ملتقى الجامع الأزهر: الشورى مسار حضاري وهو سر تفرد الأمة الإسلامية وقوتها بين الأمم
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
عقد الجامع الأزهر امس الثلاثاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: ثقافة الشورى رؤية إسلامية"، وذلك بحضور كل من؛ فضيلة الدكتور محمود الهواري، الأمين العام المساعد بمجمع البحوث الإسلامبة، وفضيلة أ.د/ محمود الصاوي، الوكيل السابق لكليتي الدعوة والإعلام بجامعة الأزهر، ويدير الحوار الأستاذ إسماعيل دويدار، رئيس إذاعة القرآن الكريم.
في بداية الملتقى، أكد فضيلة الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، أن ثقافة الشورى مبدأً إسلامي، تؤكد أهميته وضرورته مصادر التشريع الإسلامي (القرآن والسنة)، وهو أساس للوحدة والاتفاق، إذ إن الشورى تتعارض مع الفرقة والاختلاف؛ وهذه الشورى واحدة من ضمانات الخيرية التي وصفت بها الأمة الإسلامية في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، كما أن هناك سورة في القرآن تحمل اسم هذا المبدأ العظيم هي "سورة الشورى"، وهذا تأكيد على قيمة هذا المبدأ، والحق سبحانه وتعالى يوجه نبيه ومصطفاه إلى تطبيق مبدأ الشورى، ليكون قدوة وأسوة للأمة الإسلامية في هذا المبدأ الإنساني العظيم، قال تعالى: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ".
وقال الهواري خلال مشاركته في اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: ثقافة الشورى.. رؤية إسلامية"، إن الشورى مبدأ قرآني عظيم، كما أنها ملمح حضاري تميزت به الأمة الإسلامية، وغياب الشورى ذنب حضاري وسوءة مجتمعية، وإهدار لمكنونات العقول والأفكار، كما أن تطبيق الشورى والأخذ بها في مناحي الحياة يضمن استثمار العقول والمواهب.
وبين فضيلته أن مبدأ الشورى يسترعي النظر في موضعين في القرآن الكريم ، أحدهما في سياق وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوجيه الله له، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يوصف إلا بما هو خير، ولا يوجهه الله إلا للخير كما في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وفي موطن آخر جاءت من أوصاف أهل الإيمان، حيث جاءت في سورة الشورى بين فريضتين أساسيتين، وهما إقامة الصلاة ووجوب النفقة، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وأضاف فضيلته أن هذه السياقات تؤكد ان الشورى في الإسلام ليست من باب الرفاهية، بل هي ضرورة حضارية يعد التخلف عنها ذنبًا حضاريًا، وتشكل مع الحوار ملمحًا من ملامح العظمة في التاريخ الإسلامي،كما أن الشورى في الإسلام ليست شعارات، بل هي تطبيق عملي ومنهج ملزم للمؤسسات والحكومات والمجتمعات، وقد حولها النبي صلى الله عليه وسلم من نظرية إلى ممارسة فعلية لتبقى واقعًا للأمة التي سادت العالم، كما أن أهمية الشورى تتجاوز مجرد نتائجها الفورية، لأنها في حقيقتها مسار حضاري تفردت به أمة الإسلام.
وفي ختام كلمته أوضح الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أن جوهر أحكام الإسلام هو تحقيق الحرية الكاملة للإنسان عما سوى الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق جاء مبدأ الشورى ليؤسس لاحترام الذات الإنسانية وضمان تمام حريتها، وإظهار مواهب الله الموزعة على خلقه، لأن النظرة الإسلامية للإنسان تؤمن بأن الله تعالى وزع المواهب بين خلقه ليتحقق التكامل بين الناس، حيث يحتاج كل إنسان إلى الآخر ليكتمل البناء الاجتماعي، ويكون متماسكًا، وقد كان هذا المنهج الإنساني هو سر تفرد الأمة الإسلامية وقوتها بين الأمم، وهو مسار لا بد من تطبيقه، مصداقاً لما قاله الشاعر: "رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها".
من جانبه قال فضيلة الدكتور محمود الصاوي إن النصح يمثل أهمية كبرى في الإسلام، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، كما أكد فضيلته على أن الشورى تحقق مصالح جليلة كتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على إبداء الرأي، وتحسين جودة القرارات، في حين يؤدي غيابها إلى الاستبداد والعزلة والتمرد، مشددًا على ضرورة أن يطبق الآباء والأمهات مبدأ الشورى مع أبنائهم لتدريبهم علي هذا الخلق الجليل، فالأسرة هي النواة التي تغرس هذا المبدأ ليجني المجتمع ثماره العظيمة، كما أن غياب الحوار والتشاور بين الزوجين في القرارات الأسرية هو سبب لكثير من الخلافات، إذ يمثل الحوار والشورى الغصن العظيم الذي يدعم استقرار الأسرة.
وأشار فضيلته إلى أن من المصالح المجتمعية العظيمة التي تتحقق نتيجة تطبيق مبدأ الشورى والحوار؛ هي تحقيق العدالة وتعزيز الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع، نتيجة البحث عن أفضل الحلول والآراء، محذرًا من أن غيابها يؤدي إلى انتكاس المجتمع، ولو نظرنا في التاريخ الإسلامي نجد أن نهضة الأمة الإسلامية قائمة على هذا المبدأ العظيم، وذلك عندما تحول مبدأ الشورى إلى ثقافة عاملة وواقع مجتمعي معايش يطبق في كل شأن من شؤون الأمة، سواء كان ذلك في الأمور البسيطة كالبيع والشراء، أو الشأن العام في الحروب والغزوات، والمعاهدات، لأن الشورى كمبدأ ينطوي على قاعدة ذهبية قادرة على إصلاح المجتمعات؛ وهي إعلاء المصلحة العامة وإنكار للذاتية.
وفي ختم كلمته بين فضيلة الدكتور محمود الصاوي، أن القضية الأساسية تكمن في تحويل قيمة الشورى إلى ثقافة عاملة في المجتمع، ولا بد من فهم أن للشورى مثلثًا يتكون من ثلاثة أركان هي: المستشير، والمستشار، والموضوع، ولكل ركن ضوابطه؛ فالمستشير يلزمه التواضع الفكري عند طلب الشورى، وحسن الإنصات والاستفادة من الآراء المطروحة، بينما يجب على المستشار أن يكون صادقًا وأمينًا في رأيه، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المستشار مؤتمن"، من أجل أن يحقق مبدأ الشورى الغرض المنشود منه.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الجامع الأزهر جامعة الأزهر القرآن والسنة فضیلة الدکتور محمود صلى الله علیه وسلم الأمة الإسلامیة مبدأ الشورى هذا المبدأ کما أن
إقرأ أيضاً:
الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الاثنين، الملتقى الفقهي، لمناقشة موضوع: «الضمانة والكفالة"رؤية فقهية"»، وذلك بمشاركة الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأدار اللقاء الإعلامي سمير شهاب، بالتلفزيون المصري، وذلك تحت رعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
قال الدكتور عبد الله النجار إن الله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد واستقامة أحوالهم في الدنيا والآخرة، لأن صلاح الدنيا طريق إلى صلاح الآخرة، وأن المسلم مطالب بأن يستقيم على طاعة الله تعالى في جميع شؤون حياته، ومن الخطأ الاعتقاد بأن امتلاك المال أو السعي إليه يتعارض مع مقصود الشرع أو مع التطلع إلى نعيم الآخرة، فالإسلام لا يذم المال في ذاته، وإنما يوجه الإنسان إلى حسن اكتسابه وإنفاقه فيما يرضي الله تعالى، كما أن العبد لا ينال رضوان الله إلا إذا التزم بما أراده الشرع وأدى الحقوق التي افترضها الله عليه، موضحا أن الفقهاء عند حديثهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية ذكروا الكليات الخمس التي تقوم عليها حياة الناس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العرض، وحفظ المال، وهذه المقاصد تتكامل فيما بينها، ولا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتحقيقها جميعا على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى، إذ يؤدي كل مقصد منها دورا أساسيا في بناء الإنسان وصيانة المجتمع وتحقيق العمران.
وأضاف الدكتور النجار أن الدين بعد انقطاع الوحي لا ينقل إلى الأجيال بالكلام المجرد فحسب، وإنما ينتقل من خلال السلوك العملي والتعاملات التي تجسد أخلاق الإسلام وأحكامه، فحين يلتزم المسلم بما أمرت به الشريعة يصبح نموذجا يقتدى به، وبذلك يستمر أثر الدين في الناس جيلاًبعد جيل، لذلك فإن حفظ المال يعد من المقاصد الشرعية المهمة؛ لأنه وسيلة إلى عزة النفس وصيانة الكرامة وتحقيق الكفاية، فالإسلام يريد أمة منتجة قوية، "اليد العليا خير من اليد السفلى"، قادرة على العمل والعطاء وتحقيق الاكتفاء والنهوض الحضاري.
نظام الكفالة والضمانوأكد الدكتور عبد الله النجار أن من الوسائل التي شرعتها الشريعة لتحقيق حفظ المال وصيانة الحقوق نظام الكفالة والضمان، لما لهما من دور كبير في توثيق المعاملات وبث الطمأنينة بين المتعاملين وتحقيق المصالح العامة، قال تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام: "قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ" وهذه الآية تعد من أبرز الأدلة على مشروعية الضمان والكفالة، والفقهاء اشترطوا في الضامن أو الكفيل القدرة على الوفاء بما التزم به.
ومن جانبه، قال فضيلة الدكتور علي مهدي إن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بحفظ الأموال وصيانة الحقوق، وجعلت لذلك وسائل متعددة من أبرزها عقد الضمان، الذي يعد من العقود المهمة في الفقه الإسلامي، لأن الأصل في الدين حسن المعاملة، وأن مظاهر التدين الحقيقية تتجلى في التزام الإنسان بحقوق الآخرين وأدائه لما عليه من واجبات، والفقهاء قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام رئيسة: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وعقود التبرعات كالهبة والوقف، وعقود التوثيقات كالضمان والرهن والكفالة.
وأضاف الدكتور علي مهدي أن الغاية من عقود التوثيق هي حفظ الحقوق ومنع النزاع بين الناس، ولذلك جاءت الكفالة والضمان باعتبارهما من أهم الوسائل التي تحقق الاستقرار في المعاملات المالية، مبينا أن الضمان يكثر استعماله في الأموال والالتزامات المالية، بينما تكون الكفالة غالبا في الأنفس وإحضار الأشخاص، أما الحمالة فترد في بعض صور الديات، لذلك فإن الضمان ليس مجرد وعد أو كلمة تقال، بل يترتب عليه التزام شرعي وقانوني معتبر، وقد وردت في السنة النبوية الشريفة شواهد عديدة تؤكد مشروعيته وأهميته في حفظ الحقوق ومنع ضياع الأموال.
وأشار الدكتور علي مهدي إلى أن الضمان ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة؛ أولها ضمان العقد، وهو الذي ينشأ بإرادة المتعاقدين ورضاهما، كما في عقود البيع ونحوها، ومن صوره المعاصرة ما تقدمه بعض الشركات من ضمان لمنتجاتها لمدة محددة، وثانيها ضمان اليد، ويكون فيما يوضع تحت يد الإنسان على سبيل الأمانة أو الحفظ أو الانتفاع وفق الضوابط الشرعية، أما النوع الثالث فهو ضمان الإتلاف، ويقصد به التزام من أتلف مالا للغير أو تسبب في إتلافه بضمان ما أتلفه وتعويض صاحبه عنه، تحقيقا للعدل وصيانة للحقوق التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها.