شر البلاد من لا صديق بها.. علاقة الإنسان بالإنسان في مرآة الزمن وثنايا الشعر
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
لو سألك أحدهم اليوم: كم صديقاً حقيقياً تدخر لعاتيات الزمان ونوائبه، بماذا تجيب؟
هل تعد نفسك من الأصدقاء الأوفياء؟ ما معنى الصداقة عندك؟ وهل لها أهمية في حياتك، أم تعدها إضافة إلى الحياة، إن وُجدت فيا مرحباً بها، وإن لا فلا ضير في ذلك ولا مشكلة؟
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الشاهنامة.. ملحمة الفردوسي التي ما زالت تلهم الأفغانlist 2 of 2نردين أبو نبعة: الكتابة المقاومة جبهة للوعي في مواجهة السرديات المفبركةend of listوفي عالمٍ تتسارع فيه وتيرة العلاقات وتتبدّل فيه المواقف، تظلّ الصداقة من أمتن الروابط التي يمكن للمرء أن يتعلق بها حين تهب رياح الزمن وعواتيه، ومن أسمى العلاقات والقيم التي تظهر إنسانية المرء، وتختبر صدقه ووفاءه من كذبه وخداعه، فصدق الموقف وطهر النفس واستقامة النوايا تتبلور في روح الصداقة الحق، وتُقاس بمعيار مشاركة الأيام بحلوها ومرها، وصعبها قبل سهلها، ومشاركة واقتسام أحزانها قبل أفراحها.
والصداقة جسرنا نحو الآخر الذي يعنينا بقاؤه في أيامنا واستمراره في حياتنا، وهي بوابة العبور نحو معنى الوفاء، حيث تستريح النفس بعيداً عن الخوف من الغش والغدر والخداع والخيانة.
كلمة الصداقة في اللغة مشتقّة من الصدق في المودة والنصيحة، وقد قيل في المثل "صديقك مَن صَدَقَك، لا من صَدَّقك".
والصداقة من أحلى العلاقات الإنسانية وأسماها وأرقاها وأصعبها في الوقت نفسه، وكثيراً ما نرى أنها تتعدّى رابطة الدم لدى كثير من الناس، إذ يصبح الصديق ذلك الأخ الذي لم تلده أمك، وتغدو الصديقة واحة غناء تلتقي فيها روح الأخوة وعبثها، وجمالها وطيشها، وقربها وظرافتها.
وقد رافقت الصداقة الإنسان منذ فجر التاريخ، وعُرفت بوصفها قيمة اجتماعية وأخلاقية نبيلة، وقد تغنى بها الشعراء والأدباء على مر العصور، وعدّوها أهم الروابط الإنسانية بعد روابط الدم والعائلة، وكثيراً ما جعلوها تاجًا على رأس العلاقات البشرية، تعكس قدرة الإنسان على الحب بلا رابط أو واجب أسري أو قبلي، وبلا شرط أو منفعة. ولنا في صداقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق خير مثال على جمال الصداقة ومتانتها وأهميتها في حياة الإنسان، فالصديق الصِّدِّيق حينها كان السند والرفيق، وكان الكتف ومؤنس الطريق، وكان الأخ حين تخاذل الأقربون، والمُثبِّتَ حين تباعد وتواطأ الآخرون. وقد كرّمه الله تعالى بأن ظل ذكره حياً في آي الذِّكر الحكيم ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ﴾ سورة التوبة/ 40.
إعلانإن عمق المشاعر في الصداقة وصدقها يجعل من الصديق ظلًّا للنفس، تسعى في شأنه كسعيك لنفسك، بل تؤثره على نفسك إذا لزم الأمر، لأنه رفيق الدرب وأنيس الروح، ولأنه كتفك حين تتهاوى بك الأيام. ومما جاء في الأثر منسوباً لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في الصديق:
إِنَّ اَخاكَ الحَقّ مَن كان معك
ومَن يَضرُّ نفسه لِيَنفعك
ومَن إذا ريب الزمان صدعك
شَتَّت فيك شمله لِيجمعك
وإن غدوت ظالماً غدا معك
وما الذي يجعل الصداقة من أسمى وأصعب العلاقات في الوقت نفسه؟
تبدو علاقة الصداقة أصعب من الأخوة في كثير من الأحيان، لأنك تتجرد فيها من دافع الواجب وضغط العائلة وقيود المجتمع وحدوده، فما تفعله مع صديق لا رقيب عليه سوى وجدانك، وما يربطك به ليس سوى شعور أوجدتماه معاً، كأنه بناء أسستماه سويّةً على الثقة والمودة والتفاهم والانسجام المتبادل، وكأنه نبات غرستماه في القلب معاً ورعيتماه بحنايا النفس حتى كبر وتعرش على صفحات القلب وصار درعاً حصيناً يحمي الروح والقلب من مغاور الأيام.
قال رسول الله ﷺ "المَرْءُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ". ويقول الناس في المَثَل: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.
إن الصداقة في الإسلام ليست محض رابطة تقوم على المودة، بل هي مسؤولية وتأثير متبادل ذو بُعدين، ولا يكفي التوافق الدنيوي لقيامها، بل لا بد أن تُؤسس على تقوى الأصحاب وما يُبدونه من صدق وإحسان ووفاء.
وقد وصف القرآن الكريم علاقة المؤمنين ببعضهم في قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وأكّد أهمية الصحبة الصادقة في قوله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
كما أعطى كتاب الله العزيز الصداقةَ مكانة مميزة حين ذكر كلمة الصديق باللفظ الصريح في سورة النور حين قال ﴿ليْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقد حض الإسلام على اتخاذ الصحبة الصالحة في الحياة، فإذا شذّت النفس عن الطريق المستقيم قوّموها، وإن تباعدت بها الأهواء أعادوها، وإن احتاجت للنصح والإرشاد تلقّوها بالحب والمعونة والوعظ والنصيحة. ففي الإسلام يجتمع الأصحاب على خيري الدنيا والآخرة، ويتعاونون على البر والإحسان والتقوى، فما أطول الطريق وما أظلمه بدون صديق صدوق وخِلٍّ قريب وصاحب حميم.
ما المقومات التي ينبغي الانتباه إليها عند اختيار الصديق الصالح وفق ما جاء به الإسلام؟
يلفت انتباهي في الأحاديث العامة يأس بعض الناس من وجود الصحبة الصالحة هذه الأيام، والحقيقة أنهم لم يُمحّصوا جيداً في مفهوم الصحبة الصالحة، وبعضهم لم يتمثّلوه في حياتهم، فمَن لا يعدّ نفسه من الصحبة الصالحة كيف يسعى إليها ولم يُعِدّ لها عدّتها؟
إعلانوإن اتفقنا أن بعض الناس يحتاجون فعلاً إلى صحبة صالحة لتشد على أيديهم وتسندهم وتدعمهم في طريق الحق والصواب، ألا ينبغي أن يقفوا مع أنفسهم وينظروا إليها بعين الحق في التدرج على طريق الصلاح؟ ألا ينبغي أن يحاولوا استحقاقها؟ أليس حَرِيّاً بهم أن يبدؤوا بأنفسهم تربية وتهذيباً حتى يهتدوا وتهتدي إليهم الصحبة الصالحة؟
وهل لديك أصحاب تعدهم من الصالحين؟ يبادلونك الود بدون مصلحة مادية، يحفظون سرك، ويسترون عيبك، ويُقوّمون اعوجاجك، ويلتزمون بعهدك، ويتجاوزون عن زلاتك حفاظاً على ودّك وبقائك بالقرب منهم؟
ويظهر أثر الصحبة الصالحة في حياة المسلم ظهوراً جلياً في ثباته على الطاعة، وعلوّ همّته، واتساع أفقه في مقاربة الأمور ومرونته في محاكمتها ما لم تمسّ مبدأ من مبادئه.
وألا ترى أن كثيراً من الناس يعتمد دوماً على عنصر التشجيع والتشويق في حياته، ولا أحد مطلقاً يوازي دور الصديق في هذه النقطة، فتشويق الأبوين مثلاً يبدو أثقل على النفس وأقل جاذبية. أما تشجيع الأصحاب لبعضهم ففيه شعور بالندية والمساواة، ولا يشوبه شعور بالوعظ الفوقي الذي يمارسه كثير من المعلمين الذين لا يتقنون فن الخطاب، ولا يطبقون مبدأ "لكل مقام مقال" على الرغم من كونه مبدأ أساسياً من مبادئ البلاغة العربية.
وأضف إلى ذلك أن تشجيع الأصحاب لا غاية منه سوى الحرص على مصلحة الطرف الآخر، وهذا شعور عظيم تعلو فيه النفس مرفرفة في سماء من سعادة وحبور.
والصديق الصالح يتخذ من صاحبه رفيق درب يقربه من الله تعالى، ويأخذ بيده إلى الطاعات المؤدية إلى الجنان، استناداً إلى قوله صلى الله عليه وسلم "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه" .
والصديق الحق هو من يحفظ غيبة صاحبه فلا يخون ولا يطعن، يذكّره بالخيرات ويحضه عليها إذا ما نسي، ويعينه عليها إذا ما عزم، والصديق الحق هو من يعذر صاحبه إذا بدا منه ما لا يرضيه، ويتحرى الأسباب ويُذَلِّلها كُرمى لصحبة صالحة عزّ مثيلها في الزمان.
يقول الشاعر محمود سامي البارودي:
ليس الصَّديقُ الذِي تَعلُو مَنَاسِبُه
بل الصَّديقُ الذي تَزكو شَمائِلُه
إِنْ رابك الدَّهرُ لم تَفشَل عَزائِمُه
أو نابك الهَمُّ لم تَفتُر وَسَائلُه
كيف تجلى مفهوم الصداقة بالأدب والشعر؟شغل مفهوم الصداقة في الأدب العربي القديم والحديث مساحة واسعة من اهتمام الشعراء والأدباء على مر العصور، وربطوا مفهوم الصداقة بقيم الصدق والشفافية في التعامل، والوفاء والإخلاص، والكرم النفسي. ومن جميل ما قاله الإمام الشافعي عن أهمية الصديق والصداقة في حياتنا:
سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ منصفُ
وتظل الصداقة مرآة للإنسان، تُظهر ما في قلبه من صفاء أو زيف. ومن حَظِيَ بصديقٍ صادقٍ، فقد امتلك كنزًا ثميناً لا يُباع ولا يُشترى. يقول أبو الطيب المتنبي معبراً عن أهمية وجود الصديق في الحياة:
شر البلاد بلاد لا صديق بها
وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
الصداقة ما بين الغدر والوفاءيقول الشاعر العباسي ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد
فلا تستكثرنَّ من الصِّحابِ
وكثيراً ما نسمع، في جلساتنا العامة والخاصة، الأحاديث عن غدر الأصدقاء وخياناتهم، وأولئك الذين يتقرّبون من الناس من أجل مصالحهم الشخصية فحسب، فيدّعون الصداقة وما هم بأهل لها، لكن أصحاب القلوب النقية ينخدعون بمثل هؤلاء بسبب استقامتهم وصدق نياتهم وابتعادهم عن النفاق والرياء.
غير أن جرح الخيانة لا يندمل بسهولة، وقد يبقى ندبة في الروح أبد الدهر. ولو علم أولئك الذين لا يقدرون على حمل معنى الصداقة ما يفعلونه بتلك القلوب -التي أمّنت وسلّمت لهم، وما يتركونه فيها من آثار عميقة سيُسألون عنها يوم الحساب- لما تجرّؤوا على الاستهانة بقلوب الناس وكسرها.
إعلانوأتساءل أحياناً: هل خُلق الأشرارُ أشراراً أم أنهم اكتسبوا هذا الشر اكتساباً وتطبّعوا به حتى صار جزءاً أصيلاً منهم؟ وكيف يمكن أن تتحول علاقة عظيمة كالصداقة إلى أداة للضرر النفسي والمادي؟
وألا يمكن لجمال الصداقة وعمق أثرها في النفس أن يمسح على القلب فيصفو من كلٍّ حقدٍ أو غِلٍّ لا مُسوغ له سوى تقلبات الهوى وأوهام النفس وحظوتها عند صاحبها؟ ألا يمكن لجمال الشعور في روضة الصداقة أن يهطل غيثاً على بيداء النفوس القاحلة فيخلصها من أدرانها وما فيها من خبث الشعور كالغيرة والحسد والتنافس الذي لا معنى ولا طائل منه؟
وعلى الرغم من جمال الصداقة ودفئها بوصفها علاقة إنسانية فريدة إذا ما كانت عميقة الحضور في النفس لا سطحية، فإن لها وجهاً آخر يتقلب ما بين الغدر والوفاء، وما بين خيانة العهد والنقاء.
وبذا يصير للصداقة وجه سلبي يُلون الحياة بألوان قاتمة من الغم والهمّ، ويزعزع ثقة المرء بالناس من حوله، فأول عماد من أعمدة الصداقة هو الثقة، فإذا اهتز وتزلزل تضعضعت أركان علاقات المرء، وتوسط الشك قلبه، وسادت الشبهات في مراتع نفسه.
وحين يُستغل نقاء أحد الأطراف في علاقة الصداقة تغدو الحياة كئيبة دميمة الوجه. فهل جربتم هذا الشعور من قبل؟
ويحضرني هنا قول الإمام الشافعي وهو يعبر بمرارة عن خيبة أمله بالإخوان من حوله، مشيراً إلى خذلان الأصدقاء بعد المحن، إذ قال:
ما أكثر الإخوان حين تعدّهم
لكنّهم في النائبات قليلُ
ومثله قول حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ:
أَخِلاَّءُ الرِّجال هم كثير
ولكن في البَلاء هم قليل
والأمر نفسه ينطبق علينا هذه الأيام، فطبيعة الإنسان واحدة، فهل يمكن لنا اليوم أن نقيس اتساع صداقاتنا بعدد الأسماء في قائمة الهاتف لدينا مثلاً؟ بالطبع لا، ففي معنى الصديق نعوّل على مدى الحضور في الشدائد، وعلى القدرة والرغبة في مشاركة الأحزان والأفراح مشاركة وجدانية حقيقية لا يشوبها غِلٌّ أو حسد.
زِيفُ الأصحاب والوجه المظلم للصداقةلم يخلُ الشعر العربي من الحديث عن زيف الأصدقاء وغدرهم وخيانتهم. فقد عبّر الشعراء بمرارة عن غدر الصديق وفقدان الثقة وخيبة الأمل فيه، وتحدثوا عن الجانب السلبي للصداقة، وصداقة المصلحة والمجاملة.
والأبشع من ذلك ما عبر عنه الكاتب البريطاني الشهير وليام شكسبير حين قال "البعض لا يقترب منكَ لمواساتك، بل ليطمئن أنك تتألم" فالأمر أحياناً يتعدّى فكرة الحضور السلبي للصديق ليصل إلى الحضور المؤذي، وإن لم يستطع فيكفيه ويشفي قلبه أن يرى صاحبه متألماً
ويعبر الإمام الشافعي عن الحضور الزائف للأصحاب، وصداقة المنفعة، فيقول:
لا خير فـي ود امرئٍ مُتلـوّنٍ
إذا الريحُ مالت مالَ حيث تميلُ
ويقول شاعر آخر واصفاً أصالة صاحبه وثباته على العهد:
وليس خليلي بالملول ولا الذي
إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يديم وصاله
ويكتم سري عند كل دخيل
نسأل الله تعالى أن يُحيطَنا بالأصحاب الصالحين على طول الطريق، وأن يجعلنا وإياكم منهم أو ممن يحاولون على أقل تقدير، فوجه الحياة يبدو باسماً حين تستريح النفس في واحة الصداقة وتشعر بقربها وانتمائها وقدرتها على أن تكون وتُقبل كما هي، بجمالها وبشريتها، بصوابها وزلاتها، بكل محاولاتها سواء أنجحت أو تعثرت.
وختاما: يقول جبران خليل جبران "إن صديقك هو كفاية حاجتك، وهو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر، هو موقدك ومائدتك، لأنك تأتي إليها جائعًا، وتسعى وراءها مستدفئًا".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الصداقة فی الصداقة ف من الص
إقرأ أيضاً:
صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
أحمد داود: جذبنى للعمل تأثير الذكريات على مسار حياة الإنسان سلمى أبوضيف: «سيرا» من أكثر الشخصيات تعقيدًا وإثارة فى مشوارى المخرج محمد صادق: نقل روح الرواية إلى الشاشة كان التحدى الأكبرجيسيكا حسام الدين: أجواء التصوير الإيجابية انعكست على الأداء أمام الكاميرا
يغرد فيلم «إذما» خارج السرب فى منافسة موسم عيد الأضحى السينمائى بابتعاده عن الأكشن والكوميديا واعتماده بشكل أساسى على موضوع تراجيدى، حيث يتناول رحلة إنسانية تغوص فى أعماق النفس البشرية، ويراهن على دراما نفسية مختلفة تبتعد عن القوالب التقليدية.
الفيلم مأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب والمخرج محمد صادق، ويقدم حالة مختلفة تعتمد على فكرة «ماذا لو؟»، تلك الفكرة التى تدفع الإنسان طوال الوقت لمراجعة قراراته وأحلامه واختياراته المصيرية.
أحداث الفيلم تدور حول «عيسى الشواف»، رجل يبلغ من العمر 36 عامًا، تنقلب حياته فجأة بعد تلقيه رسالة غامضة من نفسه قبل 18 عامًا، تقوده إلى لعبة كنز نسيها تمامًا، لتبدأ رحلة مليئة بالأسرار والذكريات والمفاجآت، بمشاركة صديقة طفولته «سيرا»، فى محاولة لاستعادة الأحلام التى ظن أنها ضاعت للأبد.
ويشارك فى بطولة الفيلم كل من أحمد داود وسلمى أبو ضيف وحمزة دياب وجيسيكا حسام الدين، مع ظهور خاص للفنانة بسنت شوقى، والعمل من تأليف وإخراج محمد صادق.
«الوفد» التقت فريق عمل الفيلم للحديث عن تفاصيله وكواليسه ووجه الاختلاف بين الرواية والحكى الدرامى.
تحدث الفنان أحمد داود عن تجربته فى فيلم «إذما»، مؤكدًا أن العمل يقدم رحلة إنسانية ونفسية عميقة تدور حول مواجهة الإنسان لذاته، واستعادة أحلامه القديمة وذكرياته التى ظن أنها أصبحت جزءًا من الماضى، وكشف أن عنوان الفيلم يحمل دلالة خاصة داخل الأحداث، إذ يرتبط بحالة من التساؤل والتأمل يعيشها البطل، مشيرا إلى أن فكرة الفيلم كانت العامل الأهم الذى دفعه للموافقة على المشاركة فيه، موضحًا أن العمل يناقش تأثير الذكريات على الإنسان بمرور الزمن، وكيف يمكن لتفاصيل صغيرة أو رسائل قديمة أن تعيد للمرء اكتشاف نفسه من جديد.
وأوضح داود أن الفيلم لا يعتمد فقط على عناصر الغموض والتشويق، بل يقدم فى جوهره حالة إنسانية مؤثرة لشخص يجد نفسه مضطرًا لإعادة النظر فى حياته بعد سلسلة من التحولات والخسائر، مشيرًا إلى أن الجمهور سيشاهد رحلة حقيقية لشخصية تحاول استعادة ذاتها والتصالح مع أحلامها المؤجلة.
وقال إن العودة إلى ما كتبه الإنسان فى مراحل سابقة من حياته قد تمنحه شعورًا بالفخر لأنه تمكن من تحقيق بعض أحلامه، بينما تدفعه فى أحيان أخرى إلى التساؤل حول ما تغير داخله، والأسباب التى أبعدته عن شغفه الأول. وأضاف أن هذه الرحلة النفسية تمثل أحد أكثر الجوانب التى جذبته إلى الفيلم، لأنها تمنح الإنسان فرصة ليصبح أكثر قربًا من ذاته وأكثر فهمًا لما مر به.
وعن الشخصية التى يجسدها خلال الأحداث، أوضح داود أنه يقدم شخصية «عيسى الشواف»، مؤكدًا أنها ليست شخصية معقدة بقدر ما هى شخصية كثيرة التفكير، تعيش حالة دائمة من القلق تجاه المستقبل، وهو ما يدفعها باستمرار إلى البحث عن وسائل لإنقاذ نفسها على المستوى الإنسانى والنفسى.
وأشار إلى أن الاستعداد للدور استغرق وقتًا طويلًا من العمل والنقاشات مع مؤلف ومخرج الفيلم محمد صادق، بهدف الوصول إلى معالجة مختلفة عن الرواية الأصلية المأخوذ عنها العمل. وأكد أنه كان حريصًا على ألا تكون الشخصية مجرد نسخة مطابقة لما ورد فى الرواية، بل أراد تقديمها بصورة أكثر واقعية وقربًا من الجمهور، بحيث تبدو جميع المواقف والأحداث كأنها نابعة من تجارب إنسانية حقيقية عاشها كثيرون.
وأضاف أن الفيلم يعتمد بصورة أساسية على التفاصيل النفسية والمشاعر المركبة، وهو النوع من الأعمال الذى يفضله كممثل، لأنه يمنحه مساحة أوسع لاستكشاف أعماق الشخصية والابتعاد عن الأداء التقليدى أو المبالغة فى التعبير.
وأكد داود أن دراما النفس الإنسانية تمثل بالنسبة له مصدرًا دائمًا للإلهام والتحدى الفنى، موضحًا أنه ينجذب إلى الشخصيات التى تحمل تناقضات داخلية ومشاعر متعددة، لأنها تتيح له العمل على مناطق جديدة ومتنوعة فى الأداء التمثيلى، وهو ما وجده بوضوح فى فيلم «إذما».
وعلى صعيد فريق العمل، أعرب داود عن سعادته بالتعاون مع الفنانة سلمى أبو ضيف، مشيدًا بموهبتها وحسها التمثيلى الخاص، ومؤكدًا أن حالة التفاهم التى جمعتهما منذ مرحلة التحضيرات انعكست بصورة واضحة على المشاهد التى جمعتهما داخل الفيلم.
كما كشف عن خضوعه وسلمى أبو ضيف لتدريبات خاصة على الرقص استعدادًا لتصوير عدد من المشاهد ضمن أحداث الفيلم، موضحًا أن العمل يتضمن رقصتى «باتشاتا»، الأمر الذى استدعى الحصول على دروس متخصصة حتى تبدو المشاهد مقنعة وتلقائية أمام الجمهور.
وعلى جانب آخر عبرت الفنانة سلمى أبو ضيف عن سعادتها بعرض الفيلم فى عيد الأضحى وبردود الفعل التى تلقتها قائلة: سعيدة جدا بوجود منافسة من أفلام مختلفة فى موسم واحد كلها على مستوى عال، وأضافت عن دورها أن شخصية «سيرا» التى تقدمها تُعد من أكثر الشخصيات التى استهوتها على المستوى الفنى، لما تحمله من أبعاد نفسية متعددة وتطورات درامية متلاحقة.
وأوضحت أبوضيف أن انجذابها إلى الفيلم جاء فى المقام الأول بسبب هذه الشخصية، مشيرة إلى أنها بعيدة عن النماذج التقليدية المعتادة، إذ تعيش العديد من الصراعات الداخلية وتحمل مشاعر متباينة تتكشف تدريجيًا مع تطور الأحداث، وهو ما شكّل بالنسبة لها تحديًا تمثيليًا خاصًا.
وأكدت أن حرصها الأكبر خلال فترة التحضير كان تقديم الشخصية بصورة واقعية وصادقة، بما يسمح للجمهور بالتفاعل معها وفهم دوافعها وتحولاتها النفسية المختلفة، لافتة إلى أن «سيرا» تمر بمراحل عديدة تتطلب أداءً متدرجًا ودقيقًا يعكس التغيرات التى تطرأ عليها طوال الأحداث.
وأعربت سلمى أبوضيف عن إعجابها بالنص الذى كتبه محمد صادق، موضحة أن طريقة تناوله للشخصيات والعلاقات الإنسانية جاءت بأسلوب مغاير ومميز، الأمر الذى منح العمل خصوصيته وجاذبيته، وأضافت أن محمد صادق كان حريصًا طوال فترة التصوير على الحفاظ على روح الرواية الأصلية مع تقديمها فى قالب سينمائى مختلف، لافتة إلى اهتمامه الشديد بأدق التفاصيل داخل المشاهد، وهو ما ساهم فى خلق أجواء خاصة ومميزة للعمل.
وعن تعاونها مع الفنان أحمد داود، أكدت وجود حالة كبيرة من الانسجام والتفاهم بينهما خلال التصوير، وهو ما انعكس بصورة واضحة على العلاقة التى تجمع الشخصيتين داخل أحداث الفيلم، وساهم فى خروج المشاهد المشتركة بينهما بشكل طبيعى ومقنع.
واختتمت حديثها بالإشارة إلى أن أجواء التصوير اتسمت بالهدوء والتعاون بين جميع أبطال الفيلم وفريق العمل، وهو ما وفر بيئة إيجابية ساعدت الجميع على تقديم أفضل ما لديهم أمام الكاميرا.
وصف الفنان الشاب حمزة دياب مشاركته فى الفيلم بأنه تجربة مهمة فى مشواره الفنى، خاصة أنها تحمل مشاعر إنسانية ورسائل قريبة من الشباب.
وقال إن أكثر ما أعجبه للشخصية هى قربها من حياته الشخصية فهى تحمل صفات قريبة جدًا منه، وهو ما جعله يشعر بارتباط خاص بالدور منذ بداية التحضير فهو شخصية مؤمن بنفسه وبإمكاناته وهذا ما أتمنى أن أكون عليه دائما.
وعن تناول أفكار الشباب داخل العمل قال هذا ما جعل الفيلم قريب من الشباب وتمس حياة كل شاب شخصيا، مشيرا إلى أن أكثر ما كان مميزا فى الفيلم حالة التناغم بين فريق العمل.
واتفقت معه الفنانة الشابة جيسيكا حسام الدين التى عبرت عن سعادتها للعمل مع فريق العمل لأول مرة، مشيرة إلى أن الكواليس كانت مليئة بالطاقة الإيجابية والتفاهم بين فريق العمل، وهو ما انعكس على الأداء أمام الكاميرا.
وأكدت «جيسيكا» أنها أحبت شخصية «سيرا الصغيرة» منذ قراءة السيناريو، معتبرة أن الدور يحمل أبعادًا إنسانية ومشاعر متنوعة، وهو ما شجعها على خوض التجربة بحماس كبير، وأوضحت أن الشخصية تمر بعدة تحولات خلال الأحداث، وهو ما منحها مساحة واسعة لتقديم أداء مختلف، خاصة مع طبيعة الفيلم التى تجمع بين الغموض والتشويق والدراما الإنسانية.
وعلق المخرج محمد صادق إن اختياره رواية «إذما» تحديداً لتكون أول أفلامه بصفته مخرجاً، يقول: «منذ البداية وقبل أن أكتبها نصاً أدبياً فكرت فيها فيلماً سينمائياً تمنيت أن أخرجه، لأن لها علاقة بالشغف والحلم، وكيف يحارب الإنسان نفسه لتحقيقه، بالإضافة إلى إحساس القصة الذى أحببت أن أنقله للفيلم مثل الرواية، رغم أن اللغة البصرية فى السينما تختلف عن الرواية». وأضاف أن «التجربة مهمة جداً بالنسبة له، مشيداً بالمخرجين الذين قدموا أفلامه مثل عثمان أبولبن، وهادى الباجورى».
وأضاف أن حلم الإخراج السينمائى كان يراوده منذ صغره إلى جانب الكتابة، وأنه كان يكتب مشاهد ويطلب من زملائه تمثيلها، مؤكداً أنه بدأ مسيرته بالكتابة لأن الرواية هو الذى يتحكم فيها أكثر، كما أن تعقيداتها أقل من الإخراج، كاشفاً أنه انتظم فى دراسة السينما لمدة 6 سنوات، وقام بعمل أكثر من فيلم قصير لتدريب نفسه على الإخراج، وأنه بطبيعته لا يدخل أى مشروع إلا بعد دراسته جيداً، لذلك كتب 13 رواية غير منشورة قبل أن يصدر روايته الأولى.