأعمدة الغائبة تماما هو قطاع التصنيع، الذي وعد ترامب بإحيائه عبر سياسات الرسوم الجمركية، لكنه بقي في حالة انكماش لثمانية شهور متتالية، وفقد نحو 42 ألف وظيفة منذ أبريل/نيسان الماضي، وهي أطول موجة خسائر منذ جائحة كورونا.

من جهته، قال بيير يارد القائم بأعمال رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض إن "انتقالاً تدريجيا" يحدث بين اقتصاد بايدن واقتصاد ترامب، وإن "سياسات الرئيس بدأت تؤتي ثمارها".

لكن بلومبيرغ نقلت أن مؤشرات الثقة الاستهلاكية انخفضت هذا الشهر إلى مستوى قريب من الأدنى تاريخيا.

مؤشرات الثقة الاستهلاكية تهبط إلى مستويات قريبة من الأدنى تاريخيا (رويترز)استثمارات الذكاء الاصطناعي تمتص رؤوس الأموال العالمية

وتُظهر بيانات بنك "باركليز" التي أوردها تقرير بلومبيرغ أن الإنفاق الأميركي على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية تضاعف أكثر من مرتين خلال عام واحد، من 200 مليار دولار إلى نحو 500 مليار دولار في 2025، مما يخلق -بحسب البنك- "تدفّقا ضخما لرؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة".

وأضاف محللو باركليز أن هذا الإنفاق "يعزز تفوّق الدولار الأميركي" من خلال امتصاص السيولة العالمية عبر إصدارات الشركات الضخمة في أسواق الدين.

وأشاروا إلى أن هذه الموجة الاستثمارية "قد تدفع الاحتياطي الفدرالي إلى تبنّي دورة تيسير نقدي أقل عمقا مما كان متوقعا"، مع حفاظ الاقتصاد على زخم مدفوع بالأموال الذكية والذكاء الاصطناعي في آنٍ واحد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟

نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تحليلاً اقتصادياً يحذر من أن طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تحمل أعباءً أكثر مما يعترف به المستثمرون، مشيرة إلى أن الاقتصاد الأمريكي ودورة الأرباح وسردية السوق تستند جميعها إلى ركيزة ضيقة واحدة. 

وأوضح التحليل أن المؤشرات الرئيسية لصحة الاقتصاد لم تعد متوافقة، حيث يتركز النمو والأرباح في قطاع تكنولوجي محدود، مما يجعل القوة الظاهرية للاقتصاد هشة وتعتمد بشكل كبير على ثقة المستثمرين في عوائد الذكاء الاصطناعي.

تحذيرات من وصول أسعار النفط إلى 160 دولاراً مع تضاؤل الاحتياطيhttps://t.co/5rtzJNeAg7 pic.twitter.com/ObNpJsEaKz

— 24.ae (@20fourMedia) May 31, 2026

وبحسب "فايننشال تايمز"، يكمن اللغز في الاقتصاد الأمريكي في أن الإنفاق الاستهلاكي لا يزال متماسكاً، وأرباح الشركات تقترب من مستويات قياسية، بينما تراجعت وتيرة نمو الدخل الحقيقي المتاح، وبدا خلق فرص العمل ضعيفاً بشكل غير معتاد بالنسبة لاقتصاد يُفترض أنه لا يزال يتوسع بقوة. 

وأوضحت الصحيفة أن التفسير الأوضح لهذا التناقض هو "التركز"، حيث انحصرت مكاسب الأرباح وهوامشها والإنفاق الرأسمالي والقيمة السوقية في نظام بيئي ضيق للذكاء الاصطناعي، يضم صانعي الرقائق ومشغلي مراكز البيانات ومجموعات البنية التحتية المحيطة بهم، بينما تبدو الصورة أقل إقناعاً خارج هذه الدائرة.

أرباح استثنائية لأقلية تكنولوجية

وأشارت الصحيفة إلى أن أجزاءً كبيرة من الشركات الأمريكية لم تحقق سوى نمو متواضع في الأرباح أو واجهت ضغوطاً على الهوامش، إلا أن أداء السوق تهيمن عليه "أقلية استثنائية" بدلاً من الأغلبية المتوسطة، مما جعل الاقتصاد يبدو أقوى، وسوق الأسهم أوسع نطاقاً مما هما عليه في الواقع. 

ولفتت إلى أن حصة أرباح الشركات الأمريكية ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 13.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تركزت قيادة السوق بشكل غير معتاد، حيث تستحوذ حفنة من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الآن على نحو 40% من القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500"، وفقاً لبيانات "بنك أوف أمريكا".

وحذرت "فايننشال تايمز" من أن المستثمرين قد يدفعون مضاعفات أسعار مرتفعة لأرباح لا تمثل القطاع الأوسع للشركات، مؤكدة أن مخاطر التقييم لا تكمن فقط في أسهم التكنولوجيا باهظة الثمن، بل في احتمالية أن تكون خلفية الأرباح للسوق بأكمله أقل قوة مما تشير إليه البيانات الإجمالية.

سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي

وفيما يتعلق بسوق العمل، أوضحت الصحيفة أن الشركات التي تحقق أكبر الأرباح حالياً هي الأقل كثافة في استخدام العمالة، وسجل نمو الوظائف في شهر أبريل (نيسان) نسبة 0.43% فقط مقارنة بالعام السابق، وهو أقل بكثير من الوتيرة السنوية المعتادة التي تتراوح بين 1% و1.5%. 

وأضافت أن مجموعات التكنولوجيا الكبرى حققت إيرادات ضخمة مع نمو محدود في عدد الموظفين، مما يضعف نمو الدخل الإجمالي ويجعل التوسع الاقتصادي أكثر هشاشة.

ويفسر هذا، وفقاً للتحليل، سبب ظهور الاستهلاك بشكل أقوى مما توحي به بيانات الدخل، حيث تأتي قوة الإنفاق بشكل متزايد من الأسر ذات الدخل المرتفع التي ترتبط ثرواتها بالأسهم أكثر من الأجور، وبحسب الصحيفة، أصبحت سوق الأسهم جزءاً من نموذج النمو، حيث إن ارتفاع أرباح الذكاء الاصطناعي يرفع أسعار الأسهم، مما يدعم القوة الشرائية للأثرياء، بينما تظل الأسر ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة لضغوط الدخل الحقيقي وضعف سوق العمل.

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع الأسهم إلى مستويات تاريخيةhttps://t.co/TlEP7rO4Tm pic.twitter.com/ycTSR9KaJO

— 24.ae (@20fourMedia) June 1, 2026 ركيزة هشة ومخاطر مستقبلية

وترى "فايننشال تايمز" أن هذا النطاق الضيق لا يعني بالضرورة إنهاء التوسع الاقتصادي حالياً، طالما أن المستثمرين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيحقق عوائد طويلة الأجل، لكنها حذرت من أن الهيكل ذاته الذي جعل الولايات المتحدة تبدو مرنة، يجعلها أيضاً تعتمد بشكل غير معتاد على "الثقة"، فكلما تدفقت المزيد من رؤوس الأموال نحو هذا القطاع، بدت الأرقام الإجمالية أكثر إقناعاً.

وتختتم الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي يكمن في استناد الاقتصاد ودورة الأرباح وسردية السوق إلى نفس الركيزة الضيقة، محذرة من أنه إذا تم التشكيك في العوائد المتوقعة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولفتت إلى أن التداعيات لن تتوقف عند بعض أسهم التكنولوجيا، بل قد تمتد لتشمل ضعف الاستهلاك، وإعادة تقييم أوسع للقوة الاستثنائية الأمريكية، مشددة على أن أسس هذه القوة أضيق بكثير مما يود العديد من المستثمرين الاعتراف به.

مقالات مشابهة

  • ولاية أمريكية تقاضي شركة للذكاء الاصطناعي بسبب مخاطر على المستخدمين
  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • ترامب يوقع أمرا تنفيذيا يتيح للحكومة الاطلاع على نماذج الذكاء الاصطناعي
  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • ترامب يوقع أمرا تنفيذيا بشأن تقوية أسس الذكاء الاصطناعي في البلاد
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا